يتمنَّعن وهن الراغبات
 
 

أطلب منكم أن تمعنوا النظر في اللوحة السابقة، ولكن دعوني أعطيكم أولًا خلفية لماهية هذا الشيء الذي أمامكم: هذان مشهدان من فيلمين مصريين، في كلا المشهدين يدور الحوار بين رجل وامرأة في سياق جنسي. لاحظوا كم مرة تتردد كلمة «لا» في كلام المرأتين.

إنها لعبة الصياد والفريسة، أشهر وأقدم الألعاب الجنسية وأكثرها إثارة بالنسبة للكثيرين.

الآن، أطلب منكم أن تغمضوا أعينكم وتتخيلوا ما نراه على الشاشة مصاحبًا لهذا الحوار.

هل ترون المشهد؟

«يتمنعن وهن الراغبات»، إنها المقولة التي تلخص المفهوم السائد في ثقافتنا عن تعبير المرأة عن الرغبة. هي تقول «لأ» بغنج ودلال. هو يعلم أنها تريده، يعلم أن «لأ» التي تقولها ليست سوى دعوة منها للاستمرار. هو يعلم أن «لأ» التي تقولها هي في الحقيقة «آه». الفريسة تقوم بإغواء الصياد وتستمتع بملاحقته لها، واستسلامها لرغباته مرهون بإثباته لقدرٍ كافٍ من الفحولة يجبرها على الرضوخ لتخر قواها بين ذراعيه المفتولتين، وتكف عن المقاومة ليغرقا في بحر العسل.

هل ترون المشهد الآن؟

حسنًا، ماذا لو أخبرتكم أن أحد المشهدين هو المشهد الذي قمنا للتو بتخيله بين امرأة وعشيقها، بينما المشهد الآخر هو في حقيقة الأمر مشهد اغتصاب عنيف؟

تعني كلمة اغتصاب في اللغة العربية أخذ الشيء قهرًا وظلمًا دون حق، وقد شاع استخدام الكلمة للإشارة إلى الاعتداء الجنسي، وعليه فالاغتصاب هو ممارسة الجنس مع شخص دون رضاه، وهو يدخل ضمن ممارسات عديدة تسمى بالعنف الجنسي.

هل يمكنكم تخمين أي المشهدين هو مشهد الاغتصاب؟ ما الذي يعنيه كون خطاب المرأتين واحد في كلا المشهدين؟

في البداية، لنتفق أن الاستناد لتلك الجمل الحوارية بشكل مجرّد لإلقاء الضوء على التطبيع مع ثقافة العنف الجنسي في السينما التجارية هو تبسيط مخل، فمدلول هذه الكلمات يختلف باختلاف سياق المشهد، ولا يحق لأحد إصدار أحكام أخلاقية على الفانتازيا الجنسية والأدوار التي يلعبها أشخاص بالغون يمارسون الجنس بالتراضي مهما بلغ جموح هذه الفانتازيا، حتى لو كانت فانتازيا إرضاخ الطرف الرافض لممارسة الجنس؛ فانتازيا الاغتصاب.

ولكن..

ما الخط الفاصل بين الفانتازيا (مهما بلغ جموحها من وجهة نظر البعض) وبين ثقافة إشكالية تطبِّع مع العنف الجنسي ولها تجليات ملموسة على أرض الواقع؟

لنأخذ مثلًا متطرفًا بعض الشيء حتى يمكننا رؤية الصورة بوضوح أكثر.

بالنسبة للبعض، فإن فانتازيا العودة للطفولة هي لعبة مثيرة جنسيًا. من ضمن الممارسات التي يمارسها هؤلاء الأشخاص مثلًا، أن يقوم الرجل (على سبيل المثال) بارتداء الحفاضات والتبول والتغوط بينما تقوم المرأة بتنظيفه وتغيير حفاضاته تمامًا كما لو كان طفلًا رضيعًا كجزء من الممارسة الجنسية التي يمارسانها بالتراضي وتمنحهما المتعة. نحن هنا أمام فانتازيا، حتى لو تقزّز البعض من الفكرة، إلا أنه أمر لا يشكل ضررًا حقيقيًا لهؤلاء المتقززين، ولا يخص أحدًا سوى الممارسين له بالتراضي. وبنفس المنطق، فمن حق الفنانين (وأعني هنا السينما علي وجه التحديد لأنها موضوع هذا النص) أن يعبروا عن هذه الفانتازيا في أعمالهم إن أرادوا، بدون رقابة مؤسسية، تصادر أعمالهم، أو رقابة مجتمعية تنصب لهم المشانق، وتطالب بحبسهم، بناءً على أحكام أخلاقية محافظة.

ولكن ماذا لو انتشرت ظاهرة (محلية وعالمية) أن الرجال يلقون بسراويلهم الداخلية الملوثة على النساء في الشوارع ويطالبوهن بتنظيف مؤخراتهم القذرة في وسائل النقل العام؟ لو أن الدعاة يحذرون النساء من عقاب جهنم إذا امتنعن عن تشطيف مؤخرات أزواجهن؟ لو أن كل فتيان الشاشة الأوائل في الأفلام التجارية يلاحقون البطلات بالمناديل والوايبس لتنظفن لهم مؤخراتهم؟ بل ماذا لو أن كل بطلة تحلم بشاب وسيم يلوث نفسه وحوائط المنزل بالبراز ويمنحها وحدها شرف تنظيف مؤخرته؟

حسنًا، الآن فأدعوكم لأن تتناسوا صور الحفاضات الملوثة وأن تنظروا مرة أخرى لهذه «الجمل السينمائية» في ظل ما ذكرناه للتو، مع استبدال فانتازيا العودة للطفولة بفنتازيا الاغتصاب بالطبع.

هل تستطيعون استنتاج أي المشهدين هو مشهد الاغتصاب؟

هل إجابة هذا السؤال تشكل أي فرق إذا كنا بصدد سينما ترسخ بشكل منهجي لدوري الذكر/الصياد والأنثى/الفريسة باعتبارهما الأدوار «الطبيعية» للرجل والمرأة في الجنس، بحيث تتجاوز لعبة الرفض والإجبار إطار الفانتازيا ليتم تصويرها كالشكل الأوحد «الطبيعي» والمقبول للعلاقات الجنسية، وأي شكل آخر هو دليل على عهر المرأة وانبطاح الرجل؟

لماذا منهجي؟

لأننا بصدد سينما تعرف نفسها بأنها حاملة رسالة هدفها إرساء القيم الأخلاقية للمجتمع، سينما تعليمية تلعب دور المربي الذي يختم القصة بحكمة ودرس مستفاد، وتحمل على عاتقها مسؤولية ترويض رغباتنا وتحديد معايير تعبيرنا عن هذه الرغبات بما يتناسب مع «قيم المجتمع». سينما تلعب دور الأب ونحن الجمهور الأطفال.

كي لا يُساء الفهم، لست هنا بصدد الادعاء أن السينما النظيفة هي التي ابتكرت ثقافة العنف الجنسي، أو أن التطبيع مع ثقافة العنف الجنسي في السينما ظاهرة خاصة بمصر أو العالم العربي، فهي ظاهرة منتشرة في العالم كله. كما أن هذه ليست دعوة للمطالبة بمنع الأفلام التي تعيد إنتاج هذه الثقافة ونشرها، وإلا لما اختلفت هذه المقاربة عن منطق أصحاب الأصوات المحافظة التي تطالب بتشديد الرقابة وتقييد حرية التعبير بدعاوى حماية المشاهد من التعرض «لأفكار وعادات دخيلة على مجتمعنا الطاهر»، حيث أن منطق الوصاية الأبوي هذا هو نفسه أحد الأسباب الأساسية في نشر ثقافة العنف الجنسي، كما سنرى لاحقًا. إنما هذا النص معني برصد تجليات هذه الثقافة في السينما التجارية/النظيفة في السياق المحلي  في اللحظة الحالية، وكيف يعاد إنتاج هذه الثقافة ونشرها على طريقة البيضة ولّا الفرخة، وتأثير ذلك على مفاهيمنا عن الرغبة والجنس والحب.

ولكن دعونا أولًا نستعرض الظروف التي أنتجت موجة السينما النظيفة.

أول من استخدم مصطلح السينما النظيفة كان الممثل والمنتج المصري حسين صدقي في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي. كان حسين صدقي على صلة وطيدة بعدد من رجال الأزهر، وجاء استخدام المصطلح للتعبير عن شكل السينما الهادفة التي يسعى لإيجادها، حيث كان يرى أن هناك علاقة قوية بين السينما والدين لأن السينما كما جاء في قوله من دون الدين لا تؤتي ثمارها لخدمة الشعب.  إلا أن مصطلح السينما النظيفة أعيد إحياؤه وتفعيله بشكل أكثر إلحاحًا عندما أطلقته على نفسها موجة جديدة من السينما التجارية ظهرت في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، تحديدًا في 1997، ويمكن القول إن فيلم «إسماعيلية رايح جاي» كان نقطة بداية لهذه الموجة. من أهم مميزات هذه الموجة هو اعتمادها الكامل على جيل من الممثلين الشباب والوجوه الجديدة الذين سيصبحون نجوم الصف الأول في يومنا هذا، ولكن الأهم من ذلك هو إعلان هذا الجيل عن رفضهم «للانحلال الأخلاقي» الذي طال سينما الأجيال السابقة وتقديمهم لسينما هادفة ترتقي بالمجتمع ولا تخدش حياء الأسرة، بما يمكن تلخيصه في الجملة الأيقونية التي تتشدق بها نجمات هذا الجيل بكل فخر، وحتى يومنا هذا:

تزامنت نشأة هذه الموجة التي رفعت شعار «لا للإثارة، لا للجنس، لا للمايوهات» مع ظهور موجة ما يسمى بـ «الإسلام المودرن» الذي استهدف الطبقة المتوسطة والمتوسطة العليا من المجتمع، على يد دعاة شباب جدد على رأسهم عمرو خالد، الذين روجوا لنفس الأفكار الرجعية المحافظة لسلفهم ولكن بغلاف شيك يليق بالطبقة، فانتشرت موضة دروس الدين كنشاط اجتماعي تنافسي يستعرض من خلاله أبناء الطبقة قدراتهم على تنظيم أفخم «الحفلات الدراسية» وتقديم أطيب المقبلات الحلال. كانت من أهم «انتصارات» ظاهرة «الإسلام المودرن» هو انتشار الحجاب بين نساء الطبقة البرجوازية عن طريق تبني خطاب من أهم سماته هو أنه يفصل نفسه طبقيًا عن خطاب الجماعات الإسلامية بتقديمه موديل شيك ومودرن للتدين الوسطي الجميل، يعلن عن وجوده في الشارع من خلال أجساد النساء. الدين يسر مش عسر، مش مهم تلبسي خمار ممكن تلفي راسك بتحجيبة سبانيش شيك وإن شاء الله ربنا يهديكي، لو مش هـ تتحجبي مفيش مشكلة بس بلاش لبسك يكون ضيق وإن شاء الله ربنا يهديكي، مفيش مشكلة تمثلي بس بلاش تلبسي مايوه وإن شاء الله ربنا يهديكي، مفيش مشكلة تمثلوا قصص حب بس بلاش بوس وجنس. إنها «ثورة تصحيح» عالهادي.

من عب هذه الثقافة خرج لنا نجوم موجة السينما النظيفة، الذين حرص الدعاة الجدد أيضًا على استقطابهم وتحميلهم مسؤولية إصلاح المجتمع الفاسد من خلال الفن الهادف الذي يحمل رسالة وينشر قيم العفة وينهي عن الرذيلة.

إلا أن هناك سبب أهم لظهور السينما النظيفة، وفرضها للشروط الجديدة للِّعبة.

كانت صناعة السينما في مصر تمر بأزمة شديدة، بدأت منذ أواخر الثمانينيات، كادت أن تقضي عليها تمامًا، حيث انخفض معدل الإنتاج السنوي من مائة فيلم إلى أربعة أفلام. من ناحية أخرى، فإن الطبقة المتوسطة التي تملك القوة الشرائية وتمثل المستهلك الأساسي لصناعة السينما قد تبنت الأفكار المحافظة للإسلام المودرن. فكان من المنطقي أن تتبنى الموجة الجديدة للسينما الأفكار الجديدة للطبقة المتوسطة لتضمن عودتها إلى شباك التذاكر. السينما كصناعة هي بالنهاية عملية رأسمالية، تشكل مواصفات منتجها بناء على طلب المستهلك لتضمن تدفّق الإيرادات. وبناء عليه فإن السينما التجارية تعيد إنتاج ثقافة الطبقة المهيمنة ليعيد المجتمع كله استهلاكها، وهكذا تخلق دائرة مفرغة ويحدث التطبيع.

إلا أن مبادىء الإسلام المودرن المتمثل في موجة السينما النظيفة لم يقتصر تأثيرها على الامتناع عن تصوير المشاهد الجنسية والظهور بالمايوهات وانتصار القيم ونشر مبادئ العفة.  فهذا التساهل الظاهري في الخطاب يخفي في طياته نفس العنف الذي يشيطن الجنس والرغبة باعتبارهما مصدر كل شرور العالم ويجعل المرأة وحدها مصدرًا للشهوة، ليتحول جسدها لأزمة وخطر دائم لازم نشوف له حل. ولأن شيطنة الجنس هو في حد ذاته هوس بالجنس، فإن الانشغال بأجساد النساء والسيطرة عليها سواء بالدعوة للحجاب أو حتى برفع شعار «لا للمايوهات» يصبح «تَذكِرة» مستمرة بالشهوة التي تلاحق الذكور في كل مكان، فالنساء هن أهداف متحركة، المرأة/فريسة للقنص، يشتهيها الذكر/الصياد ويحتقرها كذلك لأنها تجره إلى الرذيلة. إنه كومبو اشتهاء/كراهية المرأة.. من هنا تبدأ ثقافة العنف الجنسي.

ما ترونه في اللوحة السابقة هو جزء من نص المادة الأولى من قرار وزير الثقافة رقم 220 لسنة 1976 الخاص بالقواعد المستخدمة للرقابة على المصنفات الفنية وفقًا لقانون رقم 430 الصادر سنة 1955، التي تنص مادته الأولى على أن القصد من الرقابة هو حماية النظام العام والآداب ومصالح الدولة العليا.

قد يبدو للوهلة الأولى أن نص القرار واضح ولا لبس فيه، ولكن إذا كانت السينما النظيفة قد أتت لتتمرد على الانحلال الأخلاقي الذي طال أفلام السينما التي أجيزت بنفس هذا النص القانوني المعمول به منذ 1976 حتى يومنا هذا، سندرك أن «النظام العام والآداب» هو مفهوم متغير، حيث أن ما «ينبو عن الذوق العام» قبل السينما النظيفة يختلف عما «ينبو عن الذوق العام» بعده! وبالتالي فإن هذا النص المطاط الذي لا يعني شيئًا محددًا ليس سوى سلاح السلطة العابر للأزمنة لفرض ثقافة الطبقة المهيمنة المحافظة، فهي بالنهاية الطبقة التي يخرج منها رجال الدولة. وبالتالي، فإن ما كانت الرقابة تجيزه قبل السينما النظيفة من الصعب جدًا أن تجيزه بعدها.

ليس المقصود بذلك أن تمثيل الرغبة والجنس في السينما التجارية قبل السينما النظيفة كان خاليًا من الإشكاليات من منظور نسوي (وهو ما سيتطرق له هذا البحث في المراحل المقبلة)، فلم يكن غريبًا أن يتم تصوير تعبير المرأة عن الرغبة باعتباره مرضًا خطيرًا كما في فيلم «بئر الحرمان» (1969) حيث أننا طوال مدة الفيلم نحاول علاج سعاد حسني من جنسانيتها، أو كخطر يدمر الرجال كما في فيلم «شباب امرأة» (1956) حيث استدعى الأمر أن يعاقب صلاح أبو سيف تحية كاريوكا بإلقائها تحت عجلة الطاحونة لإنقاذ الرجال الأبرياء من شهوتها المدمرة، أو على أحسن تقدير، اعتبار الجنس خطيئة تقع فيها المرأة نتيجة لضعفها أمام الحب، ليدعونا الفيلم لأن نتعاطف معها ونشفق لحالها حتى ينتهي الفيلم نهاية سعيدة بأن يتستر الرجل عليها وينقذ سمعتها كما في عشرات الأفلام.

رغم ذلك، كان هناك تمثيل للرغبة كجزء طبيعي من العلاقات العاطفية، بل ورغبة متبادَلة غير مقتصرة على الرجل. فكان من المعتاد أن نرى الآتي دون أن يتسبب ذلك  في إثارة غضب أحد:

هل تتذكرون آخر مرة شاهدتم فيها قبلة في أحد أفلام العيد خلال الـ20عامًا الماضية؟

نجحت السينما النظيفة في القضاء على القُبلة، وعلى أي مشاهد جنسية كالتي كنا نشاهدها في سينما ما قبل «النظيفة» التي كانت هي نفسها خاضعة لمعايير الرقابة التي تمنع العُري والجنس الصريح، إلا أن مشهدًا كالتالي كان ممكنًا:

ولكن هل يعني ذلك أن «السينما النظيفة» خالية من الجنس؟

للوصول إلى إجابة، قمت بعمل جدول (سوف يكون مُتاح قريبًا على موقع ويكي جندر) لـ 15 فيلم تجاري تم إنتاجهم خلال العشر سنوات الماضية لفتيان الشاشة الأوائل من النجوم «الشباب»… وعادل إمام.

في البداية لم أكن أعرف تحديدًا ما الذي أبحث عنه، فبدأت بالمعلومات الأساسية عن كل فيلم (اسم، بطولة، إخراج، ملخص…إلخ)، وكلما استوقفني شيء في فيلم أصنع له خانة جديدة، لأجد الشيء ذاته يتكرر في الأفلام الأخرى، حتى وصل الجدول إلى 21 خانة.

أول ما يلفت الانتباه في نتائج البحث هو التشابه الذي يصل إلى حد التطابق في سلوك أبطال الأفلام التي قمت بدراستها، فعلى سبيل المثال:

كما نرى، فإن العنصر المشترك بين حبكات 13 من 15 فيلمًا قمت بدراستهم، هو تجاهل البطل لصد البطلة له بكل الطرق واستمراره في ملاحقتها بالرغم من رفضها الصريح حتى «يفوز بقلبها».

إلا أن تجليات ثقافة الذكر/الصياد والأنثى/الفريسة أو بمعنى آخر ثقافة العنف الجنسي لا تقتصر على الحبكة، فعلى سبيل المثال أدعوكم لإلقاء نظرة على النماذج العشوائية التالية من الجدول:

رغم خلو السينما النظيفة من المشاهد الجنسية على شاكلة مشهد ميرفت أمين ونور الشريف الذي شاهدناه سابقًا، إلا أن شبح الجنس حاضر بقوة، إلا أنه جنس من نوع مختلف يعبّر عن نفسه من خلال رغبات الذكر والذكر وحده، بحيث لا تظهر أنثى على الشاشة إلا وتسبّب ذلك في تعطيل الحدث الأساسي، ليتحول مسار المشهد للتعبير عن رغبة الذكر -بدرجات متفاوتة من الاستحقاق والعنف- في مواجهة الأنثى كمصدر إغواء، سواء كان هذا التعبير في إطار علاقة أساسية في الفيلم أو مجرد ظهور عابر لكومبارس يلحظها البطل أثناء عبوره الشارع للوصول لمكان المشهد التالي.

على سبيل المثال، أدعوكم لمشاهدة الفيديوهات التالية:

لنحاول معًا أن نصل لإجابة للسؤال التالي:

بم نفسر تقبُّل السينما النظيفة وجمهورها للمشاهد السابقة في مقابل رفضها لمشهد نور الشريف وميرفت أمين؟  ففي كلتا الحالتين الجنس هو المحور الأساسي للمشهد حيث أنها مشاهد تعبّر عن الرغبة. هل غياب القبلة الصريحة هو الفارق الوحيد؟

لنعد صياغة السؤال: في سنة 2007 أثار ملصق فيلم «عمر وسلمى» ضجة كبيرة حتى أن المحامي نبيه الوحش أقام دعوى قضائية ضد المنتج والممثل، بدعوى أن الملصق مستفز، لدرجة كبيرة، ويخدش حياء الأسرة.

لماذا يتسبب هذا الملصق، الذي نرى فيه عناق رجل وامرأة بالتراضي في خدش حياء الأسرة، بينما لا تتسبب مشاهد التحرش والعنف الجنسي في الفيلم نفسه في خدش هذا الحياء، بل إنها تلاقي استحسانًا كبيرًا ويتفاعل معها الجمهور بالضحك والتهليل إذا تم تقديمها في إطار كوميدي؟

ألا يمكن أن يقودنا ذلك لأن نستنتج أن أزمة السينما النظيفة (والتيار المحافظ الذي تعبّر عنه) مع الجنس ومفهومها عن الانحلال والعفة مرتبط بشكل مباشر بموقع المرأة من الجنس كطرف فاعل أم مفعول به؟

لماذا يثير حضن تامر حسني ومي عز الدين كل هذا الغضب بينما لا يثير حضن تامر حسني لـ «ساقطة» يشقطها من ملهى ليلي ولكنه يهجرها من أجل البطلة العفيفة أي غضب؟ في كلا الموقفين، فعل الاحتضان بالتراضي موجود، في كلا الموقفين يقوم البطل/الذكر بفعل الاحتضان، الفارق الوحيد هو موقف الأنثى من الحدث، فالحضن يصبح خادشًا للحياء إذا أقبلت عليه الأنثى في المشهد برضاها وبدون أن يتم وصمها بالعهر في الفيلم عن طريق احتقار البطل لها، وبالتالي الجمهور، أي بدون أن تُعاقب عقابًا جماعيًا.

بما إن السينما النظيفة تتبع نظرية أن «الفن رسالة» له دور تربوي في «الارتقاء» بالمجتمع ونشر القيم والأخلاق، فمن المشروع أن نعتبر خلاصة الأفكار المتكررة التي تقدمها هذه الأفلام «دروسًا مستفادة» هدفها إرساء قواعد معينة، بمعنى آخر تطبيع مفاهيم معينة.

لذلك أدعوكم لإلقاء نظرة على بعض الدروس المستفادة التي يمكن استخلاصها من مجموعة الأفلام التي قمت بدراستها.

حتى هذه اللحظة فإن حديثي يقتصر على المحتوى الذي تقدمه هذه الأفلام، إلا أن التطبيع مع ثقافة العنف الجنسي لا يتم فقط على مستوى الأحداث وأفعال الشخصيات، ومن هنا يطرأ سؤال يهمني بشكل شخصي كصانعة أفلام وصانعة صورة بشكل عام: إذا كنا بصدد ثقافة تطبع مع العنف الجنسي وتعيد صياغة المفهوم الجمعي عن الرغبة وماهو مثير، فما هي التجليات البصرية لهذه الثقافة؟ وكيف تعبّر عن نفسها من خلال الجماليات المختارة لتصوير الرغبة والجنس؟

لأحاول الإجابة على هذه الأسئلة قررت أن أتخذ أقصر الطرق بتناول أكثر النماذج مباشرة وفجاجة:

سأعرض لكم الآن مقطعًا من مشهد اغتصاب هيفاء وهبي الأيقوني من فيلم «حلاوة روح». المشهد الأصلي مدته 9 دقائق كاملة، اقتطعت لكم منها دقيقتين أظنهما تكفيان كنموذج لما سأطرحه عليكم لاحقًا.

والآن حاولوا الإجابة على الأسئلة التالية دون الرجوع إلى الفيديو:

هل تذكرون شكل صدر هيفاء وهبي؟

من 1 لـ 10، ما هو تقييمكم لصدر هيفاء وهبي؟

ما لون حمالة صدر هيفاء وهبي؟

هل كان حذاء هيفاء وهبي بكعب عالي؟

هل كانت هيفاء وهبي ترتدي جوارب سوداء؟

من 1 لـ 10 ما هو تقييمكم لسيقان هيفاء وهبي؟

ما هو لون قميص محمد لطفي؟

لنضع هذه الأسئلة وإجاباتها جانبًا لبعض الوقت ولنتناول أسئلة أكثر إلحاحًا الآن:

قد يبدو سؤال التطبيع مع العنف الجنسي محيرًا عند تناول موضوع الاغتصاب، فهل مجرد تصوير مشهد اغتصاب يعتبر تطبيع؟ هل المطلوب هو الامتناع عن إظهار أي شكل من أشكال العنف الجنسي على الشاشة وعلى رأسها الاغتصاب؟

ربما يمكننا البحث عن إجابة لهذه الأسئلة بطرح أسئلة مختلفة:

هل مشهد الاغتصاب هو مشهد عنف أم مشهد جنس؟

ولو فرضنا أنه مشهد جنسي فبالنسبة لمن؟ شخصية المغتصب أم المغتصبة (أو المُغتَصَب) أم صناع الفيلم أم الجمهور؟

تم تداول المشهد السابق على موقع يوتيوب مئات الآلاف من المرات تحت عناوين متعددة من أبرزها:

«اغتصاب هيفاء وهبي في حلاوة روح – ساخن جدااااا- شاهد قبل الحذف»

إلا أن كاتب السيناريو على الجندي، صرح في أحد البرامج دفاعًا عن الفيلم الذي تم منعه بقرار من رئاسة الوزراء قائلا أن فيلم «مالينا» كان يحوي مشاهد جنسية بينما فيلم «حلاوة روح» لا يحتوي على مشهد جنسي واحد.  مع العلم أن قرار المنع جاء لأسباب لا علاقة لها بهذا المشهد، وإنما بسبب إشاعة أن قصة الفيلم تدور حول علاقة جنسية بين امرأة وطفل كما جاء في فيلم «مالينا» الإيطالي المأخوذ عنه «حلاوة روح».

وبينما أتفق مع الجندي في أن الجنس والاغتصاب ليسا الشيء ذاته إلا إنني لست واثقة تمامًا من كون مشهد الاغتصاب في الفيلم لم يضفِ على فعل الاغتصاب طابعًا إيروسيًا ينفي فرضية كون مستخدم اليوتيوب وصف المقطع بأنه «ساخن جدااااا» لأنه مولع بفانتازيا الاغتصاب بشكل شخصي بمعزل عن تناول صناع الفيلم لفعل الاغتصاب في المشهد.

ولأنها أسئلة مربكة ومركّبة ولا يمكن حسمها ببساطة حاولتُ تشريح المقطع بشكل شبه معملي جاف، وتحليله بشكل كمي بحت كنقطة بداية.

كانت الخطوة الأولى هي نقل المقطع إلى برنامج المونتاج الذي أستخدمه:

كما هو موضح، المستطيل الرمادي يرمز إلى الخط الزمني للعمل، بينما الشريط الأزرق يرمز لشريط الصورة والشريطين الأخضرين بأسفله يرمزان لشريط الصوت بقناتيه (في حالة تسجيل الصوت ستريو كما هو الحال هنا).

بالحفاظ على شريط الصوت كما هو، يمكنني عن طريق تقطيع شريط الصورة أن أقوم بمجموعة من العمليات الحسابية، يمكنني من خلالها تحليل المشهد بشكل كمي، عن طريق قطع اللقطات، التي لا تعنيني في البحث، والإبقاء فقط على نوع اللقطات التي أبحث عنها، ليصبح الشكل كالآتي:

بجمع زمن اللقطات التي أبقيت عليها على الخط الزمني وطرحها من إجمالي زمن المقطع يمكنني حساب نسبة تكرار هذا النوع من اللقطات مقارنة باللقطات الأخرى.

قمت بتكرار هذه العملية أربعة مرات، وفي كل مرة كنت أقطع المشهد بحيث أبقي فقط على نوع معين من اللقطات مقسمة كالآتي:

*لقطات تضع المرأة في المركز

*لقطات قريبة لجسد المرأة

*لقطات تضع الرجل في المركز

*لقطات لا تضع أي منهما في المركز

كانت الخطوة التالية هي تحويل كل خط زمني، من الأربعة، إلى معادل بصري بلون مختلف، كالآتي:

فكانت هذه هي النتائج التي أسفرت عنها التجربة:

ماذا الذي يعنيه أن تكون المرأة (وتفاصيل جسدها) في مركز اللقطة في 71% من زمن المقطع؟

أية وجهة نظر تتبنى الكاميرا؟

بعين من يوجهنا صناع الفيلم لنرى المشهد؟ عين المغتصِب أم المغتصَبة؟

تقول لورا مولفي في ورقتها الشهيرة «المتعة البصرية والسينما الروائية» التي تحاول من خلالها طرح فكرة استخدام التحليل النفسي الفرويدي استخدام سياسي نسوي:

«في عالم ينظمه اختلال التوازن الجنسي، انقسمت متعة النظر بين الذكر/ الفاعل والأنثى /المفعول بها. تُسقط نظرة الذكر الحاسمة تخيلها على جسد الأنثى الذي يجرى تصميمه وفقا لذلك. في دورهن الاستعراضي التقليدي تكون النساء محط النظر والعرض في نفس الوقت، ويُصاغ مظهرهن ليعكس أثرًا بصريًا وإيروتيكيًا قويًا، بحيث يمكن القول أنهن يُشرن ضمنًا إلى حالة (أن تكون محط النظر). النساء المعروضات كموضوع جنسي هن موتيفة متكررة في العروض الإيروتيكية: من الملصقات المثيرة إلى عروض التعري»  وتضيف: «وفقًا لمبادئ الأيديولوجيا الحاكمة والأنساق العقلية التي تدعمها، لا يمكن للشخصية الرجالية أن تتحمل عبء التشيؤ الجنسي. يأنف الرجل من النظر إلى مثيله المستعرض لجسده. وبالتالي يقوم الانفصال بين الاستعراض والسرد بدعم دور الرجل باعتباره الفاعل في دفع القصة إلى الأمام، في جعل الأشياء تحدث. يتحكم الرجل في خيال الفيلم، ويبرز كذلك كممثل للسلطة بمعنى إضافي: كحامل لنظرة المتفرج، محولًا إياها خلف الشاشة، ليُحيّد الميول الزائدة على السرد التي تمثلها المرأة كمحط للأنظار» (ترجمة عبد الرحيم يوسف).

ألا يمكن اعتبار مقطع إغتصاب هيفاء وهبي في «حلاوة روح» نموذجًا مثاليًا لم تتحدث عنه مولفي؟

إلا أن إضفاء الطابع الإيروسي على الاغتصاب ليس مقتصرًا على تناول مخرج فيلم «حلاوة روح»، فقد بدأ إعداد الجمهور لتلقي هذا المشهد كمشهد إثارة من قبل عرض الفيلم نفسه بعدة أسابيع، بدءًا من أن كون من تؤدي دور المُغتَصَبة هي هيفاء وهبي، ملكة إغراء العرب، يلعب دورًا أساسيًا في توجيه توقعات المتفرج وصولًا إلى الإعلان التشويقي للفيلم، الذي لا يخيب ظنه:

في ظل ثقافة عنف جنسي عالمية تصوِّر الاغتصاب كمشهد إيروسي مثير وثقافة محلية تضفي طابعًا أخلاقيًا محافظًا على الأمر، كيف يؤثر التطبيع مع العنف الجنسي في السينما التجارية على مفهوم هذا المتفرج عن الرغبة والجنس؟ ما الذي يثيره؟

لأحاول الوصول لإجابات قمت بعمل تجربة عشوائية نوعًا ما.

في صندوق البحث على موقع يوتيوب كتبتُ كلمة «اغتصاب»، ثم ألحقتها باسم أول ممثلة خطرت على بالي:

أدعوكم الآن لإلقاء نظرة على بعض نتائج البحث، وأطلب منكم أن تنتبهوا إلى الكلمات، التي اختارها المستخدمون، لصياغة عناوين المقاطع:

قمت بمراجعة 12 مقطع يوتيوب يحملون عنوان «اغتصاب غادة عبد الرازق» (أو تنويعات على نفس العنوان)، أربعة مقاطع فقط من أصل 12 هي بالفعل من مشاهد اغتصاب لغادة عبد الرازق. للدقة، المقاطع الأربعة هي من نفس المشهد من فيلم «ريكلام»:

أما عن السبعة الآخرين فلدينا على سبيل المثال المقطع التالي بعنوان «اغتصاب غادة عبد الرازق»:

وهذا المقطع بعنوان «مشهد اغتصاب غادة عبد الرازق في قانون المراغي»:

وإن كنتم تشعرون بالحيرة أو الخديعة بعد مشاهدة هذا المقطع فلستم وحدكم، إليكم جانب من تعليقات المستخدمين:

الأمر ببساطة أن مستخدم اليوتيوب عندما يقوم برفع فيديو فهو يحاول الوصول إلى أعلى عدد مشاهدات أملًا في ربح مادي من خلال الإعلانات، ولتحقيق ذلك، فهو يحاول صياغة عناوين وكلمات مفتاحية جذابة لإغراء المستخدمين. ما نلاحظه هنا أن الكلمة الجذابة هي كلمة «اغتصاب»، بل إنه حتى في حالة المقطع الجنسي الذي شاهدناه بين غادة عبد الرازق وأحمد عقل تم استخدام كلمة «اغتصاب»، رغم أنه مشهد ذو طابع جنسي، لا علاقة له بالاغتصاب، فكلمة «اغتصاب» أكثر جاذبية وإثارة من كلمة «جنس».

يزداد الأمر وضوحًا مع المقطع التالي:

المقطع السابق مأخوذ من حساب يوتيوب يروّج لخدمات جنسية من نوع ما، يتضح ذلك أكثر من التعليقات على الفيديو التي لا يمكنني عرضها عليكم هنا لأسباب رقابية.

إلا أنه حتى في هذا السياق لجأ المستخدم/المستخدمة لكلمة «اغتصاب» كعنوان لفيديو لا علاقة له بالاغتصاب لإثارة المتفرج حتى يستخدم الخدمة الجنسية المقدمة.

إلا أن إحدى المفاجآت الكبرى التي وجدتها كانت المقطع التالي:

فحتى هذه اللحظة، كنت أبحث عن شواهد إضفاء الطابع الإيروسي على الاغتصاب، ولم أكن لأتخيل أننا قد تجاوزنا هذا الأمر لنصل إلى إضفاء طابع رومانسي على الإغتصاب، كما هو واضح من قرار هذا المستخدم لأن يضيف لمشهد اغتصاب عنيف مقطعًا موسيقيًا، يصلح لمشهد عاطفي تقليدي بين نور الشريف وبوسي يستنشقان عبير الزهور في الحديقة الغناء.

ما الذي كان يدور في رأس هذا المستخدم؟ ما هي مفاهيمه عن الحب والرغبة والجنس؟

والآن وقد وصلنا لنهاية هذا النص، أترككم لتفكروا معي في كل ما سبق. ولكن قبل أن أرحل دعوني أعرض لكم هذا المقطع الأعجب على الإطلاق والذي اختار له المستخدم عنوان: «اغتصاب غادة عبد الرازق ساخنة»، لعل أحدكم يتوصل لتفسير منطقي لما ستشاهدونه.

 

 

 

*تمّ تطوير هذا البحث بدعم من معهد جوتة، وعُرض لأول مرة ضمن فاعليات مهرجان «تشويش». لمزيد عن هذا البحث يمكنك مشاهدة هذا الفيديو لسلمى الطرزي على موقع جيم.

اعلان
 
 
سلمى الطرزي