كيف ستبني الحكومة 86 ألف فصل دراسي سنويًا بأقل من نصف التكلفة؟
 
 
صورة: Virginie Nguyen
 

باستثمارات لا تتجاوز ثلث المبلغ المطلوب، وبمعدل تنفيذ فعلي لا يزيد على خُمس المستهدف، يبدو حجم الفصول المدرسية الذي تستهدف الحكومة بناءه خلال ثلاث سنوات لسد احتياجات المنظومة التعليمية، صعب المنال.

فقد بلغت مخصصات الاستثمار في ميزانية الدولة للتعليم، والتي تمول بناء المدارس والفصول الجديدة، 15.2 مليار جنيه في العام المالي 2018/2019.

وتبلغ احتياجات منظومة التعليم المصرية من الفصول الدراسية 258.7 ألف فصل على مستوى الجمهورية، «من المستهدف الانتهاء منها خلال ثلاث سنوات، أي بنهاية 2021»، بحسب ما ذكره اللواء يسري عبد الله، رئيس الهيئة العامة للأبنية التعليمية، لـ«مدى مصر».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وصف تلبية احتياجات المنظومة التعليمية من الفصول بـ«التحدي الكبير» بسبب التكلفة التي قدرها بـ 130 مليار جنيه، وتساءل أمام مؤتمر الشباب في نوفمبر الماضي «أحلها إزاي» في إشارة منه إلى الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به مصر، مقترحًا تخفيض ميزانيات الوزارات وإلغاء العلاوات الدورية للموظفين.

ويوضح رئيس هيئة الأبنية التعليمية أن توفير هذا العدد من الفصول يحقق ثلاثة أهداف رئيسية، تتمثل في خفض الكثافة الطلابية للفصول، وإنهاء نظام الفترات المتعددة بالمدارس، إحلال وتجديد المدارس المتهالكة والمؤجرة، وتخصيص مدارس لذوي الاحتياجات الخاصة.

وتشير بيانات إدارة البحوث والدراسات بالهيئة العامة للأبنية التعليمية إلى أن عدد المدارس ذات الكثافة الطلابية العالية تمثل 44% من إجمالي المدارس الحكومية، وتتطلب حوالي 60.8 ألف فصل لحل المشكلة، والوصول بالكثافة الطلابية إلى 40 طفلًا في الفصل لمرحلة التعليم الأساسي، و36 طالبًا في الفصل لمرحلة التعليم الثانوي.

أما القضاء على نظام الفترات المتعددة في المدارس الحكومية فيستلزم توفير 51.6 ألف فصل، حيث تشير البيانات إلى أن 17.6% من المدارس تعمل بنظام الفترتين.

كما تشمل الفصول المطلوب تنفيذها خلال ثلاث سنوات بناء نحو 35.6 ألف فصل لحل مشكلة المناطق المحرومة من الخدمات التعليمية، والتي تمثل نحو 5.3% من إجمالي عدد القرى والتوابع والمراكز والوحدات المحلية. وتتركز تلك المناطق في محافظات سوهاج، قنا، المنيا، أسيوط، والبحيرة.

وتتضمن الاحتياجات الكلية من الفصول 110.6 ألف فصل لإحلال وتحديث المدارس المغلقة والمتهالكة، وكذلك توفير بدائل للمدارس المؤجرة وغير المناسبة للعملية التعليمية، والتي تقدر بـ 1365 مدرسة، بالإضافة إلى زيادة نسبة الاستيعاب لرياض الأطفال وتوفير اﻹتاحة المطلوبة لذوي الاحتياجات الخاصة، فضلًا عن استيعاب الزيادة السكانية المتوقعة حتى عام 2021.

ويتطلب تنفيذ الفصول المستهدفة بنهاية 2021 بناء نحو 86 ألف فصل سنويًا، على مدار السنوات الثلاث القادمة، وهو معدل استهداف كبير إذا ما قورن بمعدلات التنفيذ على مدار السنوات الأربع الماضية، والتي بلغ متوسطها نحو 11.2 ألف فصل سنويًا.

ووفقًا لبيانات الهيئة العامة للأبنية التعليمية شهد عام 2014-2015 إنشاء 6414 فصلًا، زادت تدريجيًا حتى وصلت إلى 19.8 ألف فصل في العام المالي الماضي، وبلغ إجمالي الفصول التي تم تنفيذها خلال الأعوام المالية الأربعة الماضية نحو 45.1 ألف فصل.

ولا يقتصر التحدي على معدلات التنفيذ الفعلية وإنما أيضًا التكلفة التي ستتكبدها الموازنة العامة للدولة حال تنفيذ وإنشاء الاحتياجات الفعلية من الفصول المدرسية، والتي تصل إلى 130 مليار جنيه، حسب تقديرات هيئة الأبنية التعليمية، بمتوسط  500 ألف جنيه للفصل الواحد.

وقال رئيس هيئة الأبنية التعليمية إن تكلفة الفصل لا تشمل ثمن الأرض، وإنما تقتصر على إنشاء الفصل وتجهيزه، موضحًا أن تلك التكلفة التقديرية للفصل تُحمّل عليها جميع المساحات الأخرى بالمدرسة، سواء كانت إدارية أو خدمية أو معامل، أو مساحات خالية متاحة للأنشطة، وكذلك اﻷسوار والتجهيزات (أي أن المدرسة المكونة من 10 فصول على سبيل المثال تتكلف في المتوسط 5 ملايين جنيه).

ويوضح عبد الله أن هذا التقدير لتكلفة الفصل ليس نهاية المطاف، ولكن «العبرة بالإنفاق الفعلي بعد الطرح العام والإسناد طبقا لقانون المناقصات»، مؤكدًا أن أسعار الإنشاءات ارتفعت بنسب كبيرة عقب تحرير سعر صرف الجنيه، وأن تكلفة إنشاء الفصل قبل التعويم كانت 320 ألف جنيه في المتوسط.

ويؤكد عبد الحفيظ طايل، مدير مركز الحق في التعليم، أن التكلفة المعلنة رسميًا لبناء الفصول المدرسية تكلفة واقعية وفقًا لعدد من الدراسات والأبحاث التي قام بها المركز، مشيرًا إلى أن مشكلة تدبير التكاليف المالية لإنشاء احتياجات المنظومة التعليمية من الفصول يمكن حلها عن طريق الالتزام بالاستحقاق الدستوري للتعليم، والذي يلزم الحكومة بتوجيه 4% من الناتج القومي الإجمالي إلى التعليم بحلول 2016- 2017، كحد أدنى، تتدرج في الزيادة حتى تصل إلى المستوى العالمي للإنفاق على التعليم.

لكن مخصصات الإنفاق على التعليم في موازنة العام المالي الجاري لا تتجاوز 2.2% من الناتج، أي نحو نصف الالتزام الدستوري، ويمثل الإنفاق على الاستثمار 13% فقط من تلك المخصصات، وهي النسبة المتاحة للإنفاق على إنشاء مدارس وفصول جديدة.

وبذلك تضيف ضآلة الموارد المخصصة والارتفاع المستمر في تكاليف الإنشاءات صعوبات للالتزام بالخطة المستهدفة لبناء المدارس العامة،  خاصة في ظل تراجع مساهمات القطاع الخاص في هذا القطاع، وهو ما يؤكده رئيس هيئة الأبنية التعليمية، الذي يقول إنه تم طرح 54 مدرسة بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص، من خلال مناقصة تحت إشراف وحدة الشراكة بوزارة المالية خلال النصف الأول من العام المالي الجاري، لكنها شهدت إقبالًا محدودًا من المستثمرين، حيث تمت ترسية 24 مدرسة فقط، أي 50% من العدد الذي شمله الطرح الأول من المشروع القومي لبناء وتشغيل مدارس «المشاركة المتميزة للغات».

وأعلنت وزارة المالية قبل أسبوعين عن توقيع 8 عقود مع ثماني شركات استثمارية مصرية وعربية لإنشاء الـ 24 مدرسة التي تمت ترسيتها سابقًا، والمخطط أن تضم ألف فصل دراسي بتكلفة استثمارية تبلغ نحو 650 مليون جنيه.

وتمثل هذه المدارس، التي ستقام في مناطق جغرافية مختلفة في سبع محافظات وهي القاهرة والجيزة ودمياط والغربية والشرقية والقليوبية والمنوفية، حوالي 0.4% من إجمالي احتياجات منظومة التعليم المصرية من الفصول الدراسية.

وبينما يرى رئيس هيئة الأبنية التعليمية أن تنفيذ الاحتياجات الفعلية من الفصول المدرسية يحتاج لمزيد من المشاركات المجتمعية، يؤكد مدير مركز الحق في التعليم أن الحكومة مطالبة بتوجيه المزيد من المخصصات لهذا المجال الحيوي لأن «تكلفة التعليم أرخص كثيرًا من تكلفة الأمية»، والنسبة المقررة دستوريًا للإنفاق عليه ما زالت بعيدة عن التحقق.

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل