صفحة من التاريخ الحزين لدساتير مصر

هذه مقالة بالغة الأهمية للمرحوم الأستاذ توفيق دياب -الملقب بخطيب ثورة 1919، ومؤسس صحيفة الجهاد- ضد الانقلاب الأول على دستور 1923 بقيادة محمد محمود باشا، زعيم الأحرار الدستوريين، في عام 1928. عثرت عليها في أثناء مطالعة تاريخ هذه الثورة، بمناسبة ذكراها المئوية، ومن المفارقات المحزنة أن 90 عامًا من الزمان لم تغير من حجج دعاة الحكم المطلق في أيامنا هذه.

بكل الأسى لا مفر من الاعتراف إذن بأن مشروع تعديل  دستور مصر الحالي للتلاعب بمبدأ الحد الأقصى للفترات الرئاسية، وكذلك إلغاء مبدأ التوازن بين السلطات، ليس إلا إحدى الحلقات المتكررة من العبث بالدساتير  في حياة مصر السياسية منذ أن صدر أول دستور، إذ لا يكاد تاريخنا يعرف دستورًا واحدًا لم يتعرض للعبث، أو الانقلاب، أو التجاهل، أو التحايل؛ لتفريغه من مضمونه المقيد للسلطة المطلقة.

ولا بد أن القارئ سيندهش كذلك من تكرار آفة انقلاب كثير من السياسيين والمثقفين على أفكارهم وإنجازاتهم هم أنفسهم، لمجرد أن التطبيق الصحيح للدستور حرمهم، أو يمكن أن يحرمهم، من السلطة.

هذا المقال طالعه المصريون يوم 20 يوليو عام 1928، و هو كما قلنا للأستاذ محمد توفيق دياب في جريدة الأهرام، يرد به على مدبري الانقلاب الدستوري الأول في تاريخ مصر، كما يفحم فيه المروجين لهذا الانقلاب، وأهمهم الدكتور محمد حسين هيكل، رئيس تحرير جريدة السياسة، الناطقة باسم حزب الأحرار الدستوريين، وقد تسبب هذا المقال في فصل صاحبه من وظيفته في الجامعة.

وها هو ذا نص المقال بتصرف يسير جدًا:

«أمس، يوم 19 يوليو عام 1928، يوم حالك السواد في تاريخ مصر الحديث، فقد حجبت الوزارة فيه شمس الحياة النيابية، وحكمت عليها بالحجب ثلاث سنين على الأقل، فإذا بدا للحكم المطلق بعد انقضائها أن البلاد أصبحت جديرة بنور الشمس أنعم بها عليها من جديد، وإلا فإلى الظلام مرة أخرى، وإلى أمد غير معلوم.

وأعجب العجب، والأمر الذى يبدو لنا سخرية مرة من سخريات القدر، ألا يتاح لهذه الفعلة التى تلقاها المصري كما يتلقى الولد نعي أمه، أو الأم نعي وحيدها حزنًا وإن يكن مكظومًا، ودموعًا وإن تكن محبوسة، وسخطًا يبلغ درجة الغليان بلا دمدمة ولا أزيز.. سخرية مرة من سخريات القدر ألا يتاح لهذه الفعلة سوى وزارة على رأسها حر «دستوري» له المقام الأول بين الدستوريين، وفي أعضائها مفكر مشهور وديمقراطي قديم، طالما كتب منذ عشرين سنة تحت عنوان «من أجل هذا نطلب الدستور».

سخرية مرة أن يؤتي الدستور من مأمنه، وأن يشله هذا الشلل أولئك الذين طالما تغنوا بأنهم آباؤه وأمهاته، ولدوه بشق الأنفس، وبعد طول المخاض ، فيا لهم من أباء يئدون وليدهم، أو يحطمون يديه، ويبترون ساقيه، لأنه لم ينل إعجابهم، وما زال طفلًا لم يبلغ من العمر خمس سنين.

نعم، إن هي إلا خمس سنين منذ ولد ذلك الطفل المعذب المسكين، بل خمس سنين إلا شهور، على أن البرلمان لم يعقد خلالها سوى خمسة عشر شهرًا، وكانت مدة الائتلاف في الوزارة والبرلمان حوالى سبعة شهور، ومن هذا ينتج أن الكثرة البرلمانية لم تنفرد بالحكم إلا حوالى ثمانية أشهر، فهل يزعم زاعم، وهل تزعم الوزارة أن ثمانية أشهر -ولو كان الحكم سلسلة متصلة من السيئات- كافية لانتزاع الرحمة بالدستور من قلوبكم، إلى حد أن تعطلوه زمانًا أقله ثلاث سنوات، وأكثره لا تعلمونه، فهل عن بصيرة وتدبر فعلتم فعلتكم الكبرى هذه، أم عن ثورة من الغضب طار لها الصواب كل مطار؟! إن تكن هذه أو تلك فقد كتبتم لأنفسكم في تاريخ مصر صحيفة لا يفاخر بها إنسان، وأشرفتم بها على شفا جرف هار، وأنتم تعلمون أو لا تعلمون.

لماذا لم تتركوا الحكم لأعضاء الكثرة البرلمانية أيها السادة المصلحون، حتى يتبين الناس خطأهم إن كانوا يخطئون، وجورهم إن كانوا يجورون، ومواضع الفساد من أعمالهم إن كانوا يفسدون؟، فإذا تبينت الأمة ذلك منهم فى مدى عام أو عامين أو خمسة أعوام وهبتكم ثقتها وأعادتكم إلى البرلمان كثرة حاكمة، لا قلة محكومة، إذن لكان فوزكم فوزًا دستوريًا مشروعًا، ولكان إخفاقهم إخفاقًا دستوريًا مشروعًا، أما الآن أيها السادة فماذا تقولون؟! تقولون جربنا الكثرة فى الحكم ثمانية أشهر فلم تعجبنا، فرأينا أن نمحو الكثرة من سجل النواب، واتخذنا إلى هذه الغاية وسيلة قريبة هينة هى سجن الدستور، ووقف أهم مواده التي هي روحة ومرماه.

أيتها الوزارة التاريخية المصلحة الكبرى، لو أن كل الأمم ينزع منها دستورها، وحياتها النيابية ثلاث سنين على الأقل كلما أساءت الكثرة، أو كلما ظن بها السوء طائفة من الناس قليلة أو كثيرة ، لما بقى إلى اليوم في العالم المتحضر دستور قائم، أو حياة نيابية محترمة، ولو أن كل أمة حصلت على الحياة النيابية كان مفروضًا عليها أن تكون هذه الحياة منزهة عن العيوب، ومواضع الضعف في خمس السنين الأولى من وجودها وإلا ذهبت في أقل من لمح البصر، لكانت الحياة النيابية معلقة على أمر من المحال تحقيقه، وهو أن تولد النظم الاجتماعية والسياسية كاملة من حيث المبادئ، كاملة من حيث التطبيق، ولم يقل بهذا أحد، ومن العبارات المأثورة عن الفيلسوف البريطاني جون استيوارت ميل ردًا على المستعمرين الذين يحولون بين الأمم المستضعفة وبين استقلالها وحقها في الحياة النيابية بحجة أنها لم تنضج بعد: «إن الاستقلال والحياة النيابية أمران تمرن عليهما الأمم، فتارة تخطئ، وتارة تصيب، حتى يغلب الصواب على الخطأ، ولن تكون الأمم قادرة على الاستقلال إلا إذا استقلت بالفعل، ولن تكون قادرة على الحياة النيابية حتى تمارسها زمانًا طويلًا».

فهل يستقيم في رأى الوزارة المصرية المصلحة أن تغلق المدرسة إذا لم ينجح فى إحدى سنواتها كثرة التلاميذ؟ هل سمعتم بهذا يا رجال التربية والتعليم؟! هل سمعتم بهذا يا رجال السياسة ودهاة الأمم وقادة الشعوب في كافة بلاد الأرض؟.

لقد فعلتموها أمس 19 يوليو عام 1928، ولم يفعل مثلها زيور باشا، وإنما فعل مثلها الإنجليز بمجلس نوابنا القديم على إثر الثورة العرابية، منذ حوالى نصف القرن من الزمان، وعزيز على مصر أن تطعن فى حياتها النيابية مرتين: إحداهما من الاحتلال منذ عشرات السنين، والأخرى اليوم بيد وزيرنا الأكبر وكيل الأحرار الدستوريين، وفيلسوفنا شيخ ديمقراطيين.

انتهى هنا مقال توفيق دياب، وطبعا هو كان يقصد بالفيلسوف أحمد لطفي السيد، لكن سياق المقال كله كان دحضا للحجة التي روجها القصر الملكي والأحرار الدستوريون ضد دستور 23 بمجرد أن أسفرت أول انتخابات برلمانية عن فوز حزب الوفد بزعامة سعد زغلول بالأغلبية البرلمانية الكاسحة، هذه الحجة التي أشاعت أن الدستور ثوب فضفاض على الأمة المصرية، وأن هذه الأمة لم تنضج بعد، ولا تعرف مصالحها لا لشيء إلا لأنها لم تنتخب هؤلاء الأحرار ورجال القصر، وبالتعبير الشائع في أيامنا هذه يكون دستور 1923 قد كتب بحسن نية، كما يقال عن دستور مصر الحالي لمجرد أنه يتضمن موادًا تحد من السلطة المطلقة، وليتها تطبق!، ومادة تمنع تخليد رئيس الجمهورية في منصبه.

يبقى أن إحدى الحقائق البارزة في تاريخ مصر أن العبث بالدستور كان دائمًا وخيم العواقب، فلم يقض على النظام الملكي في حقيقة الأمر سوى تلاعبه بالدستور، ولم يوقع رؤساء جمهورية يوليو في الأخطاء الكبرى أو النهايات المأساوية الا العبث بالدستور لاستبقاء الحكم الفردي المطلق.     

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد