روايتان مختلفتان لتاريخ واحد
عن فيلمي «الضيف» و«في سبع سنين»
 
 
 

(1)

«لن أضحك على نفسي، إذا كان لابد من اختيار فيلم عربي لدخوله في موسم سينمائي تتصدره أفلام لا أتوقع من أيها الكثير لكن أحدها يحمل اسم إبراهيم عيسى كمؤلف لأول مرة، فلا حاجة لمقاومة فضول تلقائي تجاه تجربة الرجل الذي كان بمثابة ورطة حقيقية في حياتي»، قلت لنفسي قاطعًا محاولات فيروس التردد لتعطيل قراري.

اتخذت مقعدًا في القاعة ربع الممتلئة أمام صف من الشباب، رميت أذني معهم لاحقًا حينما سمعت أحدهم يتحدث عن أبو حمالات، مازلتَ قادرًا على إثارة فضول حتى من يلقبونك بأبو حمالات يا هيما، لكني فيما بعد حاولت دون جدوى استرجاع أذني منهم وهم يعلقون على مشاهد الفيلم واحدًا تلو الآخر.

كان الفيلم في نصفه الأول عند أدنى توقعات الواحد، المنخفضة أصلًا. أسبغ عيسى -بمساعدة المخرج هادي الباجوري- على خالد الصاوي «كاراكتره»، نفس الحجج والقفشات وطريقة إلقائها ولغة جسده، وعلى لسان يحيى التيجاني عبّأ الفيلم بحوارات ربما نتمكن من تجميعها نصًا من حلقات التوك شو التي ناقشت تجديد الخطاب الديني وصراعات التنوير مع الأصولية طيلة ثماني سنوات في العقدين الأخيرين فقط، لماذا نثق في البخاري أو نقدسه وهو بشر يخطئ ويصيب ولدينا مصادر تشكك في صحة رواياته؟ ألم تلاحظ في صور المصريات -بأمارة بنات شيخ الأزهر ومرشد الإخوان- أن الحجاب لم يكن فرضًا في مصر قبل 40 عامًا؟ أنت لا تشجع الكرة؟ مش معقول، شكلك لست فرفوشًا ومحبًا للحياة مثلنا، وهكذا راح نصف التذكرة في حلقة توك شو لم تخفف جودة أداء خالد الصاوي وأحمد مالك من وقعها كثيرًا.

(2)

في اليوم التالي كان اثنين من أصدقائي يتشاركان الإعجاب بفيلم وثائقي جديد لقناة الجزيرة اسمه «في سبع سنين» فتوقعت فيلمًا تقليديًا عن أحداث الثورة وقد صادف هوى في قلب صديقاي مع حلول ذكراها، لكني كنتُ قد تركت الفضول يقود خططي لليلة أخرى. وللصدفة ظهر أن الفيلم يدور أيضًا حول الحالة الدينية في مصر وبالتحديد بعد 25 يناير.

كان النصف الأول منه عبارة عن حوارات للمذيع مع شابين وفتاتين توقفوا عن الإيمان بالله، وتتأرجح مواقفهم بين الشك الجذري أو الإنكار التام (اللا أدرية أو الإلحاد). مما جعل الفيلم صادمًا ومتجاوزًا لوسطية يحيى التيجاني الذي يحرص على صلاته وصيامه قبل تشكيكه في البخاري أو الحجاب، وكشخص يرحب بالتنوع، وينشرح صدره كلما أصبح المجتمع أكثر تقبلًا للاختلاف واعترافًا بحقوق الأفراد، بدا لي أن فيلم الجزيرة كان أقرب لتحقيق ذلك من فيلم عيسى والباجوري، لميزة أخرى امتلكها «في سبع سنين»، وهو أنه ينطلق من نقطة لا يقر فيها بوجود هؤلاء، بل يستكشف وجودهم، يُصدم منه، يتعرف عليه، لكنها رحلة اكتشاف منفتحة على كل الاحتمالات والنتائج، وفي المقابل يحاول إبراهيم عيسى إقناع ضيفه -بخطاب سطحي ومباشر- أن يحيى التيجاني ليس مختلفًا وإنما هو طبيعة الأشياء، يحيى التيجاني لديه الحق في التعبير لأنه مصر الأصيلة قبل الغزو الوهابي، قبل كل أشكال ما يسمى بالصحوة الإسلامية بجهادييها وسلفييها وإخوانها ودعاتها الجدد كان يحيى التيجاني هو ابن البلد وجوهر تدين هذا المجتمع وتصوره عن الحياة.

المعركة حول من يمثل هوية مصر تعنيني بالفعل، ولكن المعركة حول حق من لا يمثلون هوية مصر في تمثيل أنفسهم تعنيني بصورة أكبر، ذلك أنها تضمن بشكل أوسع حق أي مختلف عن تلك الهوية في التعبير عن نفسه، بينما قد تفضي بنا معركة الهوية العامة إلى شكل آخر من التسلط تُفرض فيه الهوية من قبل نخبة حاكمة تصادر ذلك الحق في الاختلاف لكل من يخرج عن كودها المحدد سلفًا.

(3)

في السينما بعد الفاصل بدأ الموضوع ينقلب إلى قصة من قصص إحسان عبد القدوس عن زوج مسلم وزوجة مسيحية ربيا ابنتهما على تراتيل أم كلثوم وترانيم فيروز للقرآن والإنجيل. وصل الأمر لمرحلة أخذ عقلي فيها يكوّن انطباعاته بميمز شهيرة، مرة لخالد الصاوي نفسه وهو يقول «والنبي سيبني في حالي أصلي أوفردوز سماحة شوية»، ومرة أحمد السقا وهو يشعر بـ «صداع من كتر المحبة»، قبل أن تتحسن الأمور عند الغوص في تاريخ للدكتور يحيى التيجاني يشير إلى دوره غير المباشر في وفاة شخص بالتعذيب وربما علاقة محتملة له مع الأمن، ثم الاستطراد وصولًا إلى تاريخه الأقدم الذي انتمى فيه إلى إحدى الجماعات الإرهابية، وفقط حينما بدأت الأمور تأخذ منحنىً جادًا يتناول أسئلة عن تحولات المثقف وعلاقته بالسلطة وما إلى ذلك تحوّل الموضوع برمته إلى فيلم أكشن تنويري عن محاولة اغتيال على غرار عمليات التسعينات مع فرج فودة ونجيب محفوظ، لكن بخطة مبتكرة وعصرية ومحاولات -معلنة على لسان أسامة الذي يلعب دوره أحمد مالك-  لتجديد الخطاب السينمائي بإظهار الإرهابي كدكتور جامعي من طبقة عليا ليس جاهلًا ولا فقيرًا.

في مقابل ذلك ظهر الإرهاب والأكشن في النصف الثاني من فيلم الجزيرة أيضًا بحوارات من قلب الميدان مع ثلاثة شبان مصريين يقاتلون بالفعل في سوريا، ويتوعدون النظام المصري بالعودة والقتال حتى الموت، لكنه يخوض معهم حوارات واقعية، ترسم ثيمة هذا الجيل من الجهاديين الذين انخرطوا في «جهادهم» بالأساس لأسباب سياسية تتعلق بعزل مرسي ومذبحة رابعة، لا لأسباب اجتماعية كالاعتقاد بجاهلية المجتمع كما في حالة جهاديي السبعينات والتسعينات، ومن ثم فإن عملهم المسلح مشغول بمواجهة الدولة (ومعها الأقباط، الذين يرونهم ظهيرًا أساسيًا للدولة فضلًا عن العداء العقائدي تجاههم) بما يفوق انشغالهم ويؤجل مواجهتهم الخاصة بقضايا البخاري والحجاب، وأخيرًا فهم شباب أتوا من خلفية إسلامية غالبًا لكنهم عاديون ومتوسطو الحال، لا فقراء أو جهلة ولا دكاترة في جامعات أجنبية يصاهرون نخبة المجتمع وصفوة مثقفيه.

(4)

باعتبار أن يحيى التيجاني هو الأصل بينما أسامة مجرد ضيف ثقيل عابر، فلا يرى صناع فيلم الضيف دورًا يذكر لـ25 يناير التي عصفت بالمجتمع المصري قبل ثمان سنوات وجعلته أرضًا خصبة لكل الأفكار، لكن في نسخة الجزيرة، فإن الثورة هي نقطة الانطلاق ومحور التأثير، رغم أن الفيلم يلقي بأكبر الثقل على دور مذبحة رابعة تحديدًا.

يتفق أنصار الثورة وأعداؤها على أنها فتحت الباب لكل من هب ودب للتعبير عن رأيه، لكنهم يختلفون حول ما إذا كان ذلك نعمة أم لعنة، يناير فقط هي التي جعلت كل الأفكار تبدو مطروحة للنقاش وقابلة للتحقيق، لم يكن ثمة صوت مسموع قبلها -على نطاق واسع في المجتمع- إلا صوت الدولة من جهة والإسلاميون من جهة أخرى، لكن يناير أضافت خيارات أخرى إلى المنيو، ليبرالية واشتراكية وشيوعية وأناركية وما بين ودون ذلك. شباب -من بينهم ضيوف «في سبع سنين»- فرحون بامتلاكهم للحق في الاختيار والتعبير للحد الذي جعلهم مستعدين للتشكيك والتجربة والبحث في كل الاتجاهات وعلى كل المستويات، سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا، ليكون الاختيار عن قناعة وتجربة شخصية تليق بامتلاك هذا الحق ربما لأول مرة.

وعند فئة كبيرة من هؤلاء بدأ ينكشف عوار وترهل خطاب التيار الإسلامي وحتى التيارات المدنية المحافظة سياسيًا واجتماعيًا، ومن هنا بدأت رحلتهم الذاتية والجماعية في نفس الوقت للتنوير، بدءًا بمساءلة التيار الإسلامي حول شكل الشريعة التي ينوي تطبيقها على المجتمع وبأي الوسائل، ووصولًا إلى مساءلة الإله ذاته حول حقيقة وجوده وجدواه، وبهذا المعنى فإن موجة «التنوير» التي واجهت رجعية وسلطوية وتخاذل التيار الإسلامي خلال السنوات الماضية هي موجة هؤلاء الشباب، موجتهم التي ركنت عمرو خالد على الرف وحوّلت شيوخ السلفية إلى فقرات كوميدية في فيديوهات الإنترنت وأسست لوجود معارضة ترفع مطالب علمانية في الشوارع في ظل حكم الإخوان.

ومن هنا فإن محاولة تصوير صراع التنوير مع التطرف في قصة شاب أهوج يحاول اغتيال مفكر جريء هي محاولة منفصلة ومتأخرة عن الواقع بعشرين عامًا على الأقل، ومن المؤسف حقًا أن تصدر من إبراهيم عيسى، لا لأي موقف يتخذه الرجل هنا، وإنما لأنه كان في وقت ما سبّاقًا إلى التفاعل مع كل جديد، بأساليب مبتكرة تواكب واقع المجتمع بل وتصنعه أحيانًا، بينما في فيلم «في سبع سنين» بدت المحاولة أكثر مصداقية، لأن مجرد محاولة المذيع، الذي يعرّف بنفسه كشاب أزهري من الشعب المصري المتدين بطبعه، مجرد محاولته لاكتشاف عقول هؤلاء الشباب الذين تركوا الدين وتمردوا على فكرة الإله من بابها هي في حد ذاتها تجلي من تجليات ذلك التأثير ليناير.

وليس أن الفيلم السينمائي مطالب بالموضوعية في عرض وجهات النظر أو المهنية المطلوبة من مادة إعلامية، ولكن ليس بمقدور المرء أن ينكر شعوره بالتقدير كمتلقي حين يتبنى راوي الفيلم/المذيع دورًا محايدًا إلى حد كبير، لا ينتصر لأفكار ضيوفه ولا يحكم عليها، ربما يتفاعل معها فتنتابه دهشة أو فضول، لكنه لا يقاضيها ولا ينحاز لها، يعرضها فقط، يجعلها مطروحة للنقاش، كما أنه كذلك لا يستسهل في رسم صورة ضعيفة لشخصية الإرهابي تسهل من هزيمته الدرامية، وإنما يعرض ما يفكر به حقًا هؤلاء «المجاهدون» والأسباب التي دفعتهم إلى ذلك.

ومثلما كانت الثورة في عزها انفجارًا للأفكار، ونهمًا للتجربة، كان لمذبحة رابعة أيضًا تأثيرها البالغ على مسارات بعض ضيوف «في سبع سنين»، الذين جمعهم الشعور بالهزيمة والإحباط، لكن التأثير نفسه اختلف بحسب المكوّن الفردي لكل واحد منهم وتجربته الشخصية، فالشاب الذي كان لديه شكوكًا دينية يحاول مقاومتها، حينما فقد أخاه وعددًا من أقاربه ومعارفه في المذبحة شعر بأن «كل حاجة تضاءلت بالنسبة لصدمة رابعة، بعد رابعة كان عندي استعداد أتخلى عن أي شيء مش بس الإسلام»، والشاب الذي كان يرى الإخوان مقصرين في تطبيق الشريعة لكنه شعر بسقوط الإسلام مع سقوطهم بدأ يفكر أنه «مش ممكن يكون الإسلام بيقول إن احنا نستسلم بالشكل دا» حتى وصل إلى فكرة مواجهة النظام بالسلاح «وإما تزولوا أو نزول نحن».

وهكذا بينما جاء النموذجان في «الضيف» من تسعينات القرن الماضي وصراعاته، فقد كان نموذجا «في سبع سنين» واقعيين وينتميان إلى ما أفرزته تفاعلات المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة، ورغم أنه لم يتطرق إلى دور «الجهاديين» في مصر حاليًا، بمعنى أنه لم يسأل محاوريه المرابطين في سوريا مثلًا عن رأيهم في عمليات إخوانهم في مصر، وهي نقطة شائكة وتأسيسية في علاقتهم بهذا المجتمع كان جديرًا بالمذيع أن يتطرق إليها حقًا، إلا أنه يظل أقرب إلى طرح أسئلة وخلق حالة جدل من النوعية التي طرحها فيلم God on Trial مثلا، مقابل حلقة التوك شو/فيلم الجريمة والإثارة التي وضعنا فيها فيلم الضيف.

(5)

كما قلت، فإن محاولة صناع «الضيف» لتجديد الخطاب السينمائي برزت فقط في إظهار الإرهابي كشاب ذو وظيفة أكاديمية مرموقة وطبقة عليا ومظهر أكثر حداثة، وهي حتى لم تكن محاولة واقعية تمامًا، وعلى ذلك فليس هناك أي محاولة للغوص في أعماق هذا الشاب لمعرفة خلفيته ودوافعه، وهو – بطبيعة السينما المصرية – متجهم يكره الغناء وكرة القدم وغيرها من الاهتمامات الترفيهية اليومية للبشر العاديين.

لكن مذيع «في سبع سنين» يحاول الوصول إلى تلك الجوانب الشخصية لدى «الإرهابيين»، يوجه سؤالًا لأحدهم «أهلاوي ولا زملكاوي؟» فيرد مازحًا «كنت أهلاوي، لكن دلوقتي بقينا نشجع فرق أوروبا بقى خلاص بقينا عالميين، انت عارف الجهاد العالمي ملناش في المحليات»، يسألهم عمن كانوا يستمعون إليه من المطربين، يرد أحدهم «أيام الجاهلية؟» فيجاوبه المذيع «بس دي أيامك إنت». ويقول لآخر«كلمني عن اللي فات بإحساس اللي فات ومشاعر اللي فات مش بمشاعر دلوقتي وأفكارك دلوقتي»، هكذا يتسلل المذيع بنعومة إلى أعماق محدثيه الذين جلس كل واحد منهم أمامه ملثمًا وحاملًا مدفعه الرشاش، يردد أحدهم مقطعًا من أغنيته المفضلة لأم كلثوم، يحكون عن علاقاتهم العاطفية، عن أحلامهم وطموحاتهم القديمة بالنجاح المهني والمادي، وعن صعوبة العودة إلى حياتهم الطبيعية.

ربما يستبطن «في سبع سنين» حالة فوقية أخلاقية وسياسية للإسلام السياسي -كحل وسط ووحيد بين الإلحاد والإرهاب-، وربما يدفع في اتجاه أن ما يناقشه هو تبعات رابعة تحديدًا، لكن على الأقل فإن تصدير حالة الارتباك والاستكشاف أفضل من خطب وعظية مباشِرة ويقينية يتلوها صاحب البيت على ضيفه. وهي حالة حين يضاف إليها مدى انصهار ضيوفه في تجربة السبع السنين وتأثرهم بها، ستكون مثمرة بالتأكيد أكثر من دروس تعليمية سطحية تستبطن بدورها تفوّقًا تنويريًا.

اعلان
 
 
أحمد نور الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن