الجامعة الأمريكية.. سحب الثقة من الرئيس وأزمات أخرى
 
 
رئيس الجامعة الأمريكية بالقاهرة فرانسيس ريتشاردوني - المصدر: موقع الجامعة الأمريكية بالقاهرة
 

تبدأ الجامعة الأمريكية بالقاهرة غدًا، السبت، احتفالها بمئويتها، يأتي ذلك بعد أيام من سحب مجلس شورى الجامعة الثقة من رئيسها فرانسيس ريتشاردوني.

في 17 أكتوبر 2016، وقف ريتشاردوني، الرئيس الحالي للجامعة الأمريكية، في قاعة باسيلي بمقر الجامعة بالتجمع الخامس معربًا عن نيّته وحماسه للعمل على إعادة المؤسسة التعليمية التي يترأّسها إلى صدارة ترتيب الجامعات، مضيفًا أن مصر هي المكان الذي يريد التواجد به حاليًا في تلك اللحظة من التاريخ، وأن الجامعة الأمريكية جزءٌ من المستقبل. وذلك ضمن الحفل غير المسبوق لتنصيبه الرئيس الثاني عشر للجامعة، التي تحتفل هذا العام بمرور 100 عام على إنشائها في القاهرة، بواسطة الإرسالية الأمريكية البروتستانتية.

نحو عامين وأربعة أشهر تفصل بين خطاب ريتشاردوني المتفائل، وتصويت مجلس شورى الجامعة على سحب الثقة منه، يوم 5 فبراير الماضي. القرار، غير المسبوق في تاريخ ثانٍ أقدم مؤسسة جامعية في مصر بعد جامعة القاهرة، وافق عليه 80% من أعضاء مجلس الشورى الذين يمثلون هيئة التدريس والعاملين والطلاب والإدارة، وجرى إرسال نسخة منه إلى ريتشاردوني نفسه، ومجلس الأمناء، ومستشار الجامعة، واتحاد الطلاب، ونقابة العمال.

وعقب التصويت في مجلس الشورى، نشر اتحاد طلاب الجامعة بيانًا على صفحته بـ «فيسبوك» يؤيد القرار، قائلًا إن «الإدارة الحالية أثبتت عدم قدرتها على تلبية احتياجات الطلبة وأعضاء هيئة التدريس، وبناءً عليه فإن عليها تغيير ممارساتها أو أن تتغيّر هي نفسها».

عمل ريتشاردوني في السابق سفيرًا للولايات المتحدة الأمريكية في مصر من 2005 إلى 2008، وكذلك في الفلبين وبالاو، وتركيا، كما عمل قائمًا بالأعمال في أفغانستان.

ووفق لائحة الجامعة، قرار سحب الثقة لا يصبح نافذًا بذاته بعد تصويت مجلس الشورى بالموافقة عليه، وذلك لأن رئيس الجامعة يتمّ اختياره بواسطة مجلس الأمناء، والأخير يملك حق الإقالة أو عدم التمديد للرئيس الجامعة. وتنصّ لائحة الجامعة على أن يتولى رئيس الجامعة منصبه مدة أربع سنوات، قابلة للتجديد مرة واحدة فقط. وينتهي عقد ريتشاردوني العام المقبل، ومن غير المعروف إن كان سيتمّ التمديد له أم لا. غير أن قرار سحب الثقة طالب مجلس الأمناء بعدم التمديد لرئيس الجامعة، والبدء في إجراءات البحث عن رئيس جديد.

وبدأ مجلس الأمناء زيارته السنوية للقاهرة أول أمس، الأربعاء، بالتزامن مع بدء احتفالات مئوية الجامعة. ومن المنتظر أن يعقد اجتماعه السنوي، لمراجعة مختلف القضايا المتعلقة بالجامعة، خلال الأسبوع المقبل. ويوافق مجلس الأمناء على رؤية الجامعة، وميزانيتها، وخطط وسياسات الحرم الجامعي، ويعينون رئيسها، كما يشرفون على الوقف المالي الخاص بالجامعة، ويعملون دون مقابل مادي.

ذكر القرار، الذي اطلع عليه «مدى مصر» عدة أسباب لسحب الثقة، من بينها وجود تناقضات في التعاقدات الجديدة مع أعضاء هيئة التدريس، وتمييز غير قانوني فيما بينهم على أساس الجنسية، وعدم إطلاع مجلس الأمناء، المسؤول عن الجامعة، بشكل كافٍ أو عدم إطلاعهم على الإطلاق على مشكلات الجامعة خلال العامين الماضيين، فضلًا عن المساس باستقلالية الجامعة. وذكر القرار أن التصويت جاء بسبب الحاجة المُلحّة لاستعادة مبادئ وممارسات الإدارة الجماعية للمؤسسة التعليمية. وبحسب التقرير، فإن هناك حاجة لخلق قناة اتصال مشتركة مع مجلس الأمناء، خاصة أن العديد من الجامعات الأمريكية تضمّ ممثلين منتخبين من أعضاء هيئة التدريس لمجلس الأمناء.

وأشار قرار سحب الثقة إلى عدد من المحاولات السابقة للتواصل مع إدارة الجامعة للوصول إلى تفاهمات مشتركة بينها وبين الأساتذة والعاملين، إلا أن أي من هذه المحاولات لم تصل إلى نتيجة.

التحرك لنزع الثقة عن ريتشاردوني بدأ قبل اجتماع مجلس الشورى بيومين، عندما صوّت أعضاء هيئة التدريس في اجتماع عام، يوم 3 فبراير، بنسبة 90% على سحب الثقة من رئيس الجامعة. وهو التصويت الذي مهد لرفع الأمر إلى مجلس الشورى الذي يمثل الفئات المختلفة داخل الجامعة.

وكان عدد من أعضاء هيئة التدريس أرسل خطابًا إلى رئيس الجامعة في 2 ديسمبر الماضي، تناولوا فيه ما وصفوه بتجاهل أساليب الإدارة الجماعية، وغياب الشفافية في اتخاذ القرارات، وتقليص دور أعضاء هيئة التدريس وتجاهل أصوات العاملين وازدراء مجلس الشورى وقراراته. وكان ريتشاردوني قد توقف لعام كامل عن حضور الاجتماعات الأسبوعية لـ «الشورى»، كما أنه لم يرد على ذلك الخطاب.

خلال اجتماع مجلس الشورى الذي حضره ريتشاردوني هذه المرة، الأحد الماضي، حاول الأخير إثناء أعضاء المجلس عن التصويت على سحب الثقة، وتأجيل القرار إلى ما بعد زيارة مجلس الأمناء، قائلًا: «قبل البدء في التصويت على أي قرارات، أطلب من أعضاء مجلس الشورى أن يفكروا بعمق في نتائج مثل هذا الإجراء إذا ما أُتخذ قبل الزيارة السنوية لمجلس الأمناء»، بحسب ما نشرته صحيفة «القافلة»، إحدى الصحف الطلابية داخل الجامعة.

وبعد ساعات قليلة من التصويت، أرسل ريتشاردوني رسالة بريدية إلى مجتمع الجامعة جاء فيها: «قبل اجتماع اليوم، أكد رئيس مجلس الأمناء ريتشارد بارتليت رغبة أعضاء مجلسه في وجود بيئة استشارية صريحة وبناءة، خلال الاجتماعات التشاورية التي أعددنا لها بين مجلس الأمناء وأعضاء هيئة التدريس، بالإضافة إلى قيادة مجلس الشورى».

وأضاف ريتشاردوني: «أنا على يقين أن أعضاء مجلس الأمناء يشاركوني نفس الإصرار على استكمال ما خططنا له سابقًا من تواصل بينهم وبين أعضاء هيئة التدريس والعاملين والطلبة، في سياق متبادل من الاحترام والصراحة في كل الأمور».

وخلال العامين الماضيين، شهدت الجامعة العديد من الأزمات والاحتجاجات على قرارات الإدارة؛ بدأت أولاها عقب حفل تنصيب ريتشاردوني بنحو ثلاثة أسابيع بسبب ارتفاع مصاريف الجامعة بشكل كبير، بعد قرار تحرير سعر صرف الدولار، وفي يوليو 2017، اتخذت الإدارة قرارًا بتسريح نحو 170 من عمال النظافة، والتعاقد مع شركتين خاصتين للقيام بأعمال النظافة. أضرب العمال وقتها عن العمل لمدة أسبوعين قبل إنهاء إضرابهم بعد تهديد إدارة الجامعة بالاستعانة بالشرطة، في واقعة كانت غير مسبوقة في وقتها. وفي نهاية عام 2017، اتخذت الجامعة قرارًا آخر بمنع المنقبات من دخولها، وهو القرار الذي أثار غضبًا ضد سياسات الإدارة.

تقول باسكال غزالة، رئيس قسم التاريخ في الجامعة، إن المفاوضات بين اللجنة التنفيذية لمجلس الشورى وبين رئيس الجامعة مستمرة منذ سنتين إلا أنها لم تصل إلى أي نتيجة. مضيفة أن المشكلات مازالت كما هي، موضحة: «العقود الجديدة تتمّ دون الرجوع لمجلس الشورى ودون الالتزام باللائحة الداخلية. كما أن هناك تدخّل من الإدارة في شروط منح عقود عمل دائمة بغرض خلق حالة من الهشاشة وعدم اليقين لدى أعضاء هيئة التدريس».

وتتابع باسكال: «أصبح هناك طابع أمني للجامعة. كاميرات المراقبة في كل مكان ولا نعلم أين هي بالضبط». ثم تجمل: «الجامعة أصبحت تُدار كأنها شركة. هناك جهاز إداري يتخذ القرارات ويقوم بتنفيذها دون مشاورة مع أعضاء هيئة التدريس أو مجلس الشورى».

أحد الأمثلة على ذلك النهج في اتخاذ القرارات كان استقبال الجامعة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو لإلقاء محاضرة في 20 يناير الماضي، الأمر الذي أثار غضب الكثيرين داخل الجامعة، من بينهم باسكال التي أرسلت خطابًا إلى رئيس الجامعة، جاء فيه: «هل تمّ استشارة أي من أعضاء مجتمع الجامعة إذا ما كانت فكرة سديدة أن تتم دعوة المدير السابق للمخابرات المركزية الأمريكية، الذي دافع عن التعذيب، إلى الجامعة الأمريكية في القاهرة؟».

وبحسب خطاب باسكال، الذي اطلع «مدى مصر» على نسخة منه، فإنها قالت: «هل تمّ أخذ مواقف باقي مجتمع الجامعة في الاعتبار عند اتخاذ ذلك القرار؟ وهل كان هناك استيعاب مسبق لآثار الربط بين الجامعة ووزارة الخارجية الأمريكية؟».

تقول باسكال لـ «مدى مصر» إن «المشكلة أن تنظيم الزيارة تمّ دون علم أعضاء هيئة التدريس أو مجلس الشورى. سُلم الحرم الجامعي للسفارة الأمريكية، التي تولت توجيه الدعوة لمَن تريد».

خلال اجتماع أعضاء هيئة التدريس يوم الأحد الماضي، قال رييتشاردوني إن الدعوة لمحاضرة بومبيو جاءت من قبل «هيئة خارجية» دون الإشارة إلى طبيعة هذه الهيئة. وهو ما ردت عليه نجلاء رزق، أستاذة الاقتصاد بالجامعة، ومديرة مركز إتاحة المعرفة من أجل التنمية وهو أحد المراكز البحثية بالجامعة، قائلة: «مع كل احترامي، هذا عذر أقبح من ذنب، على الجامعة الأمريكية أن يكون لها قرار في مَن يأتي إليها. حرم الجامعة ليس قاعة أفراح».

ومن المتوقع أن يتولى مجلس الأمناء إدارة الأزمة من هذه النقطة، على الأقل خلال فترة زيارته للقاهرة. وتوقعت باسكال أن يكون هناك اجتماعات يومية مع مختلف الأطراف لإيجاد حل، خاصة أن قرار مجلس الشورى تجاوز مرحلة سحب الثقة من ريتشاردوني، وطالب بأن يكون للعضوين الممثلين لهيئة التدريس في مجلس الأمناء الحق في التصويت على قراراته، وأن تُراجع كل العقود التي تمّ توقيعها منذ ربيع 2017 للتأكد من مطابقتها للائحة الداخلية لأعضاء هيئة التدريس، وألا يتمّ تنفيذ أي سياسات تخص الجامعة إلا بعد التصويت والموافقة عليها في مجلس الشورى.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن