لحظات غرق جزيرة الحوت: عن الخطاب السياسي لحركة 6 أبريل

ظلت سفينة السندباد البحري تبحر لشهور طويلة على غير هدى بعد أن ضل من عليها طريقهم، وأوشكت المؤن على النفاذ وزاد تعب الطاقم وبدأ اليأس يدب في نفوسهم من الوصول لليابسة، وفي يوم غائم صاح أحد البحارة فجأة أنه قد رأى جزيرة في الأفق، وعلى الفور بدأت التجهيزات للرسو على الجزيرة، وما إن وطأت أقدامهم أرضها حتى ركضوا سريعًا ملهوفين للبحث عن الماء والطعام، وقبل أن تكتمل فرحتهم شعروا باهتزازات تشبه الزلزال، وبدأت الجزيرة تتحرك، نعم اكتشفوا أن الجزيرة التي مثلت لهم بارقة أمل للراحة والتغيير، بعد شهور من التيه في البحر، ما هي إلا حوت كبير بدأ في التحرك إلى قاع البحر بعد أن استشعر وجودهم فوق ظهره، فماذا يفعل السندباد ورجاله؟!

«ثورة أم سياسة؟»

تهدف الثورة إلى إحداث تغيير جذري في المجتمع، وعادة ما تبدأ بتغيير النظام السياسي لنظام جديد يقوم، مع المواطنين، باتخاذ اللازم لعملية التغيير. تكون الثورة هي الملاذ الأخير عندما تفشل عملية الإصلاح وتتأخر، أو عندما لا يوجد سبيل من الأساس للإصلاح، وعلى هذا تكون الثورة هي فعل سياسي بالأساس (كما أن الحرب هي فعل سياسي يحدث غالبًا عند فشل عملية التفاوض؛ ليفرض أمرًا واقعًا جديدًا أو على الأقل شروطًا مختلفة للتفاوض).

أدت حالة التجريف السياسي التي كانت عليها البلاد، والتي كانت من أسباب قيام ثورة يناير، لعدم وجود ممثل سياسي قوي متفق عليه ليعبر سياسيًا عن الملايين التي قامت بالثورة، ما أثر على الخطاب السياسي المحسوب على الثورة والمعبر عنها، وساهم كل ذلك في ما حدث عقب يناير وحتى الآن.

القوة الحقيقية للثورة ليست فقط بعدد المتظاهرين في الشوارع والميادين، بالطبع امتلاء الميادين عنصر مهم لكن الأهم هي الحاضنة الشعبية من عموم المواطنين، المؤيدة لحركة المتظاهرين ومطالبهم، والذين يحتاجون طوال الوقت إلى تواصل مستمر عن طريق الخطاب السياسي والرسائل الموجهة إليهم قولًا وفعلًا. قد تكون شعارات العدل والكرامة والحرية، وهتافات المتظاهرين، مناسبة في وقت اعتصام الميادين من 25 يناير وحتى 11 فبراير، لكن بعد رحيل مبارك لم تعد الشعارات كافية مهما كانت مثالية وواعدة بمستقبل أفضل، لأن الناس أصبحت بحاجة لخطاب سياسي أكثر عقلانية وتفصيلًا، وأن ترى برامج سياسية وطرح سياسي واقعي قابل للتنفيذ؛ ليريهم كيف ستتحقق العدالة والكرامة والحرية.

لقد تطلعوا وانتظروا من «النخب» السياسية أن تتقدم بما لديها وتريهم الخطوة التالية التي ستحقق أحلامهم، ولكن للأسف وقع الكثير من النشطاء في فخ وجود تناقض كامل بين الثورة والسياسة، كما وقعوا في فخ آخر، هو اختزال كل أهداف الثورة في إزاحة مبارك كدليل على تغيير سياسي جذري في النظام، وانعكس ذلك على خطاب غالبية النشطاء عبر وسائل الإعلام المختلفة، سواء التواصل الاجتماعي أو التلفزيون عن طريق ممثليهم.

ولم تكن هناك طريقة واضحة ومعايير محددة لاختيار ضيوف البرامج التلفزيونية من غير ممثلي التنظيمات السياسية والمتحدثين الرسميين، وأعتقد أن نظرة سريعة على ضيوف البرامج الحواية والـ «توك شو» طوال الفترة من 25 يناير وحتى 30 يونيو لا بد أن تثير تساؤلات هامة حول جدارة أغلب، إن لم يكن كل الضيوف، بمن فيهم من ممثلي الائتلافات والتنظيمات السياسية والمتحدثين الرسميين بكل هذه الساعات من البث والحوار، وإذا كنا لا نمتلك إلا القليل لنقدمه للجمهور علينا أن نتساءل: هل اخترنا خير من يمثلنا ليقدمه للناس؟!

مع الوقت اعتاد المتلقي على خطاب «ثوري راديكالي»، محتواه الرفض المستمر ومحاولة استعراض قوة الثوار، مع التشديد على إظهار الموقف دون الاهتمام بتفسيره أو محاولة إقناع الجمهور، فالإقناع هو أحد أهداف الخطاب السياسي في الأساس، كل هذا امتزج بالدماء التي ملأت الشاشات في أحداث الثورة المختلفة وضج بها الناس. وفي المقابل كان خطاب السلطة يحدثهم عن عجلة الإنتاج وضرورة الهدوء حتى تجاوز الأزمات الاقتصادية والأمنية، حتى فشل الثوار في تطوير خطابهم مع تطور الأحداث، وهي نتيجة طبيعية للتخبط في قراءة المشهد السياسي على أرض الواقع.

«الرأي بعد شجاعة الشجعان»

نتيجة للأحداث المتلاحقة بعد الثورة، والحاجة الملحة إلى إعلان الموقف السياسي، والقيام بتكتيكات سريعة، تراجع الثوار إلى موقع رد الفعل. وفي رأيي أن النظام دائمًا ما يكسب معاركه -التي يحسبها جيدًا- حتى يكون في موقف المبادر بالفعل، ويسبق بخطوة، في حين يبدو عليه الارتباك الشديد حين يكون في موقع رد الفعل.

ومن الأخطاء العديدة التي وقعت فيها حركة شباب 6 أبريل، والثوار أيضًا، هو الانتباه ﻷن اتخاذ موقف جذري راديكالي في العموم، لا يستتبع بالضرورة تبني تكتيكات راديكالية طوال الوقت، وأن النقاء الثوري، المتوهم والنابع من سذاجة التصور الخاطئ بوجود تناقض تام بين الثورة والسياسة، لا يتعارض مع حسن التقدير واختيار الخطاب المناسب للظرف السياسي، ولطبيعة الجمهور المستهدف؛ فالخطاب السياسي يهدف لإقناع الجمهور لا التعالي عليه، ويجب أن ينبع من رؤية استراتيجية كاملة متضمنة تحليلًا واقعيًا للخريطة السياسية، وواعية بالأهداف المرجوة، فيكون الخطاب نتيجة للرؤية وليس العكس، فالانحياز الثوري والرفض السياسي أدى بالجميع لخسارة الثورة والسياسة والعودة للمربع صفر.

بدأت حركة شباب 6 أبريل كتنظيم سياسي يهدف إلى منع توريث الحكم، وقدمنا أنفسنا على أننا حركة المقاومة السلمية، دون تحديد كافٍ لرؤية واستراتيجية الحركة، وكما تحدثت في مقال سابق عن أزمة الرؤية والأيدولوجية لدى الحركة، التي أدت إلى تشوش وارتباك واضح في تحديد موقعنا داخل الخريطة السياسية المصرية، فإذا افترضنا أن الحركة هي مجموعة ضغط فكان من المفترض أن تحتل الحركة موقعًا وسيطًا بين النخبة السياسية وبين الجماهير العادية، وأن توازن في خطابها ومواقفها بين الجانبين، ولكن ما حدث هو أن الحركة كانت مذبذبة في تمركزها؛ تجدها مرة بين الجمهور العادي للثورة تتحدث بخطابه وتتماهى مع موقفه، والجمهور غالبًا عاطفي ومندفع ودائمًا لا يحمل أي التزامات أو أعباء، كما أن وعيه متطاير بدرجة كبيرة، ومرة أخرى نجد الحركة بين النخبة تتحدث بخطابها وتتماهى مع مواقفها، فأثر ذلك على هوية الحركة ودورها، وتسبب في فشل في إيصال رؤيتها ورسالتها للجمهور أو إلى النخبة، وانعكس ذلك على خطاب الحركة، الذي مال في مواقفه للخضوغ لمزايدات الجمهور الثوري المندفع دائمًا والمائل للخطاب المتطرف والمواقف الحدية الرافضة، أو إلى مزايدات النخبة السياسية من رموز وأحزاب وغيرها التي تتهم الحركة بالـ «طيش الشبابي»، وعدم كفاءتها كممثل سياسي حقيقي.

وبين هذا وذاك ترسخت صورة ذهنية عن الحركة كمجموعة من الشباب الفوضوي صاحب الصوت العالي الفارغ, والمستعد دائما للاشتباك وإلقاء الحجارة دون تفاهم، وزاد في ترسيخ هذه الصورة ما يبثه إعلام النظام عن الشباب والحركة واتهامات الخيانة والتمويل، فأدت هذه الصورة لتحول الحركة لعنصر جذب لمزيد من الشباب المتحمس من قطاعات كبيرة من الوافدين الجدد أصحاب المفهوم الخاطئ عن الثورة كوسيلة لتفريغ الغضب، أو إلقاء الحجارة ومزيد من الاشتباك، عشاق الأدرينالين والباحثين عن دور البطولة، فاستقبلتهم الحركة كأعضاء لديها دون تدريب كافي، أو إعداد وتثقيف، فتحولوا مع الوقت لعبء تنظيمي جديد على قيادات الحركة، خاصة مع المطالبة برفع سقف الخطاب واتخاذ مواقف متطرفة.

على الجانب الآخر تعامل كثير من «النخب» مع الحركة باعتبارها مجرد وسيلة لحشد المتظاهرين، وزيادة العدد بالتظاهرات والاعتصامات وكأنها «مقاول أنفار»، دون أن تكون ندًا سياسيًا حقيقيًا.

فقدت الحركة موقعها المفترض كحلقة وصل بين جمهور يبحث عن النخبة، ونخبة تبحث عن جمهور، وتمركزت في مواقع خاطئة بقصد أو بدون قصد على طريقة إيكاروس في الأسطورة اليونانية «سقطت في البحر بعد أن فشلت في الطيران» والذي حذروه من الاقتراب بأجنحته -التي يربطها الشمع- من الشمس أكثر أو من البحر أكثر، وأن يحافظ على موقع بسيط بينهم، لكن اقترابه من الشمس أكثر من اللازم أدى لانصهار الشمع، وفشل محاولاته في الطيران.

«من خطاب المنتصر لخطاب الضحية»

نتيجة الأحداث المتلاحقة من يناير وحتى 30 يونيو انشغل غالبية النشطاء بالتأكيد على المواقف الثورية، أو التمسك بالشعارات المجردة أو المبادئ العامة، أكثر من الاهتمام بالعمل السياسي أو تحمل عبء ترجمة هذه المبادئ في برامج سياسية وتقديمها للجمهور، أو تحمل مسؤولية التنظيم، فكانت المنصة الرئيسية للتفاعل، وهي مواقع التواصل الاجتماعي، تحفل بالأنا المتضخمة والشعور بالاستحقاق والتميز، واعتبر النشطاء أنفسهم أصحاب الثورة ووكلائها من دون الملايين الذين شاركوا فيها.

وبعد انحسار المد الثوري عقب 30 يونيو تحولت نبرة الخطاب إلى النقيض تمامًا، فكلما تطرفنا في الاحتفاء والاحتفال بنصر لم يكتمل فقد تطرفنا في البكاء على ضياعه، وتفنن أغلبنا في إظهار مظلومياتهم وسوء حظهم وقسوة الظروف، وكأننا نعشق البقاء عند طرف المنحنى البياني حتى لو كان الطرف الأسفل للمنحنى، وبدلًا من تحمل المسؤولية والاعتراف بالتقصير ومكاشفة الذات بالأخطاء ومحاسبتها ومحاولة دراسة ما حدث لتدارك ما يمكن تداركه أو محاولة علاجه ولو في المستقبل، بدلًا من ذلك اختار المعظم الحلول السهلة مرة أخرى، إما بالإنكار أو الهروب للاكتئاب والانعزال، أو السعي للهجرة، وبعد أن كانت المطالب والأمال لا حدود لها بعد يناير فقد تقلصت عقب 30 يونيو تدريجيًا حتى اقتصرت على جانب الحقوق والحريات السياسية، كالحق في التظاهر أو حرية الكتابة والتعبير في مقابل القمع المتنامي من النظام.

واقتصر المشهد على الخطاب الحقوقي والمطالبات بالإفراج عن معتقلي الرأي، فمشكلة خطاب «الضحية» الذي تبناه الجميع عقب 30 يونيو، سواء من التيار المدني أو الإخوان، أنه يمنح صاحبه مخرجًا سهلًا من المسؤولية الأخلاقية، ويساعده على التنصل من أفعاله ومسؤولياته بإلقاء اللوم على غيره أو على ظروف خارجية، ويمنحه أيضًا إحساس التفوق الأخلاقي الذي يعوضه عن أي رغبة  في الاعتراف بالخطأ.

في حالة الثورة المصرية قد لا تتحمل الحركة أو التيار المدني الجزء الأكبر من المسؤولية؛ فيتحمل الجيش والإخوان -وهما طرفي الصراع الأساسيين بعد 30 يونيو- في رأيي الجزء الأكبر من المسؤولية، لكن المشكلة أن نتائج ما حدث وما يحدث يتحملها الجميع وبالتالي فالجميع مطالب بتحمل المسؤولية بدلا من الهروب وإلقاء اللوم على الآخرين.

اعلان