رصد جماهير السينما في مصر| حوار مع نور الصافوري
 
 
المطبوعة من تصميم حبيبة الجندي وفرح عز الدين، تصوير: حبيبة الجندي، بإذن من المصممات
 

فى إحدى ليالي مهرجان القاهرة السينمائي، ووسط أجواء عروض سينمائية في قاعات دار الأوبرا، وصفوف تقف أمام شباك التذاكر، وجمهور السينما من صناع وصحفيين وباحثين ومهتمين يملأون المكان مناقشات وضجيجًا، جرى هذا الحوار مع الناقدة والباحثة نور الصافوري حول مطبوعة «رصد جماهير السينما في مصر» -الصادرة عن شبكة الشاشات العربية المستقلة «ناس»، بالتعاون مع مجلة «االفيلم»- والتي قامت نور بتحريرها والكتابة فيها.

هي «مطبوعة متعددة الأصوات» كما تقول نور.  فإلى جانب ما تحتويه على مقابلات مع العاملين في السينما، والباحثين، ورؤساء مهرجانات، هناك أيضًا إسهامات نصية، وملفات صوتية متاحة عبر الإنترنت، بخلاف صور من الأرشيف.

«أردت أن يحتوي الكتاب على أصوات متعددة إلى جانب صوتي. لم أكن أسعى وأنا  أكتب في المطبوعة للوضوح الشديد. لو أردت الوضوح الشديد لاخترت خطًا واحدًا وكتبت فيه. ولكني شعرت أنه من الأفضل إبراز جميع الأصوات ومحاولة المزج بينها. أردت أن يتولد لدى القارئ شعورًا بـ«الدوشة»، أصوات عديدة تتناقش وتتحاور معًا من نقاد وعاملين في المجال وباحثين ومهتمين. كنت أريد له أن يصنع علاقته الخاصة مع النص المكتوب. لم أكن أسعى لكتابة بحث يجيب عن تساؤلات».

المطبوعة التي استغرقت من نور عامين تقريبًا امتدت على مرحلتين. الأولى كانت الدراسة الميدانية، بالتعاون مع إباء التمامي، خبيرة التسويق والاستراتيجية، ومع مكتب«فاي نولدج». عُقد خلال هذه المرحلة  14 جلسة نقاش مع أفراد مختلفين من جمهور السينما فى 7 مدن (أسيوط- المنيا- بورسعيد – طنطا- دمياط- الإسكندرية – القاهرة) بمعدل جلستي نقاش في كل مدينة، واحدة مع نساء، والأخرى مع رجال. امتدت كل جلسة نقاش لحوالي 4 ساعات، تضمنت عروض أفلام لمدة ساعتين، يليها ساعتان من النقاش. كان الاهتمام أن تكون الأفلام المعروضة مختلفة عن نوعية الأفلام التي يتعرض لها الجمهور عادة في مصر.  أيضًا استُكمِل 600 استبيان من حوالي 1500 استبيان، عبر أنحاء متفرقة في مصر.

«عند تحليل جلسات النقاش؛ كان النوع الاجتماعي والسن معيارين مهمين للتحليل.  ففي النهاية كنا نريد من ذلك البحث أيضًا أن يتيح معلومات مهمة للعاملين في الصناعة، وخاصة في مجالي العرض والتوزيع، ليصبح لديهم بيانات تساعدهم في بعض الاختيارات، أو معلومات يمكن البناء عليها. فمثلًا إذا كانوا يتساءلون «هل حفلة عرض عصرًا  أفضل أم حفلة 7 مساءً؟ فهناك معلومة من هذا البحث  تفيد بأن الأغلبية يفضلون حفلة 7 مساءً».

طمحت «ناس» من هذه المطبوعة في خروج أرقام وبيانات تساعدهم. فالشبكة حسب وصفها تضم فضاءات سينمائية غير حكومية، وتجمع العديد من المبادرات في المنطقة العربية، ولذلك فالجزء المتعلق بالبيانات على قدر من الأهمية للمنضمين للشبكة، فوجود أرقام يساعد في تصور شيء ما عن طبيعة الجمهور.

المطبوعة نفسها لا تحتوي على البيانات. جميع البيانات متاحة على هيئة ملف على الإنترنت.

«جزء من ذلك  يرجع لأسباب مادية. لكن في نفس الوقت شعرت أن إضافة الملف الخاص بالأرقام كملحق للمطبوعة، شيء به بعض الكسل. لم أشعر بالارتياح من وضع الأرقام والبيانات كأنها حقائق مُثبتة. هناك مثلًا التساؤل حول إذا كان يصح التعامل مع نتيجة 600 استبيان على أنها عينة ممثلة لغالبية المصريين؟»

«هي عينة تكمن قيمتها، في رأيي، في إمكانية تطويرها والعمل عليها، وخاصة لكونها المرة الأولى في مصر التي يجرى فيها بحثًا من هذا النوع، فالمنهجية في حد ذاتها كنا نكتشفها (أنا وإباء التمامي ومكتب فاى نولدج) معًا، وهو الشيء الجدير بالتثمين، خاصة إذا حاول أحد أن يجري بحثًا مماثلًا أو مقاربًا له، فسوف يجد ما يمكن البناء عليه، ومن جهة أخرى أرى أن هذه البيانات يمكن استخدامها لهدف تسويقي لكن من الصعب أن تُستخدم لهدف معرفي».

في نوفمبر 2017 بدأت المرحلة الثانية من البحث بمراجعة المعلومات التي جُمعت من مجموعات النقاش والاستبيانات وأيضًا من سلسلة مقابلات مع باحثين وباحثات مهتمين بتاريخ السينما وعاملين وعاملات في مجالي التوزيع والعرض السينمائي مثل ياسمين دسوقي وساندرا جيوفاني من مركز الفيلم البديل «سيماتيك»، ويوسف الشاذلي وملك مقار وأحمد السبكي من سينما «زاوية»، ومقابلات أخرى متاحة في شكل تسجيلات صوتية على الإنترنت.

وفي هذه الفترة أيضًا اطلعت نور على الدراسة الميدانية التي سبق وأجرتها سينما «زاوية» في القاهرة بهدف تطوير علاقتهم مع الجمهور.

تضمنت هذه المرحلة قراءة الأدبيات التي تناولت موضوعات مشابهة، مثل كتاب«مانيفستوز الأفلام وثقافات السينما حول العالم، مجلد نقدى، تحرير سكوت ماكنزى» وكتاب مالك خورى «السينمات البديلة :مكونات.تمايزات وآفاق» ومقال الكاتب مايكل وارنر «الجماهير والجماهير المضادة» بمجلة الثقافة العامة مجلد 14 عدد 2002.

عند هذه المرحلة، كان لا بد لنور من تحديد نوع الأسئلة التي تود طرحها بعد عام من العمل على البحث.

«كان تساؤلي الأساسي هو ما القصة التي أريد حكيها؟ ما هو الصوت الذي أود أن يظهر به الكتاب؟ وما هو الجمهور الذي أريد أن تتوجه له المطبوعة؟ واكتشفت أني أريدها مطبوعة موجهة لجمهور السينما بصفة عامة، وأن تكون مثيرة أيضًا للصناع والباحثين لكنها ليست مقتصرة عليهم. وهو ما وجد مردوه في توزيع المطبوعة مع مجلة الفيلم، وهي مجلة سينمائية دورية تصدر كل ثلاثة شهور عن جمعية الجيزويت».

خرجت المطبوعة باللغتين العربية والإنجليزية. لم يحدث ذلك على شكل ترجمة، لكن كتب كلا النصين باللغتين، وكُتب الاثنان بطريقة تجد مسافة بينها وبين الكتابة الأكاديمية، وذلك عن عمد من نور،  فلم تكن من أولوياتها الكتابة بشكل أكاديمي غربي. وتعترف نور بصعوبة ذلك خاصة إذا كان الإنتاج المعرفي في هذا المجال معظمه غربي، ورغم أن نور وهي الحاصلة على شهادة ماجستير في دراسات السينما من «كنجز كولدج» لندن وبكالوريوس من «جونز هوبكنز» قد تبدو خريجة لهذه المدرسة لكنها تحدّت ذلك.

« كان تحدى بالنسبة لي أن أكتب بعيدًا عن الطريقة الأكاديمية الغربية، فمثلًا كان من الأشياء المهمة هو أن لا يظهر النص وكأنه يحاول إثبات حجة أو لديه هدف ما. أردته نصًا يعرض خطوطًا مختلفة حتى لو بدا للبعض أن هذه الخطوط متناقضة. فإذا قام القارئ بقراءة المطبوعة كلها سوف يصل إلى شيء، وإذا قام بقراءة أي جزء منها، سوف يصل أيضًا إلى شيء، إضافة إلى ذلك أردت أن يكون النص العربي هو النص الأوضح والأكبر في الصفحة. ترى نور إذا كان الفرد يدعي أنه يقدم بحثًا، فتلك مسألة لا بد أن تحتل حيزًا من تفكيره».

قد تبدو لغة المطبوعة مختلفة عن المعتاد، وقد يشعر القارئ أنها ليست لغة مألوفة بالنسبة له، ربما يعود ذلك بالطبع إلى تعريب المصطلحات الإنجليزية والتي استغرقت من نور وقتًا في التفكير والبحث والعمل مع المحرر والمصحح اللغوي للمطبوعة محمود حسني، لكن ذلك ليس هو السبب وحده.

« ذلك كان مقصودًا نوعًا ما، فدائمًا أشعر أن لغة الكتابة المتداولة حولنا عن السينما لغة مملة بعض الشيء. صحيح أنها تشعرك بالألفة من كثرة استخدامها، لكني أردت استخدام لغة مختلفة عن الطريقة التي يُكتب بها مثلًا مراجعة فيلم أو الطريقة التي يُكتب بها النقد السينمائي. وكان دائمًا يراودني سؤال حول ما إذا كانت اللغة  المستخدمة في النص جامدة قليلًا. لا أعرف، لكني أترك للقارئ تحديد ذلك».

تضم المطبوعة أيضًا مقال للمؤرخة الثقافية إفضال الساكت بعنوان «كتابة لتاريخ جماهير السينما»، وهو مقال يتناول جماهير السينما المصرية في الثلاثينات من القرن الماضى، والآخر باسم «نوادي السينما عودة قوية لدور قديم» كتابة الباحثة والمدرسة في جامعة بني سويف مروة عبدالله عن  نوادي السينما في الستينيات والسبعينيات ثم الألفية الجديدة.

وبين هذا وذاك، وقبل صفحات قليلة من مقال مروة عبدالله هناك «كلمة نادي سينما القاهرة» في أواخر الستينيات، إلى جانب «مانيفستو جماعة السينما الجديدة» بداية السبعينيات، وكأن المطبوعة تريد أن تأخد القارئ في رحلة بسيطة عن شكل تاريخ جماهير السينما في مصر».

المطبوعة من تصميم حبيبة الجندي وفرح عز الدين، تصوير: حبيبة الجندي، بإذن من المصممات

«كان هناك طموح أن تأخذ المطبوعة القارئ للخلف أحيانًا وللأمام أحيانًا أخرى. هذه القطعات وأماكنها لم يكن هدفها هو السعي نحو ربط الماضي والحاضر معًا قدر ما كان سعيًا لمحاولة الفهم والاشتباك مع شيء معاصر، وأنه هناك علاقة مع ماضٍ معين ليس بشكل إرث، ولكن في الوقت نفسه بدون إغفال هذه العلاقة».

تأتي معظم لقطات الأرشيف من نهاية الستينيات وبداية السبعينيات.

«في رأيي؛ بداية السبعينيات مهمة جدًا في تاريخ السينما المصرية. كيف تم استخدام السينما في الحرب وفي حشد الجماهير؟ فمثلًا اكتشفت وجود برنامج تلفزيوني بعنوان «السينما والحرب»، إضافة إلى أن السينما تعتبر شاهدًا حيًا على ما حدث وعلى التغير الذي طرأ على المجتمع المصري في هذه الفترة».

تُذكر مقدمة المطبوعة أن البحث ينظر إلى السينما ككيان ثقافي واجتماعي، ويدقّق في العادات والأنماط المرتبطة بالمشاهدة الجماعية للأفلام وتجارب الجمهور، وهو ما يعود بي إلى عام  1935، في مدينة الإسماعيلية حيث تم طرد أفراد من الجمهور المصرى من إحدي دور العرض الأجنبية، وهو ما ترتب عليه إنشاء أول سينما للعرب في المدينة «لصيانة الكرامة القومية» كما ذُكر في إحدى الوثائق الخاصة بدار السينما، وهي كتاب تذكاري صادر عن الجمعية التعاونية المنزلية المصرية بمدينة الإسماعيلية، عام1949، بمناسبة عيدها الفضي.

صفحة من كتاب تذكاري صادر عن الجمعية التعاونية المنزلية المصرية بمدينة الإسماعيلية، عام1949، بمناسبة عيدها الفضي.

هنا تحديدًا يتغير شكل السينما من مجرد مكان للمشاهدة إلى مكان للفصل العنصري بين العرب والأجانب، وإلى مكان آخر لصيانة الكرامة الوطنية. وهو ما يعيد أيضًا إلى الأذهان حريق القاهرة ومعه حرق معظم دور العرض. عن ماذا كان يعبر ذلك؟ هذا ما تخوض فيه إفضال الساكت فى مقالها. دار السينما ليست فقط مكانًا لعرض الأفلام لكنها بشكل أو بآخر امتداد للمجال العام.

«قاعة العرض هي امتداد للمساحة العامة بالفعل، فوجودنا هنا مثلًا من الممكن أن يؤكد أو ينفي علاقات سلطة معينة، وقد يطرح هذا مجالًا لمحاولة التفكير في علاقات السلطة هذه. فدائمًا ما أرى المساحة حول شاشة العرض مساحة من المجدي التفكير في كيفية يمكن إعادة تشكيلها أو التفكير في العلاقات الاجتماعية التي تربطنا بها.

بالتأكيد الفيلم يلعب دورًا، لكن المساحة أيضا تلعب دورًا.

وهذا ما ظهر أحيانًا في جلسات النقاش الجماعيةففى إحدى الجلسات في وكالة بهنا بالإسكندرية أخبرتنا واحدة من الحضور أنها تأتي هنا بشكل دوري لأنها تجد أناسًا «يشبهونها». في ظل تقلص المساحات العامة، تأتي هذه الفتاة هنا لتجد أناسًا تستطيع التحدث معهم عما يهمها ويهمهم في الوقت نفسه. هذا مثلًا دور مهم تلعبه المساحة حول شاشة العرض».

تتناثر في المطبوعة هنا وهناك بعض الملاحظات من جلسات النقاش، أو بعض الاقتباسات المأخوذة من أقوال الحضور في مجموعات النقاش بما يعطي رؤية ما عن علاقة الجمهور بمساحات العرض المختلفة، فمثلًا يقول واحد من الرجال ضمن مجموعة نقاش في أسيوط بين سن 18 و25: لقد حولوا تجربة الذهاب إلى السينما إلى تجربة موسمية تتعلق بالإجازات العامة. يُطلِق الموزعين أهم أفلامهم في أوقات الإجازات الكبرى.

كما ذكرت سيدة في التاسعة والعشرين من عمرها في إحدى المجموعات بالإسكندرية أنها تعتقد أن تجربتها في الذهاب للسينما ستتحسن بشدة في حال كانت هناك حضانات تابعة لدور العرض تستطيع ترك أطفالها الصغار فيها أثناء مشاهدة الفيلم.

وهناك مثلًا ملاحظة جديرة بالاهتمام سجلها البحث. فحين يُسأل الجمهور عن تخيلهم لشكل الفرد الذي سوف يحضر فيلمًا بعينه، يكون الرد دائمًا بوصف هذا الفرد كرجل، حتى مع تغيير صيغة السؤال ليكون (شكل الرجل أو المرأة)  تظل الإجابات كما هي، عدا مجموعة واحدة، على حد قول نور.

وهناك واقعة جديرة بالتأمل، جاءت من تسجيل صوتي،يروي فيه محمد سعيد مدير سينما زاوية الحالي، والذي أدار عدة دور سينما تجارية في القاهرة، عن بعض ردود الفعل حول فيلم «هدية من الماضى» لكوثر يونس، حيث كان هناك أفراد من الجمهور يحضرون العرض ثم يشترون عددًا من التذاكر، ويتركونها على الشباك مجانا لأفراد آخرين. وهو التسجيل الذى توصى نور، وأنا أيضًا، بسماعه.

المطبوعة لا تتناول العلاقات حول مساحة العرض فقط، بل أيضًا تطرح بين السطور أسئلة حول علاقات السلطة داخل المؤسسات الثقافية نفسها في مصر؛ المؤسسات التي قد تكون نادى سينما صغير في أحد المحافظات أو تكون حدثًا كبيرًا مثل مهرجان القاهرة السينمائي مثلًا.

«القيم وعلاقات السلطة داخل المكان هي شيء ينعكس على الجمهور بشكل كبير، وهي جهة لا بد للمؤسسات الثقافية أن تعيد النظر إليها باستمرار، وأن تتذكر دائمًا سبب وجودها، ألا وهو أن تكون مساحات للجمهور يستطيع أن يشعر بملكية معينة تجاهها، وينخرط فيها ليس فقط كمُستهلك ولكن أيضا كمُنتج. شعور بأنه يمكنني أنا أيضًا التأثير في المكان كما يؤثر هو في، وهو شكل قد يجنبنا إعادة إنتاج المنظومة الهرمية في العلاقة بين المؤسسة والجمهور، وهناك فعلًا أماكن ثقافية على وعي بأهمية تخيل نوع علاقات مختلف أو على الأقل على وعي بأن ذلك أحد نقاط ضعفهم.

أعتقد أنه من المهم أيضا النظر للخطاب الذي تصدره المؤسسة عن نفسها، فليس من  المفيد تمامًا الانخراط في خطاب خلق كوادر ثقافية معينة أو خطاب أننا منهمكون من أجل صحة «الصناعة» التي تحتاج التنوع، وتحتاج الأبيض والأسود.  ذلك خطاب يجعل العمل الثقافي وكأنه فعل تبشيري، وهو خطاب مرتبط بالتمويل، خاصة وأن المؤسسات الثقافية ترى الآن أنه من الضروري التركيز على الجماهير بشكل أكبر وزيادة الإتاحة في المجال الثقافي. وهو شيء من المهم طرحه والتفكير فيه لكن بمنظور قيمي مغاير عن التوجه التبشيري للجهات الممولة، والتي تفترض في الأغلب أن الجماهير عديمة المعرفة وتفتقر إلى مستوى تعليمي جيد، فصاحب هذا المنظور لا يمكن أن يتصور أن الجماهير قد يساهمون بقيم جديدة أو مختلفة».

تهتم نور في المطبوعة بالمهرجانات السينمائية داخل مصر وأشكال تمويلها وعلاقتها بالدولة المصرية، فتجري لقاءً مع أمل رمسيس وسلمى شكر الله اللتان ترأستا مهرجان القاهرة الدولي لسينما المرأة، وهو مهرجان مستقل تموله جهات مانحة. وأيضًا أجرت حوارًا مع عصام زكريا الرئيس الحالي لمهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية، وهو مهرجان تموله الحكومة المصرية. حضر الحوار الأخير مع نور الباحث ومصمم برامج العروض أحمد رفعت، الذي قام أيضًا بتحريره.

المطبوعة من تصميم حبيبة الجندي وفرح عز الدين، تصوير: حبيبة الجندي، بإذن من المصممات

هناك أيضًا حوار مع أحمد حسونة وهو ناقد ومنسق برامج عروض سينمائية وعمل سابقًا بالعديد من المهرجانات في مصر، فكان المدير الفني لمهرجان شرم الشيخ، ومهرجان سينما المرأة. تناول هذا الحوار الثيمات الرئيسية التي تتخذها المهرجانات كعناوين لها مثل مهرجان السينما الأفريقية، أو مهرجان سينما البحر المتوسط، وغيره إلى جانب أشكال التمويل التي تتعرض لها المهرجانات وعلاقتها بالدولة المصرية منذ الخمسينات حتى هذه اللحظة، فبينما كانت الدولة المصرية تقوم بتمويل كافة المهرجانات في الخمسينات والستينات، تغيّر ذلك مع الثمانينيات والتسعينيات، لتدخل أشكال تمويل مختلفة، وذلك بالتأكيد له علاقة بمراحل تغير توجهات الدولة من اشتراكية وتأميم إلى رأسمالية نيوليبرالية.

« شبكة المهرجانات السينمائية في مصر ليست صغيرة، وتلعب الحكومة دورًا كبيرًا في دعم معظم المهرجانات. ففي مهرجان شرم الشيخ مثلًا كانت المعدات المستخدمة ترسلها وزارة الثقافة، وهناك بالطبع الأشكال المختلفة مثل مهرجان الجونة، وبانوراما الفيلم الأوروبي لكن الغالبية تحدث بدعم الدولة التي رغم تراجعها عن دعم الفنون إلا أنها غير مستعدة للتخلي عن دعم المهرجانات، لأن ذلك له علاقة بما تريد الدولة أن تقوله عن نفسها والخطاب الذي تريد أن تصدره».

ومن أشكال تمويل المهرجانات إلى أشكال وإشكاليات تمويل الأفلام في مصر، حيث تهتم المطبوعة بشكل واضح بالتمويل ودوره سواء في المؤسسات الثقافية أو في المهرجانات أو الأفلام، وهو شيء في رأيي وثيق الصلة بالجمهور. فمن المفترض أن وجود الثلاثة السابق ذكرهم هو من أجل جمهور بعينه، حتى وإن كان جمهورًا متخيلًا، وهو ما تؤكده المقابلات التي أُجريت مع العاملين والعاملات في المجال.

«منظومة العمل السينمائي في مصر منظومة تحصل على الأموال بشكل أساسي من خلال طريقتين؛ إما من شركات التوزيع والإنتاج الكبيرة أو عن طريق مِنح التمويل المشترك ولكلا الطريقتين أشكال تدوير مختلفة.

والحقيقة أن أفلام المِنَح قد تدور بشكل أفضل من الأفلام التجارية في المهرجانات، أو تُعرض في آرت هاوس بباريس. المهم أن لها أشكال تدوير مثل الفيلم التجاري، لكن أيضًا هذا النموذج الإنتاجي يحدد نوعية السرديات التي يمكن أن يرويها صناع الأفلام، فبالتالي نجد أن الأفلام تنحصر قصصها عن تمكين المرأة أو الحياة تحت الحكم الديكتاتوري.. إلخ، حتى لو اختار الصناع موضوعات أفلامهم فهي لا تزال تخضع لرؤية المستشار الذي يعمل على الفيلم والذي قد يكون من خارج المنطقة تمامًا لكنه يعطيكِ نصائح عن تطوير فيلمك».

الصورة في منتصف المطبوعة: من ورشة أنالوج زون#1 والتي نظمها سيماتيك-مركز الفيلم البديل بالتعاون مع لابور برلين من 2013 لـ 2016.

وهذا ما تلخصه المطبوعة في جملة «ما بين أفلام الترفيه والأفلام التي يغلب عليها المنظور الغربي للعالم، تُترك جماهير السينما في مصر محبطة وخياراتها محدودة»، وذلك أراه إن لم يكن فيه إنصافًا لجمهور السينما في مصر فهو فيه تفهَّم لهم.

«من يومين فقط شاهدنا نموذج مختلف وهو فيلم (ليل خارجي) لأحمد عبد الله، هو فيلم طريقة إنتاجه خارج الدائرتين السابق ذكرهم، لكن في الغالب طريقة تدويره سوف ترتبط بواحدة منهم.

لكن السؤال هنا كيف نخرج من نطاق الشبكتين ونصنع إنتاجًا سينمائيًا مرتبطًا بواقعنا، دون أن ننشغل كثيرًا بطريقة دورانه حتى وإن دار في سياق المهتمين به فقط. بمعنى أن السينما يجب ألا تكون لمن يمتهنون السينما فقط، لا بد من وجود أشكال أخرى خارج مساحات السوق، وهو ما أراه في دور المساحات البديلة وتخطر في بالي تونس كمثال عن ذلك، حيث كانت بها حركة سينما هواة قوية جدًا، مثل المهرجان الدولي لسينما الهواة بقليبية. وذلك نموذج لا يهتم بخلق كوادر عكس السوق الذي مهما غَيّر طرق الإنتاج لا يزال ينتج كوادر تريد الاعتراف بها في الدوائر الرسمية للسينما، وهو الشيء المهم أيضًا لكنه النموذج الوحيد الموجود، والنموذج الآخر هو الشكل الذي يختفي.

وذلك مختلف تمامًا عن مجموعة من الأفراد يذهبون إلى حي مهمش ثقافيًا يعرضون أفلام ثم يرحلون، وهو ما أراه أيضًا يقترب بشدة من فكرة التبشير بالثقافة».

تختتم نور مطبوعتها البحثية بقولها إن مسألة الجماهير مسألة متشابكة، وأن هذا البحث قد يكون بداية لمشروع آخر أكبر لتناول جماهير السينما من منظورات مختلفة. «الإنتاج الثقافي يعكس قيم الأفراد نفسهم، لذلك ما سوف أنتجه سيختلف  تمامًا عن ما سوف يصنعه شخص ثانٍ أو ثالث».

مطبوعة تحاول البحث في عادات الجمهور في الذهاب للسينما في مصر، وتنظر للسينما ككيان ثقافي واجتماعي، لا بد وأن تطرح سؤالًا عكسيًا حول إلى أي درجة هذا الجمهور بدوره ممثل في الإنتاجات الثقافة المختلفة.

«تنوع الجمهور، في رأيي، يأتى عن طريق زيادة الأصوات التي تنِتج الثقافة. فمن غير المعقول أن يكون هناك مجموعات كبيرة جدًا مهمشة ثقافيًا، لا تشارك في الإنتاج الثقافي لكنها تشترك أحيانًا في الاستهلاك، وأحيانًا لا تشترك إطلاقًا، وكأن هناك مجتمعات كاملة قيمها ورؤيتها غير موجودة».

«أعتقد أنه من المهم إيجاد مثل هذه المساحات داخل منظومات قيمية مختلفة عن السوق والربح؛ مساحات تستطيع الناس فيها أن تُنتج وتسمَع أصواتها».

اعلان
 
 
أسماء غريب