تعديل الدستور: «سرٌ» ممنوع نشره

على أنغام أغنية «تسلم الأيادي.. وقوم نادي على الصعيدي، وابن أخوه البورسعيدي»، اصطف ملايين المصريين يومي 14 و15 يناير 2014، أمام لجان الاستفتاء على مواد دستور 2014، الذي أعدته لجنة الخمسين بعد تعطيل العمل بدستور 2012 المعروف إعلاميًا بـ «دستور الإخوان».

لم تتوقف وصلات الرقص البلدي على «واحدة ونص» أمام لجان الاستفتاء، تخللتها هتافات بعض المتحمسين: «تحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر» شعار دولة «30 يونيو» التي تأسست على أنقاض حكم الجماعة، أجهزة ومؤسسات الدولة حينها استخدمت كل الوسائل لحشد الناخبين إلى صناديق الاقتراع للتصويت بـ «نعم»، بهدف «إبهار العالم بطوابير المواطنين الباحثين عن الديمقراطية بعد عام الرمادة الإخواني».

حظيت مناقشة مواد دستور 2014 في لجنة الخمسين بتغطيات إعلامية واسعة، وفُتح الباب أمام حملات شعبية ورسمية لترويجه في مراكز وقرى محافظات مصر باعتباره «أفضل دستور في تاريخ مصر، خاصة فيما يتعلق بمواد الحريات والتوازن بين السلطات وتقييد مدد الرئاسة»، فضلًا عن كونه «الخط الفاصل بين ديكتاتورية دولة المرشد الدينية.. والدولة المدنية الديمقراطية المستقرة».

أدار الإعلام حينها -متطوعًا أو بتوجيهات- ماكينة إقناع المواطنين بالمشاركة في الاستفتاء والتصويت بـ «نعم» لأنها «ستقودنا من الظلام إلى النور.. ومن سلطة الجماعة التي أرادت حكم مصر لمدة 500 عام إلى دولة التعددية والمشاركة وتداول السلطة»، وخرجت عناوين الصحف الرئيسية قبل الاستفتاء بساعات تحث الناس على الذهاب إلى اللجان: «الشعب يقول كلمته.. نعم للدستور»، و«اليوم الاختيار بين الدولة والمجهول»، و«يا طه قول لحنا مصر بكرة هتبقى جنة»، إلى آخر هذه السلسلة من الكليشيهات التي ابتدعتها الجرائد حينها.

ونتيجة لعمليات الحشد الممنهج، توجه نحو 20 مليون ناخب إلى صناديق الاقتراع، سواء عن اقتناع بمواد الدستور الجديد أو الخوف من العودة إلى «حكم الجماعة» أو رغبة في «الاستقرار» الذي تمّ الترويج له، وقال «الشعب كلمته»، وأيّد 98.1 % من الناخبين مواد الدستور الجديد.

بعد شهور، وتأسيسًا على الوثيقة الدستورية الجديدة، أُجريت الانتخابات الرئاسية، وأقسم رئيس «الضرورة» عبد الفتاح السيسي أمام الجمعية العامة للمحكمة الدستورية على احترام نصوص الدستور والقانون ووقع وثيقة تسليم وتسلم السلطة مع سلفه عدلي منصور.

وقبل أن يجف الحبر الذي كُتبت به الوثيقة الدستورية، وبعد شهور قليلة من اعتلاء السيسي قمة هرم السلطة، دُشنت حملات تستهدف تشويه لجنة الخمسين ومنتجها، وذلك بعد أن ألمح رئيس الجمهورية إلى أن «الدستور المصرى كُتب بنوايا حسنة، والدول لا تُبنى بالنوايا الحسنة فقط»، ثم تحركت إثر ذلك وصلات «الحنجلة والرقص» مطالبة بتعديل الوثيقة التي كُتبت في ظروف انتقالية، وقُوضت صلاحيات الرئيس صاحب الإنجازات لصالح الحكومة والبرلمان.

قبل أسابيع من انتخابات البرلمان، وتحديدًا في أكتوبر 2015، سألت وكالة «رويترز» للأنباء اللواء سامح سيف اليزل مسؤول قائمة «في حب مصر» التي حصدت الأغلبية البرلمانية -ثم تحوّلت إلى «دعم مصر» بعد انعقاد البرلمان- عما يتردد عن تعديل الدستور الجديد فقال: «لو إدينا للدستور سنة.. سنة ونص.. سنتين على أقصى تقدير، هنشوف فعلًا إيه اللي لازم يتعدّل فيه، لكن من وجهة نظري إن في بعض المواد في الدستور يجب أننا ننظر لها بنظرة جدية، ونشوف هنعمل فيها إيه». مضيفًا: «مثلًا موضوع إقالة الوزراء وتعيين الوزراء، وأيضًا تسمية رئيس الوزراء».

تصريحات سيف اليزل كشفت عن نوايا مؤسسات الدولة الجديدة تجاه دستور «النوايا الحسنة»، وبالفعل فُتح الباب أمام نزول فرق «المواطنين الشرفاء» إلى الشوارع رافعة شعار «هنعدّل الدستور حتى يتمكن الرئيس من تنفيذ برنامجه الانتخابي»، علمًا بأن السيسي خاض الانتخابات دون برنامج مكتوب.

مات سيف اليزل، وأُورث تكتله البرلماني المهمة التي كان يُعد لها داخل الغرف المغلقة، ومضى قطار إعادة تفصيل مواد الدستور ليناسب مقاس رئيس الدولة. ومن وقت إلى آخر خرجت إشارات لجسّ نبض الرأي العام في الداخل والخارج؛ مرة عبر نواب برلمانيين، وأخرى عبر الكتبة والإعلاميين الذين لا ينطقون عن الهوى؛ إن هو إلا وحي يُوحى.

بحسب مصادر مقربة من دوائر اتخاذ القرار، فإن مساعي تعديل مواد الدستور تمّ فرملتها خلال العامين الماضيين، وذلك يتعلق بضغوط خارجية مُورست على السلطة، إضافة إلى مخاوف الأجهزة الأمنية من ربط الغضب المتصاعد بسبب الأوضاع الاقتصادية التي تأثرت بما يُسمى تنفيذ «أجندة الإصلاح» ورد الفعل المتوقع من الإقدام على تعديل مواد الدستور، وهو ما دعا الرئيس السيسي إلى نفي وجود أي نوايا لتعديل الدستور، مؤكدًا في مقابلة مع شبكة CNBC الأمريكية نهاية عام 2017، أنه مع الالتزام بفترتين رئاسيتين مدة الواحدة منهما 4 أعوام، ومع عدم تغيير هذا النظام، وتابع: «لدينا دستور جديد الآن، وأنا لست مع إجراء أي تعديل فى الدستور خلال هذه الفترة.. وسوف أحترم نصّ الدستور الذي يسمح للرؤساء بشغل مناصبهم لفترتين متتاليتين فقط مدة الواحدة 4 سنوات».

في 2018، حسم السيسي ولايته الثانية في انتخابات أثارت جدلًا، بعد أن أبعد كل منافسيه المحتملين من ساحة الاستحقاق الانتخابي، فعادت مساعي تعديل الدستور، لتسمح للرئيس أن يظل رئيسًا حتى عام 2034، وليحكم قبضته على سلطات الدولة، فلا ينازعه فيها برلمان أو حكومة أو حتى قضاء.

«إن لم يتمّ تعديل الدستور قبل رحيل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فمن الصعب تعديله بعد ذلك»، قال مصدر قريب من المناقشات التي تمت قبل الإعلان عن التعديلات الشهر الماضي، تزامن ذلك مع إغلاق كل منافذ التعبير عن الرأي، وحصارها ومنع نشر أي محتوى يشير من قريب أو بعيد إلى التعديلات وفحواها في المنصات الإعلامية المصرية، باستثناء ما كتبه الزميل ياسر رزق رئيس مجلس إدارة «أخبار اليوم» في صحيفته قبل ما يزيد على شهر.

صدرت التعليمات للمنصات الإعلامية التي استحوذت عليها أجهزة السلطة، وللمؤسسات الخاصة المحاصرة بمنع نشر أي محتوى له علاقة بالتعديلات الدستورية سوى المنشور على الوكالة الرسمية «أ ش أ». وفُرض الحصار على أي تناول نقدي أو تحليلي أو حتى خبري لما يدور في كواليس البرلمان من مناقشات أُثيرت في الفضاء العام، خاصة المادة 226 التي تحول دون ترشح السيسي لولاية أخرى والتي نصّت على أنه «لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية، أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات».

أراد مهندسو التعديلات الدستورية أن يمرروا العملية كلها في السر، رغم حديث بعض الأقلام القريبة من دوائر السلطة عن أن التعديلات ستأخذ حقها في المناقشات العلنية، «سوف يتعاظم دور وسائل الإعلام منذ نهاية هذا الشهر ولمدة شهرين مقبلين، حين تصير هي ميدان الحوار المجتمعي حول مواد التعديلات الدستورية، وسوف يزداد دورها بتعديل المواد الخاصة بالإعلام المصري حذفًا وإضافة، بما يمكنه من النهوض بمسؤولياته على أكمل وجه فى بناء الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة»، قال زميلنا ياسر رزق في مقاله، المنشور بـ «الأخبار» في 4 فبراير الجاري.

تمكنت السلطة من حصار الإعلام، وفرضت عليه الصمت، وحجب عن الجمهور أي صوت معارض للتعديلات الدستورية، لكنها لن تستطيع فرض سطوتها على فضاء الإعلام البديل، فمنصات «السوشيال» صارت أسرع وأوثق من الإعلام التقليدي الذي فقد الجمهور الثقة فيه.

لا يعرف أحد كيف سيُطلب من الناخبين الذهاب إلى لجان الاقتراع للتصويت على تعديلات لم تُطرح عليهم، ولم تُناقش إعلاميًا أو مجتمعيًا، ويبدو أن صاحب القرار خطط لتمريرها سرًا منعًا للفضائح.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ