أما السودان فلا بواكي له

لم يكف السودان عن الانتفاض ضد رئيس الانقلاب العسكري، المطارد دوليًا، عمر البشير. إلا أن العالم يضرب صفحًا عما يجري في السودان ويتجاوز الانتفاضة تلو الأخرى.

بالطبع، هناك أسباب لها علاقة بتجاهل العالم للسودان، كما تجاهل العالم الحرب على اليمن لسنوات وسلط الضوء على الحرب في سوريا. الإجابة واحدة دومًا: المصالح. لا يعتقد المجتمع الدولي أن الإنسان السوري أغلى من اليمني بالطبع، لكنه يكيف مواقفه بحسب تكيف مصالحه.

العدالة في العالم انتقائية كما أثبتت التجربة. لا رهان حقيقي على مجتمع دولي، أو عالم حرّ. كل هذا هراء. حقوق الإنسان في العالم كما يقول التعبير المصري «على الدواق».

الجميع يعلم، مثلًا، أن تجاهل الانتهاكات ضد شعب اليمن كان نابعًا من مصالح مشتركة مع الدولة التي تقوم بالانتهاك ألا وهي المملكة العربية السعودية وحلفاؤها.

لكن ما السر في اعتياد تجاهل انتفاضات السودان المتتالية، والتي ربما لم يسمع بها رجل الشارع العادي في أغلب دول العالم، بل وفي مصر التي طالما يتغنى شعبها بأن السودان شقيق ورفيق وشريك في مياه النيل.. إلخ إلخ إلخ.

السر يكمن في عمر البشير ذاته.

الانتفاضة الأخيرة هي الأقوى، لكنها لم تكن الوحيدة على مر السنوات السابقة، ومنذ انتفاضات الربيع العربي.

وُلد عمر البشير في الأول من يناير عام 1944، وقاد انقلابًا عسكريًا ضد الصادق المهدي في عام 1989، ومنذ الانقلاب وحتى هذه اللحظة وهو مَن يملك قياد الأمور.

في عهد البشير، اندلعت حروب أهلية، فرقت بين المواطنين على أساس العرق والقبيلة، لكن الموت لم يفرق بينهم، ذهب ضحية هذه الحرب الملايين من الأبرياء وغير الأبرياء ممَن حملوا السلاح على بني وطنهم. تورطت قوات عمر البشير في مجازر تقدر ضحاياها بثلاثة ملايين مواطن في دارفور.

تمّ إدانة عمر البشير كمجرم حرب مطارد من المحكمة الجنائية الدولية، إلا أنه تمكن من الفكاك من الملاحقة، بل إنه يذهب في رحلات دولية آمنًا مطمئنًا بدون أن يُقبض عليه.

كان هناك العديد من محاولات الانقلاب عليه إلا أنه نجح في إحباطها جميعًا.

انقسمت السودان وانفصل الجنوب، ومازال يجلس على كرسي عرشه.

انتفض الشارع السوداني مرات عديدة بسبب سوء الأحوال المعيشية والقمع، بينما تجاهل العالم صرخات الشارع السوداني واستغاثاته.

حقيقة، الرجل معجزة. اجتاز حربًا أهلية، ومطاردات دولية، ومحاولات انقلاب، وانتفاضات شعبية اقترف فيها جرائم مُضافة من قتل للمتظاهرين واعتقالات تعسفية، هذا بخلاف خنق حرية الصحافة، وهروب الكثير من ثروات السودان البشرية الفكرية والثقافية والسياسية خارج السودان بسبب استحالة المعيشة.

عمر البشير، المتخرج من الكلية الحربية السودانية، والحاصل على درجة الماجستير في العلوم العسكرية من السودان، ثم ماجستير أخرى في نفس ذات العلوم العسكرية من ماليزيا، قائد الانقلاب على الصادق المهدي، ومحبط انقلاب خالد الزين نمر ضده، حليف الأمس وعدو اليوم مع العديد من الساسة، أبرزهم حسن الترابي، كي يتمكن من إحكام السيطرة على السودان وإعمال القتل والاعتقال والظلم في شعبها، قدم الكثير من التنازلات الدولية التي حولته إلى شخص لا غنى لأي قوة دولية عنه.

الرجل يُسخر خيرات السودان وشعبه لخدمة كل من يطلب الخدمة، واستغلال كل  من يرغب في الاستغلال، فقد تحالف مع إيران والسعودية وقطر، والصين والاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية. هو مصنف بوصفه عضو في جماعة الإخوان المسلمين، أو على الأقل قدم نفسه بصفته منتم إلى «التيار الإسلامي». ثم قام بتوحيد التيارات الإسلامية جمعاء في شبكة مصالح عجيبة، فيميل تارة إلى التسامح مع المذهب الشيعي، ثم يعود تارة إلى المذهب السلفي، ثم يتأرجح على أريكة الفكر الإخواني، بل إن بعض الكتاب السودانيين – الذين تم القبض عليهم بعد ذلك – تحدثوا عن حلف بين البشير وداعش. ومع ذلك، هو حليف لكل الأنظمة التي تعادي التيارات الإسلامية!

وزي ما تقول كده، كاسر عين كل واحد بحاجة. رجل خير، خيره على الجميع، ينفق أراض الوطن التي ليست ملكية خاصة له ورثها عن أهله، يتبرع بأرواح أبناء الشعب السوداني فداء للحلفاء، يلعب دور الوسيط في الخلافات الدولية، مثل خلافات مصر مع أثيوبيا حول سد النهضة، وربما يتعمد الفشل في الوساطة، ويذكرنا بعطيات في مسرحية «الجوكر»:

– انت عطيات ولا مش عطيات؟

– بالنسبة لك انت.. لا.

– لا؟ لا يعني إيه؟

– بالنسبة لكم انتم.. آه.

هكذا بالضبط هو موقف البشير من سد النهضة: بالنسبة لك أنت (مصر) لا نقبل بالمساس بنصيب مصر من مياه النيل.. بالنسبة لك أنت (إثيوبيا) من حق إثيوبيا النهضة بمواردها.

وهكذا في حلفه مع الأضداد: بالنسبة لك أنت (إيران) ننشر كتبًا عن المذهب الشيعي، بالنسبة لك أنت (السعودية) ندفع بأبنائنا في حرب اليمن لقتل الأبرياء والعودة في توابيت إلى أرض الوطن. بالطبع هو لا يضيع وقته في الاستمرار في التحالف مع من أفل نجمه، كإيران مثلًا.. خلاص، خاصمها، مش جايبة همها.

في عام 2011، انقسمت السودان واستقل الجنوب. في نفس العام انتفض السودانيون وتم قمعهم في هدوء وصمت.

في عام 2013، انتفض السودانيون احتجاجًا على أوضاعهم المزرية، وقامت قوات الأمن بقتل ما يربو عن 200 متظاهر بشكل مباشر، ثم خرج عليهم الرئيس عمر البشير، وبعد وصلة الرقص والغناء التي اعتاد عليها مع كل أزمة، وعد الجميع أنه لن يترشح في عام 2015.. وزي ما انتم شايفين كده، لم يأت عام 2015 بعد.

ما هو معلوم بالضرورة عن الشعب السوداني هو أنه شعب مسيس يعشق القراءة. ود البشير لو أنه سمل أعين السودانيين حتى لا يتمكنوا من القراءة، إلا أن نظامه لا يكف عن انتهاكات مريعة لحرية الصحافة.

أصدرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان تقريرها السنوي عن حرية الرأي والتعبير في العالم العربي، وكانت السودان قمة القمة والله في انتهاكات حرية الرأي والتعبير.

في بداية عام 2018 قامت قوات الأمن السوداني باعتقال كل صحفي سولت له نفسه تغطية الاحتجاجات السودانية ضد سوء الأحوال المعيشية.

هذا بخلاف غلق الصحف المستقلة، ومصادرة أعداد الصحف قبل خروجها من المطبعة لعدم انصياع رئاسة التحرير للأوامر الشفهية الأمنية، وسحب تراخيص عمل الصحفيين، ومنعهم من الكتابة، وكانت أبرز الممنوعين من الكتابة في السودان، سلمى التيجاني، التي نشرت سلسلة من المقالات تتحدث فيها عن فساد «الأسرة الحاكمة» وأزمة المحكمة الجنائية الدولية مع البشير.

ما زالت الاحتجاجات السودانية مستمرة، وما زال الشعب السوداني يقاوم القهر والقمع ويقدم حبات عيونه إلى القتل والسجن دون التفات من العالم، ودون التفات من الشعب السوداني، بدوره، إلى العالم الذي يتجاهله.

الآن يقوم عمر البشير بتعديل الدستور ليستمر في الحكم! وأنا الحقيقة مش فاهمة هو بيعمل كده ليه؟ فلقد استمر في الحكم ثلاثين عامًا دون الحاجة حتى لإجراء انتخابات، عدا انتخابات 2010 التي نافس فيها نفسه، فلماذا الآن يحاول تعديل الدستور؟

لا أعلم حقيقة كيف سينتهي الأمر، أو إلى ماذا ستؤول الأمور، إلا أنه لا يفتي قاعد لمجاهد، ويبدو أن الشعب السوداني لم يعد لديه ما يخسره، ولا يسعنا سوى الدعاء لهم بالخير، والدعاء على مَن ظلمهم بالقمع أو بالتجاهل.

اعلان