من مشاهد العبث بـ «الشرعية»

كان من المعلوم بالضرورة أن مجلس النواب المصري سيوافق في جلسته التي عُقدت الخميس الماضي 14 فبراير 2019، على مبدأ تعديل بعض مواد الدستور ومن بينها المادة التي تسمح للرئيس الحالي بالترشح لمدتين متتاليتين، ما يُتيح له البقاء في السلطة حتى عام 2034 بعد انتهاء مدة ولايته الحالية.

قطار التعديلات انطلق من محطته قبل شهور، والمواد المُراد تعديلها وصلت إلى نواب «دعم مصر» ووقعوا عليها في اجتماع لائتلافهم مطلع الشهر الجاري، ثم رفعوها إلى برلمانهم لتمريرها بعد ضمان أغلبية مريحة، ومعارضة وديعة لا تثير الرأي العام في الخارج أو تحشد الجماهير في الداخل لضمان تمرير الطبخة الدستورية دون صخب.

أُعدت العدة ومُهدت الأرض، أُخرج الإعلام من المعادلة بتعليمات مباشرة فرضت عدم الاقتراب من «التعديلات المقترحة» لا بالمعارضة أو لا حتى بالمناقشة الهادئة، ومن عَلاَ صوته من نواب البرلمان بالرفض تمّ التشهير به وفضحه بتسريبات طالت سُمعته، وهو ما فرض على نواب آخرين -كان لهم صوتًا في قضايا أخرى- «السكوت» أو الهروب من المواجهة، ولم يعارض التعديلات وفقًا لمضبطة الجلسة سوى 16 نائبًا، إضافة إلى انسحاب نائب وصف التعديلات بأنها عدوان على الشعب.

قبل الجلسة بأيام، توقع البعض أن يصل عدد رافضي التعديلات الدستورية إلى نحو 100 نائب، وهو  العدد نفسه الذي أعلن رفضه لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية والتي تنازلت بموجبها مصر عن جزيرتي تيران وصنافير، لكن ذلك لم يحدث بسبب أجواء الترهيب التي سبقت جلسة تمرير مبدأ التعديلات الدستورية.

وفقًا لمصادر مطلعة فإن عدد كبير من النواب الذين غابوا عن تلك الجلسة -98 نائبًا، آثروا السلامة بعد تلقيهم رسائل مباشرة وغير مباشرة بتكرار ما جرى مع نواب آخرين من فضح وتشهير، أو بعدم دخولهم المجلس مرة أخرى في الانتخابات المقبلة التي ستُجرى قبل 60 يومًا من انتهاء الدورة البرلمانية الحالية في 2021. أحدهم تحجج بأن لديه امتحان في الدراسات العليا منعه من حضور جلسة التصويت على التعديلات، ثم كشف جدول امتحانات الجامعة التي يدرس فيها أن اليوم الذي أُجريت فيه الجلسة لم يشهد أي امتحانات، وآخر معروف بمعارضته -حتى للهيئة البرلمانية لحزبه- أغلق هاتفه المحمول حتى لا يضطر إلى تفسير سر غيابه للصحفيين.. وهكذا.

جلسة النواب إياها، تبارى فيها نواب الأغلبية لتأييد رئيس الجمهورية الذي استقر على منصبه عبر صناديق الاقتراع، وشنّ بعضهم الهجوم على القلة المندسة من المعارضة، فقط لأنها عارضت التعديلات التي تهدف إلى بقاء الرئيس وتدستر إحكام قبضته على باقي سلطات الدولة.

في ذروة الحماس، لعن أحد هؤلاء النواب «الديمقراطية» التي تتشدق بها النخب التي تنعم بأموال الخارج ولا تشغل بالها بهموم المواطنين، ولم ينس بالطبع الدعاء لفخامة الرئيس. نسى صاحبنا أنه هو شخصيًا أتى إلى مجلسه عبر آليات تلك «الملعونة»، التي أتاحت له ولغيره تمثيل الشعب، ونسى أيضًا أن المؤسسة التي ينتمي إليها هي جزء من دولة نصّ دستورها على أن «نظامها جمهوري ديمقراطي».

نائب آخر من عينة «النواب الشرفاء» أراد التجويد، فأخذته العزة بالأثِم ورد على المزايدين الذين تجرأوا ورفضوا التعديلات لأنها تتمّ لصالح رئيس الدولة، وقال: «فيه ناس بتقول إحنا بنعدّل الدستور عشان الرئيس، وبنقولهم جميعًا: أيوة.. إحنا بنعدّل الدستور عشان خاطره.. إحنا عاوزينه يكمل معانا في الحكم دورة، واثنين، وثلاثة، وعشرة».

سقط من ذاكرة هذا النائب أن رئيس تلك الدولة تعهد أمام الملايين من شعبه قبل ولايته الثانية أنه لا ولن يسعى إلى البقاء في الحكم. وقال بالنص في حوار مع شبكة CNBC الأمريكية في نوفمبر 2017: «ليس هناك رئيسًا سيتولى السلطة دون إرادة الشعب، ولن يستطيع أيضًا أن يواصل لفترة أخرى دون إرادة هذا الشعب، وفي كلتا الحالتين فهي 8 سنوات، وأنا مع الالتزام بفترتين رئاسيتين؛ مدة الواحدة منهما 4 أعوام، ومع عدم تغيير هذا النظام.. وأنا لستُ مع إجراء أي تعديل في الدستور في هذه الفترة».

منح البعض أصواتهم للرئيس الحالي بعدما تعهد أمامهم بعدم تعديل الدستور، وبأنه ملتزم بالرحيل بعد انقضاء ولايته الثانية، وهو ما تمّ التعامل معه باعتباره وعد وعهد، ورغم تضرر البعض من قرارات الرئيس الاقتصادية والسياسية إلا أنهم راضون ببقائه لفترة ثانية، آملين أن يرحل كما تعهد هو، وكما ينصّ الدستور الذي أقسم على احترامه، فكيف لهذا النائب وزملائه في المجلس الموقر التلاعب بالعهد الذي توافق عليه الحاكم والمحكوم.

لم يقف أمر هؤلاء القوم من «النواب الشرفاء» عند هذا الحد، بل إنه عندما طلب نائب شارد أن تُعرض التعديلات على الرئيس لأنه المعني بها، ولأنها تخالف مواقفه وتعهداته السابقة، فرد عليه رئيس «الموقر» في ذات الجلسة وقال بكلمات حاسمة: «لا علاقة للرئيس بتعديلات الدستور المقترحة من نواب البرلمان.. وهذه التعديلات مُقدمة من البرلمان، ولا علاقة لمؤسسة الرئاسة بها لا من قريب ولا من بعيد.. ومن حق المجلس أن يعدّل الدستور، ومن حق الرئيس طلب التعديل، لكن المبادرة جاءت من المجلس، لذا ستظل قصرًا على المجلس حتى نهاية الإجراءات»، مؤكدًا أن التعديلات لم تتجاوز الضمانات التي أشارت إليها المادة 226 الحاكمة.

ناقض رئيس المجلس نفسه، ونسى أنه نفى خلال جلسة برلمانية عُقدت في 14 ديسمبر 2016 وجود أي نيّة لدى مجلسه لتعديل النص الخاص بمدة رئيس الجمهورية الواردة في الدستور، مؤكدًا أن ما ردده الزميل إبراهيم عيسى في برنامجه التلفزيوني عن تعديل الدستور «كذب في كذب»، وقال علي عبد العال باعتباره أستاذًا للقانون الدستوري وأحد أعضاء لجنة العشرة التي صاغت الدستور الحالي: أن الإعلامي الذي أطلق هذه «الأكاذيب» نسي أن هناك نصًا حاكمًا في الدستور أصررنا على وضعه في لجنة العشرة لمدة رئيس الجمهورية يقول: «وفي جميع الأحوال لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية ما لم يكن التعديل متعلقًا بمزيد من الضمانات» [من المادة 226].

استمرت الجلسة على ذات الوتيرة، وأدلى فيها «النواب الشرفاء» بدلوهم في التعديلات المقترحة، وانتصب معظهم دفاعًا عنها لأنها ستضمن استقرار الدولة وتحمي الإنجازات الأعظم في تاريخ البلاد والعباد، وتعمل على استمرار العمل فيها، ولم يخل الأمر من سب المعارضين أصحاب الأجندات والفيديوهات، وأدعياء الديمقراطية والحرية والتعددية وتداول السلطة وكل تلك الشعارات الجوفاء التي ستعرقل مسيرة البناء.

نواب «الموقر» وافقوا في جلستهم على مبدأ التعديلات الدستورية، ليضمنوا للرئيس الحالي التأبيد في منصبه حتى عام 2034 بسلطات لم تمنح إلا للملوك والسلاطين في عصور الحكم بالحق الإلهي، وتجعله رئيسًا أعلى للسطات الثلاث؛ «تنفيذية وتشريعية وقضائية».

لا تُفصل الدساتير على مقاس أفراد أيا كان موقعهم، وأيا كانت إنجازتهم وشعبيتهم، فالقاعدة الأولى التي يتعلمها دارسو الحقوق والقانون أن مواد الدستور والقانون لا تخاطب أشخاص بعينهم، ويجب أن تكون عامة ومجردة تسري أحكامها على جميع الأفراد والوقائع، وإقحام استثناءات على الدساتير التي هي عقد ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم تلاعب يفقد الأنظمة مشروعيتها.

شرعية الرئيس الحالي ونظامه مرتبطة باحترام الدستور الذي تولى سلطاته وفقًا له، وأي تعديل أو تلاعب في نصوص الدستور يكسر جدار تلك الشرعية، ويحول نظام الحكم من نظام يحكم وفق آليات دستورية تمّ التوافق عليها سلفًا إلى نظام يحكم بقوة الأمر الواقع.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ