مزنق الكتابة عن حدث كبير: الثورة مثلًا
 
 

منذ ثمان سنوات وُضع الأدب في مأزق الكتابة عن الثورة، وهو الأمر الذي يختلف من كاتب لآخر؛ بين الكتابة أو التجاهل أو الانتظار أو الانخراط في العمل الثوري.

لكن قراءة ما كُتب عن ثورة 25 يناير 2011 حتى الآن تضعنا أمام إشكالية الكتابة عن الحدث الكبير؛ فالقارئ -عادة- لا ينظر لهذه الكتابة كخيال، فيتوقع أن ينحاز الأدب لرؤيته عن الثورة، ويفكر: هل كانت الكتابة ضدها أم منحازة لها؟ ثم يشكّك: هل شارك الكاتب في الثورة، وعرِف بشكل كامل ما جرى؟

لقاء الثورة بالأدب

كل فترة يتجدّد حديثي مع صديق فلسطيني عما قَرَأَ من كتب عن الثورة المصرية، ثم يخبرني بأن أغلبها غير مشبِع. يوضح أنه لم يقرأ أدبًا مثل رواية «الطنطورية» (الشروق، 2010) لرضوى عاشور (1946-2014) عن النكبة الفلسطينية. ثم يضيف شارحًا: «أي عمل عن الثورة المصرية محكوم عليه بالفشل لأنها حدث كبير». ثم يحدثني عن الروايات الفلسطينية قائلًا: «لم يبق إلا الكتابة التي تناولت الجانب الإنساني للمأساة الفلسطينية التاريخية».

لكن القارئ عادة ما ينظر إلى أغلب الروايات الفلسطينية بوصفها كتابة عن حدث كبير، حتى لو كان قوامها الحكايات العاطفية.

وهو ما يعيدنا لسؤال: كيف يتعامل الأدب مع حدث كبير؟

شِعر ويوميات

خلال 2011 كُتبت وسُجلت قصائد عن الثورة، فغنّى للميدان عبد الرحمن الأبنودي ومصطفى إبراهيم، وغيرهما.. هكذا توالت أغانٍ وقصائد عن الثورة والتغيير والدماء والآمال.

يقول الشاعر مصطفى إبراهيم لـ «مدى مصر» إنه كان يوثق إحساسه تجاه الحدث الكبير. ويوضح أنه إذا لم يكتب شِعره وقتها، فإنه لا يظن أنه كان سيكتبه بعد سنوات من الثورة.

لم يبدأ إبراهيم الكتابة إلا بعد شهرين من انطلاق الثورة. وكان يكتب قصائده ثم ينشرها على «فيسبوك»، كأنه كان يختبرها، كأنها وضعها «أونلاين» وأخذ مدة زمنية قبل نشرها في ديوانه الثاني؛ «المانيفستو» (بلومزبري للنشر ومؤسسة قطر، 2013).

يوضح إبراهيم لـ «مدى مصر» أن ما كان يكتبه «هو ليس توثيقًا سياسيًا أو تاريخيًا للثورة».

حينما ذكرتُ مقولة إن «الكتابة لا تكون عن حدث كبير، وأن الأدب يأخذ وقتًا ليكتب عن ثورة»، والتي كانت شائعة بين المثقفين قبل ثمان سنوات، فإن إبراهيم علّق قائلًا إنه يعرف هذا الكلام، ولكنه فضّل كتابة ما شعر به في 2011.

حكاية من التسعينيات

قبل الثورة بسنوات كان هناك اتجاه بين كُتّاب جيل التسعينيات يخص عدم الكتابة عن حدث كبير، وهو ما يوضحه الكاتب والمترجم أحمد فاروق قائلًا إن عدم إقبال الكُتّاب المصريين وقتها على الكتابة حول حدث كبير أو قضايا كبرى لم يكن نتيجة لدعوات، وإنما كان بسبب «الجو العام». ثم يوضح أن «الأجيال السابقة على جيلنا [جيل التسعينيات] كانت مؤدلجة بشكل كبير، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي كان فيه زعزعة للأديولوجيا. كانت محاولات لتلمس ما تحت قدميك، حياتك الشخصية وآفاقها، من غير شعارات كبرى.. الفكرة تخص التعامل غير المباشر مع السياسة، وإبراز لآليات القمع بشكل عمومي حتى في العلاقات الإنسانية»، بحسب فاروق الذي يستعيد حكاية جرت بالتزامن مع حرب الخليج الثانية، حيث كان ضمن فريق مسرحية بالجامعة وعنوانها هو «تماثيل دخان تماثيل»، وكانت الجامعة قد علقت النشاط المسرحي، لكنهم -فاروق وبقية الفرقة المسرحية- قرروا الاستمرار، ثم يقول ساخرًا: «المسرحية كانت رمزية ومعقدة وغارقة في الغموض.. حتى أن بعض أعضاء الفرقة كانوا مش فاهمين أجزاء من أحداثها».

مضيفًا: «أنا شخصيًا كنتُ غير مبال. تابعتُ حرب الخليج الثانية [1990] -التي كانت الحدث الكبير وقتها- وخصوصًا في الجامعة، رفضت الفرقة المسرحية أن توقف نشاطها رغم إن المسرحية ليست سياسية، واعتبروا أننا أصحاب موقف سياسي، ولاحقت مباحث أمن الدولة بعضنا»، بحسب فاروق.

انطباعات عن حدث كبير

في 2011، صدرت رواية «التماسيح» ليوسف رخا (الساقي، 2011)، والذي يقول في حوار، نشره على موقعه «the sultan’s seal |يوسف رخا»، إنها مرتبطة بالثورة. لكن الرواية ترسم رؤية رخا للوسط الثقافي خلال العقدين السابقين على 2011؛ صعود وظهور كُتّاب التسعينيات.

بينما بدأ المثقفون، قبل ثمان سنوات، خطة لـ «تثوير» وزارة الثقافة، التي انتهت لتكون غضبًا من المثقفين تجاه القيادة السياسية حين تختار مسؤولًا على رأس مؤسسة ثقافية أو مطبوعة تعنى بالثقافة أو حتى اسم الوزير [راجع الاحتجاجات الرافضة لتولي محمد الصاوي لمنصب الوزير في فبراير 2011].

وتوالت الكتب عن الثورة مثل كتاب «الثورة 2.0» لوائل غنيم (الشروق، 2012)، فيما كتب إبراهيم أصلان (1935-2012) يومياته هو الآخر، والتي نشرت بعد رحيله بثلاث سنوات وجاء عنوانها معبّرًا بشكل كبير عن تعامل أغلب الكُتّاب مع الثورة: «انطباعات صغيرة حول حدث كبير» (الهيئة العامة للكتاب، 2015).

في «الانطباعات» لم يختلف أصلان في الحدث الكبير عما اعتاده قراؤه؛ الأسلوب العذب، والاختيار الدقيق للكلمات، والجمل القصيرة، لوصف حركته في وسط البلد بينما تشتعل القاهرة، واصفًا المحادثات والمواقف خلال الـ 18 يومًا.

صيغة اليوميات تكاد تكون آمنة، فمن ناحية هي ليست عملًا فنيًا، لكنها تكاد تكون مادة خام، لا تخلو من أسلوبية كاتبها، واستعادته لحدث، دون أن يستخدم الخيال، بل ما سجلته الذاكرة فحسب، ثم يحرّر الكاتب ذكرياته المكتوبة.

بعد خمس سنوات من الثورة، كتب يوسف رخا رواية مستوحاة من أحداثها وهي «باولو» (التنوير، 2016)، والتي يصفها الروائي أحمد ناجي بأنها «من الأعمال الإبداعية التي حاولت أن تخلق تفسيرات بديلة لما حدث في 2011». ويوضح ناجي أن قدرة الفن ليست في التوثيق، وإنما تقديم تفسيرات بخلاف ما هو متعارف عليه، ويضيف: «أجدها أكثر رواية معبّرة عن الثورة لأنها أقامت بنية سردية مختلفة عن الثورة، وهي رؤية هزلية تمامًا، فاخترع رخا تاريخًا بديلًا للثورة»، بحسب ناجي.

لكن كيف يقارب الأدب الحدث الكبير؟ حول ذلك يقول نائل الطوخي: «فكرتي ببساطة هي مقاربة الحدث الكبير من زاوية قريبة لي. الحدث الكبير يؤثر على الجميع، ومن هؤلاء الجميع ذات الكاتب نفسه. لذلك فزاويتي هي أن يبحث الكاتب داخل نفسه، أن يحاول فهم الحدث الكبير من خلال نفسه، والتغيرات التي حدثت بداخله جراء هذا الحدث».

ويوضح: «إذا لم تكن ذات الكاتب كافية، يمكنه التأمل في مَن هم حوله، كيف تأثروا بهذا الحدث، على الكاتب أن يكون ثاقب النظر، قادرًا على ملاحظة ما لا يلاحظه غيره طبعًا. وعمومًا أعتقد أن الأحداث الكبيرة تتشابه في كثير من ملامحها، وأحيانًا تتطابق». مضيفًا: «الاستقطاب المجتمعي أعتقد أن ملامحه واحدة، سواء كان الحدث الكبير حربًا أو ثورة أو حربًا أهلية. وبالتالي فما يكتبه تولستوي عن حروب نابليون التوسعية قد أجد مرادفات له في حالة الثورة المصرية. ولا أعتقد أنه على الكاتب الكتابة عن الحدث الكبير، ولكن أيضًا، ليس عليه تفادي الحدث الكبير».

الفرد مقابل ثورة

في «كان نائمًا حين قامت ثورة» يحدد عماد أبو صالح  قسمًا من ديوانه لـ ذم الثورة، يرسم عبر شخصيات مثل نائم أو عجوز أو مناضل، يقدّم الوحدة والحرية الفردية مقابل الحراك الجماعي، معلنًا موقفًا جريئًا من الثورة لصالح الفردية، لكن الديوان نشره أبو صالح عام 2017.

«نائم»:

كان نائمًا حين قامت الثورة/ لم يغادر سريره/ رغم أنه سمع الهتافات الهادرة/ من شباك غرفته/ نام بعمق.

كان وحيدًا في البيت/ في الحي كله.

لا ضجيج بائعين/ لا صراخ أطفال/ ولا نباح كلاب.

وحيد/ وحر/ بينما الثوار هناك يشيعون جنازة الحرية».

من ديوان «كان نائمًا حين قامت ثورة»

توثيق محتمل

في أحد أوجه قراءة الأدب الذي يقارب الثورة، فإن القارئ يطلع على نص يوثّق الثورة، وهو ما يؤكده نائل الطوخي فيقول: «في رأيي أنه يمكن من خلال الأدب معرفة حكايات عن أحداث كبيرة، لكن ليس هذا ما يصنع له قيمة. هو شيء فوق البيعة، «بونص» ليس علي الاهتمام به كثيرًا، أن يتعرف قارئ مستقبلي على أحداث كبيرة من خلال كتابتي. وهذا غصبًا عني سيحدث، ولو لم أكتب سوى عن المجرات والكواكب الأخرى. كل ما ندوّنه في هذا العالم، سيتحول لوثيقة لدى الأجيال التالية. ربما فقط يكون على الوثيقة ألا تعي بقوة كونها وثيقة».

حرنكش كما تخيلها أنديل - صورة: أنديل

بينما يرى أحمد ناجي أن الكتابة عن الثورة «فكرة جميلة»، ثم يستدرك «لكن أين هي هذه الكتابة؟» مشيرًا إلى غياب التوثيق ما سيجعل أي كتابة تسقط في قرائتها على أنها عملًا توثيقيًا وليس أدبيًا.

ويقول: «أين الأرشيف؟ في حالة ثورة يوليو 1952 لدينا مضابط اجتماعات مجلس قيادة الثورة، أو ما كُتب عن تنظيم الضباط الأحرار. لكن واحدة من مشاكل 25 يناير إن كل واحد يرى أنه هو مَن فجّر الثورة، في حين كان هناك أفراد فاعلين لكنهم لم يتحدثوا»، ثم يوضح أن «الأفراد الذين كانوا ضمن ما عُرف بائتلاف شباب الثورة، بل كان هناك أكثر من ائتلاف، لم يخبرونا بما كان يحدث في هذه الجلسات المغلقة، ولا نعرف ماذا كان يحدث».

وبحسب ناجي، فإن «ما يُقدم من شهادات توثيقية حدث بشكل فردي، ويكاد يكون تقديم للأفكار نفسها».

في أوائل 2013 تعطل مسار توثيق الثورة، وذلك بقيام لجنة توثيق الثورة المُشكّلة من قِبل دار الوثائق الرسمية بحلّ نفسها. وضمت اللجنة عددًا من المتطوعين كان من ضمنهم المؤرخ خالد فهمي، وكان سبب توقف نشاط التوثيق عدم تمكن أعضاء اللجنة من أداء عملهم، ونظرًا لوجود تخوفات لدى أصحاب الشهادات من حدوث اختراق أمني للمادة التاريخية الأولية، المتمثلة في شهادات المواطنين عن أحداث 25 يناير وما تلاها. ثم جاءت تجارب مستقلة لتوثيق 2011؛ فأطلقت تعاونية «مُصرين» -يناير 2018-  أرشيف «858» الذي يحتوى لقطات مصورة بدأت التعاونية جمعها منذ 2011 منذ أُسست بالخيمة الإعلامية في اعتصام التحرير 2011.

ما توثقه رواية

من ناحية أخرى فإن الأدب يقوم بالتوثيق، لكن بشكل مختلف؛ ما لم يسجل بشكل صحفي مثلًا، أو يحفظ في أراشيف رسمية أو مستقلة. وهو ما نجده في روايات مثل «عطارد» (التنوير، 2014)، «الخروج من البلاعة» (الكرمة، 2018) و«جوائز للأبطال» (المحروسة، 2019)؛ ففي الأول وظف محمد ربيع التوثيق، ليكون وسيلته لصناعة مستقبل متخيل، تكون البلاد منقسمة إلى جزئين، أحدهما واقع تحت نير الاحتلال، والآخر تتواجد به قوات المقاومة الشعبية، وتتحول الحياة إلى جحيم، في حين قدّم نائل الطوخي -في «الخروج من البلاعة»- رؤية حورية والتي تحب أن تُسمى بـ «حرنكش» للثورة والسنوات التالية لها؛ رؤية ساخرة وتحليلية في الوقت نفسه لشخصية تعيد سرد التاريخ بشكل شفاهي، وهو الأمر الذي دعمه استخدام الطوخي لكتابة حرة، تستخدم كلمات عامية، وذلك دون تجاهل قواعد الضبط اللغوي وقواعد النحو كذلك.

لوحة للفنان عمر مصطفى مستوحاة من رواية “جوائز للأبطال” لأحمد عوني، مرسومة لباب سابع مدى

أما في «جوائز للأبطال» يقدم أحمد عوني مسار حياة رامي مصطفى والذي يتقاطع مع أحداث الثورة، ثم يتحوّل لشهيد رغم أنه لم يُقتل، بل كان ضحية سوء تفاهم كبير؛ نشر رامي تغريدة تفيد بالقبض عليه من شارع محمد محمود، وذلك أثناء الاشتباكات الشهيرة التي جرت في محيط مقر وزارة الداخلية في 2011. لكنه لم يستطع أن يوقف الرواية التي تداولها الناس عن مقتله.. هكذا يكون القارئ متأرجحًا بين حياة رامي وحركته داخل مسرح الأحداث الكبير، كأنه يتابع يوميات رامي/ الشهيد الحيّ عن الثورة.

من جانبه يقول نائل الطوخي إن «الأدب مكان مناسب للكلام عن أي شيء، من الأقيم حتى الأتفه، بشرطين؛ أولهما أن تخاطب الكتابة أكبر عدد ممكن من الناس، خارج حدود ثقافة الكاتب ومكانه وزمانه، وثانيهما أن تقدم الكتابة شيئًا جديدًا، لم يُعبَّر عنه من قبل».

بجانب المهمة الأساسية لكاتب الأدب، وهي الاختراع أو التركيب، فجزء من مهمته أيضًا، كما يتخيلها الطوخي، هو التوثيق.

ثم يوضح: «في هذه المرحلة من كتابتي أحاول توثيق ما أسميه «برابير» النفس البشرية، الأمور التي يشعر بها كل منا، لكننا نخجل من الاعتراف بها. بشكل ما في رأيي، الأدب يتحرك في مملكة الظلام، أي الأشياء الخفية، والمخفية، عن عيون البشر؛ البشر، ليس فقط مواطنيك، ولا من يعاصروك، ولا من يتحدثون لغتك. وكلما كانت الغطسة في الظلام أعمق، كلما كانت اللعبة أحرف». مضيفًا: «هذه في النهاية عملية توثيقية».

اعلان
 
 
أحمد وائل