الجيش في التعديلات الدستورية: الحفاظ على مدنية الدولة من أجل عسكرة الحكم
 
 

في ظل محاولات فهم التعديلات الدستورية وما الذي يعنيه تطبيقها، برزت المادة الخاصة بالمهام الجديدة للقوات المسلحة في التعديلات كمادة مبهمة لم يستطع الكثيرون التنبؤ بما سيعنيه تطبيقها فعليًا على صعيد الإجراءات والقرارات التي قد يتخذها الجيش تنفيذًا لها.

بخلاف كافة الدساتير التي عرفتها مصر منذ 1882 وحتى 2014، جاءت التعديلات الدستورية، المعروضة على مجلس النواب حاليًا، بمهام جديدة للقوات المسلحة، بجانب وظيفتها الوحيدة المتعارف عليها من حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها.

من المقرر أن تعطي التعديلات الدستورية للقوات المسلحة ثلاث مهام جديدة تتمثل في «صون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد».

آلية ترجمة هذه المهام على أرض الواقع كانت محل تأويلات مختلفة، من عسكريين وسياسيين ومؤرخين وقضاة؛ فمنهم من اعتبرها مدخلًا لتدخلات لا نهائية من القوات المسلحة في الحياة السياسية، لمنع وصول غير العسكريين إلى مقعد الرئاسة بعد انتهاء «مُدَد» الرئيس الحالي؛ عبد الفتاح السيسي، ومنهم من ذهب إلى أبعد من ذلك؛ معتبرًا أنه بإقرار هذا التعديل سيتحوّل الجيش إلى السلطة العليا في الدولة، والمخول لها تفسير مواد الدستور، في المقابل اعتبرها آخرون إقرارًا لما هو مطبّق بالفعل ومتعارف عليه منذ 3 يوليو 2013، ولن يترتب عليها جديدًا.

الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، أكد أن استخدام التعديلات الدستورية لمصطلحات بالغة العمومية لمهام القوات المسلحة، يفتح الباب لتدخلات لا نهائية من الجيش في الحياة السياسية، مضيفًا لـ «مدى مصر» أن إسناد مهام فضفاضة للجيش مثل «حماية الديمقراطية»، و«مكتسبات الشعب»، وغيرها، هو أمر مقصود؛ لإحاطة تلك الاختصاصات بالغموض، حتى يكون للقوات المسلحة أن تتدخل في أي وقت لترجيح كفة فصيل سياسي ما على حساب آخر.

وأوضح السيد أنه عندما تتحدث المادة عن دور للقوات المسلحة في الحفاظ على مدنية الدولة، فهذا يعني أنه من حق القوات المسلحة التدخل من تلقاء نفسها إذا نجح حزب إسلامي مثلًا في الحصول على الأغلبية البرلمانية؛ بالغاء النتيجة، أو إذا كان مرشح لرئاسة الجمهورية متعاطف مع الإسلاميين وحصل على أغلبية في الانتخابات، فالصلاحيات الجديدة تتيح للقوات المسلحة منع وصوله للمنصب، تنفيذًا لدورها في حماية مدنية الدولة، على أن يكون للقوات المسلحة نفسها تحديد آلية التنفيذ وقتها.

وعرفت مصر في الفترة من 1882 وحتى الآن تسعة دساتير (1822 و1923 و1956 و1958 و1964 و1971 و2012 و2014)، تضمنت جميعها، باستثناء الدساتير الصادرة في العهد الملكي (1882 و1923)، مادة للقوات المسلحة تحدد مهمة وحيدة للجيش هي «حماية البلاد، والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها»، في حين أضاف لها دستور 1964 مهمة «حماية مكاسب النضال الشعبي الاشتراكية».

عمرو عبد الرحمن، مدير وحدة الحريات المدنية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، اتفق مع السيد في التأكيد على أن تضمين مهام وصلاحيات القوات المسلحة بعبارات فضفاضة يعطي للقوات المسلحة هامش واسع لتفسير ما يُهدد مدنية الدولة وفقًا لرؤيتها، مضيفًا لـ «مدى مصر» أنه بحسب هذه القاعدة، قد يكون وصول حزب حاكم ليس على هوى القيادة العامة للقوات المسلحة تهديدًا لمدنية الدولة، وقد تكون أجندة حزب حاكم تهديدًا أيضًا لمدنية الدولة، أو ترشح شخص ما للرئاسة، أو غيرها مما قد تراه قيادة القوات المسلحة  تهديدًا لمدنية الدولة أيضًا. ولكن في المقابل قد لا تجد قيادة القوات المسلحة في ممارسات واقعية على الأرض، متعلقة بالتحريض الطائفي أو العنف الطائفي مثلًا، تهديدًا لمدنية الدولة.

وزاد عبد الرحمن بأن التوسع في اختصاصات القوات المسلحة في التعديلات الأخيرة، وإعطائها سلطات غير محددة تجاه الديمقراطية والدستور ومدنية الدولة وحقوق وحريات الأفراد وغيرها، قد يجعل من قيادة القوات المسلحة في النهاية السلطة المفسرة لكل مواد الدستور، وهو أمر «مرعب»، حسبما قال، مفسرًا ذلك بأن الدستور الحالي يتضمن عدد من المواد غير المقبولة من وجهة النظر الديمقراطية؛ مثل المواد الخاصة بمجلس الدفاع الوطني، والقضاء العسكري، ولكنها تظل في النهاية مواد محددة المعنى والصياغة.

مصدر قضائي بالمحكمة الدستورية العليا، شارك عبد الرحمن في التخوف من هيمنة القوات المسلحة على تفسير وتأويل مواد الدستور، موضحًا لـ «مدى مصر» أن القاعدة العامة المتعارف عليها أن حماية أو «صون» الدستور هي مهمة الشعب وكافة سلطات الدولة، وذلك بتنفيذ أحكامه، ولا يوجد سلطة بعينها مخول لها هذه المهمة.

وأشار نائب رئيس المحكمة الدستورية، الذي فضل عدم ذكر اسمه، إلى أن المحكمة الدستورية العليا تقوم بحماية الدستور من تعدي القوانين على مواده ومخالفتها، ولكنها تمارس هذا الدور بشرط أن تعرض عليها منازعات قضائية تتعلق بقوانين تتعارض مع مواد ما بالدستور.

وشدد نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا على أن تضمين اختصاصات القوات المسلحة نصًا لـ «صون الدستور»، يفتح الباب لتساؤلات عن مدى ملائمة استخدام هذه العبارة في الدستور وكيفية تفسيرها، ونطاق الدور الذي ستلعبه القوات المسلحة تنفيذًا لذلك النص، وإن كان يمثل اعتداءً على السلطة التشريعية من عدمه، مضيفًا أنه يتمنى ألا يصل دورها إلى حد احتكار سلطة تفسير الدستور لنفسها، لخطورة هذا الدور على مبدأ الفصل بين السلطات، وعلى حجية أحكام الدستور التي سيخضع تفسيرها في هذه الحالة إلى تأويلات قيادة القوات المسلحة.

ولفت نائب رئيس المحكمة الدستورية إلى أنه وقت كتابة دستور 2014 طُرح على أعضاء لجنة الخبراء العشرة مقترح بإعطاء المحكمة الدستورية العليا سلطة تفسير النص الدستوري كما هو مطبّق في عدد من الدول الأجنبية، غير أن لجنة العشرة لم تأخذ بهذا المقترح، وأكد غالبية أعضائها وقتها بأن الدستور لا بد أن يُصاغ بطريقة يفهمها جميع أفراد الشعب.

في مواجهة الآراء المتخوفة من عمومية المهام الجديدة للقوات المسلحة، أكد  اللواء أحمد العوضي، وكيل لجنة الدفاع والأمن القومي، ونائب رئيس ائتلاف «دعم مصر»، أن التعديلات لا تحمل جديدًا عما يقوم به الجيش على أرض الواقع منذ ثورة 30 يونيو، وتحديدًا منذ 3 يوليو 2013 وحتى الآن، مضيفًا لـ «مدى مصر» أن الإقرار بتلك الصلاحيات للجيش، والنصّ عليها في الدستور لن يترتب عليه جديد في الظروف العادية، ولكن في حال تعرض البلاد لخطر يتعلق بمدنية الدولة أو بنظامها الديمقراطي أو غيره، سيكون على القوات المسلحة التحرك الفوري بقرار من قائدها العام، دون انتظار قرار من رئيس الجمهورية الموجود في ذلك التوقيت، لإقرار ما تراه محققًا للصالح العام.

وتنصّ المادة 234 من الدستور على أنه «يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلي للقوات المسلحة وتسري أحكام هذه المادة لدورتين رئاسيتين كاملتين اعتبارًا من تاريخ العمل بالدستور». في حين لا يضع التعديل المقترح قيدًا زمنيًا على تعيين الوزير هكذا: «يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة».

وفيما لم يحدد العوضي مقصد «دعم مصر» -مقدم التعديلات- من المهام الجديدة، وماهية الأخطار التي ستستخدم القوات المسلحة مهامها الجديدة في مواجهتها على وجه الدقة، اكتفى اللواء يحيى الكدواني، عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بالتأكيد لـ «مدى مصر» على أن المرحلة الحالية تتطلب إعطاء كل الصلاحيات للقوات المسلحة، بوصفها القوة القادرة على فرض المصلحة العليا للدولة على كل من تسول له نفسه المساس بمدنية الدولة أو مقدراتها وأمنها القومي.

المعنى نفسه أكد عليه أستاذ التاريخ بجامعة حلوان، شريف يونس، الذي وصف التعديل الخاص بمهام القوات المسلحة بـ «النقطة الأساسية» الأبرز من مدّ رئاسة السيسي في التعديلات، مفسرًا في قراءته للتعديلات الدستورية بأن إضافة  اختصاصات جديدة للجيش هو «توكيل للقوات المسلحة دستوريًا في المشاركة في حراسة شرعية التفويض». وهو ما فسره يونس بالتصدي لأية محاولة لتهديد مدنية الدولة سواء من قلب الدولة نفسها، أو من خارجها.

وكان السيسي، وقت أن كان وزيرًا للدفاع، قد طالب المواطنين في كلمته الثانية بعد إعلانه عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، بالنزول إلى الميادين يوم الجمعة 26 يوليو 2013 لتفويضه لمحاربة الإرهاب، وهو ما استجاب له عدد كبير من المواطنين وقتها بالنزول إلى ميدان التحرير وغيره من الميادين في المحافظات.

وأشار يونس إلى أن المهام الجديدة للقوات المسلحة تهدف بالأساس إلى منع عودة الماضي، والحيلولة دون أي تهديد للدولة الوطنية، بترسيخ أو «مأسسة» شرعية التفويض بحسب وصفه، من خلال تحصين وإشراك المؤسسة العسكرية دستوريًا في حماية المبدأ الوطني ومنع عودة شبح الدولة الدينية.

فيما أكد مصطفى كامل السيد أن النموذج العملي لإعطاء القوات المسلحة هذه المهام الفضفاضة هو النموذج التركي عندما كانت هيئة أركان للقوات المسلحة التركية تلتزم بالدفاع عن التراث الأتاتوركي [نسبة لمصطفى كمال أتاتورك] الذي ينطوي على تفسير ضيق جدًا للعلمانية، وبالتالي كانت تتدخل في الحياة السياسية حتى تُسقط حكومات تشكلها أحزاب إسلامية مثل حزب «الرفاه» في البداية، انطلاقًا من التفسيرات الواسعة لمفهوم الحفاظ على العلمانية، الذي يستوعب التدخل المستمر في الحياة السياسية بدعوى وقف أعمال إرهابية تهدد تركيا في السبعينيات، مشددًا على أن النموذج التركي ألهم مُعدي التعديلات الدستورية، وذلك رغم تراجع تركيا عن هذا النهج، بسبب رغبتها في الانضمام للاتحاد الأوروبي، وهو ما أجبرها على التخلي عن هذا الالتزام من قِبل القوات المسلحة التركية، وذلك سعيًا لتوافر شروط النظام السياسي الديمقراطي التي يطلبها الاتحاد الأوروبي، بحسب السيد.

واتفق شريف يونس مع هذه الرؤية، موضحًا أن الصيغة الحالية للمهام المتعلقة بالقوات المسلحة قريبة مما جاء في دستور تركيا الصادر في 1921، وحمت هذه المهام تركيا لمدة عقود من أية محاولة لاستعادة الخلافة أو ما يقرب منها.

اعلان
 
 
رندا مصطفى