«تشيخوف والسيدة صاحبة الشيواوا»: كيف قضى الكاتب الروسي نقاهته في مصر؟
 
 

ما من أديب، لم يعش عمرًا طويلًا، ومات إما في الثلاثين من عمره، أو الأربعين من عمره، وقد قُدِّرَ لأدبه عمرًا طويلًا، إلا وقد تملّك فضول القرّاء والكتاب، ممن تأثروا بكتاباته؛ أن يبحثوا عن امتداد لحياته؛ إما من خلال حكايات يروونها مقربين من ذاك الكاتب أو الأديب، أو أن يبحثوا عن خفايا شخصيته، من خلال شخصيات خلقها في قصة له أو رواية.

أن يموت أديبٌ جيّد، عاش حياة قصيرة، بقدر ما فيه الكثير من الحزن، والشعور بالخسارة، قد ينتابه هو نفسه، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، ومن حوله من قرّاء، ومهتمين بأدبه، وعائلته، وأصدقائه، ألا أنه يترك مسحة سحرية في غيابه، تعمق من حالة خلود أدبه.

هكذا ظلت حياة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو (37 سنة)، تشغل بال قرائه، وتمنى الروائيون، لو كان عمر الكاتب التشيكي فرانز كافكا (41 سنة) أطول. وكذلك تمنى قراء وكتّاب من أجيال مختلفة من سورية، لو أن الشاعر السوري رياض صالح الحسين (28 سنة) لم يمت، وليشهد كيف كانت مقاطع من قصائده؛ أشبه بشعارات ثورية، في بداية الثورة السورية عام 2011.

أما القاص والكاتب المسرحي الروسي أنطون تشيخوف (44سنة)، والذي مرّ عيد ميلاده الـ 159 في 29 يناير / كانون الثاني الماضي، فيكاد يكون شبحه، الأكثر والأطول حضورًا. فمن لم يقرأ لتشيخوف قصة بحياته، فبالتأكيد، قد شاهد أفلام سينمائية كثيرة، قد تم اقتباسها عن قصة أو مسرحية من تأليفه.

لكن الكاتب المصري شريف عبد الصمد، لم يقتبس قصة أو مسرحية لتشيخوف، إنما عمد إلى كتابة رواية، عن حياة متخيلة لتشيخوف. إذ دفعه فضوله كقارئ وكاتب، من خلال انتباهه لتفصيل صغير في إحدى رسائل تشيخوف، وهو عبارة عن خطاب كتبه أنطون تشيخوف لصديقه إيفان ليونتيف بتاريخ 16 مارس 1890. يقول تشيخوف في مقطع من الخطاب: «خطة سفري كالآتي: نيزهني، بيرم، تيومين، تومسك، إيركوتسك، ثم الجنوب إلى الأمور إلى نيكوليافسك، شهرين بسخالين، ناجازاكي، شنغهاي، هونج كونج، مانيلا، سنغافورة، مادراس، كولومبو، سيلان، عدن، بورسعيد، كونستانتينوبل، أوديسا، موكو، بيتر، شارع تسيركوفنايا».

وفي خطاب لصديقه أيكسي سوفورين بتاريخ 9 ديسمبر 1890. كتب تشيخوف: «البحر الأحمر مكان كئيب، ولكني اكتشفت أني تأثرت لمنظر جبل سيناء».

وفي تأكيد من تشيخوف أنه مرّ في المدينة المصرية بورسعيد، كتب لقريبه جيورجي تشيخوف بتاريخ 29 ديسمبر 1980. يقول له: «لقد كنت في هونج كونج، سنغافورة، جزر سيلان. رأيت جبل سيناء، كنت في بورسعيد، رأيت جزر أرشيبيلاجو الجريكية التي نحصل منها على الزيتون».

هذه المقاطع من مراسلات لتشيخوف، أوردها شريف عبد الصمد في مقدمة روايته «تشيخوف والسيدة صاحبة الشيواوا» والصادرة عن دار الكتب خان 2018. كإشارة لأحد الأسباب التي دفعته لكتابة رواية، بطلها الكاتب الروسي أنطون تشيخوف، ومكانها مدينة بورسعيد الساحلية المصرية.

ويبدو أنه هناك مفارقة بسيطة ما بين أنطون تشيخوف ومدينة بورسعيد، فالأخيرة قد تأسست في عام 1859، وأنطون تشيخوف ولد في عام 1860، أي أن المدينة أكبر من تشيخوف بعام واحد فقط.

في بيت هادئ مطل على الشاطئ، سيقضي أنطون تشيخوف فترة نقاهته الأخيرة، برفقة فتاة فرنسية، تشرف على رعايته وخدمته، تدعى ليلي. وبداية من ملل وضجر تشيخوف من الهدوء الذي يفرضه المكان، وقلة أو انعدام أناس تتمشى على الشاطئ، الذي يتأمله من النافذة، يُدخلنا الراوي بالأجواء التي يعيشها تشيخوف في بلد لا يعرف عنه شيئًا ولا يتكلم لغته.

إلا أن الأحداث تتطور ببطء، بطء مستمد من أسلوب تشيخوف في قصصه، إذ إن الفتاة التي ترعاه «ليلي» تورطه بندوة أدبية، تناقش مجموعته القصصية «الجرادة» المترجمة للغة الفرنسية، تدبرها له من غير علمه، ومن دون أن تخبر القائمين على الندوة، أنه هو أنطون تشيخوف، إنما تعرفه، بأنه طبيب روسي. بالمقابل سيتعرّف تشيخوف وهو يتمشى على الشاطئ قرب البيت، على فتاة مصرية تدعى ياسمين بصحبة كلب شيواوا «وهي الشخصية المعادلة لشخصية قصة «السيدة صاحبة الكلب» لأنطون تشيخوف، ليكتشف أنها تسكن ببيت مجاور لبيته، وتعيش بصحبة عائلتها التي تنتمي للطبقة المتوسطة العليا في مصر، والتي تتألف من أب مصري، وأم إنجليزية، وثلاثة بنات، وشاب. وبفضل تعرّف تشيخوف على هذه العائلة، يستطيع أن يخرج من عزلته.

في هذه الرواية، يبدو وكأن عبد الصمد يُحيي مختبر الكتابة عند تشيخوف، عبر مناقشة قصصه، مع باقي شخصيات الرواية، وآرائه هو ذاته بقصصه ومسرحياته، فمثلًا إحدى شخصيات الراوية، فتاة بصحبة كلب، كإشارة لقصة «السيدة صاحبة الكلب» لتشيخوف، كما أشرنا أعلاه. وبالمناسبة؛ الفتاة التي في الرواية، لا تشبه أبدًا، السيدة التي في قصة تشيخوف، وقد يبدو هذا الابتعاد عن أجواء القصة الأصلية، من قبل شريف عبد الصمد، هو امتداد، للحياة المتخيلة، التي خلقها لتشيخوف في بورسعيد، كأن يستمر سؤال؛ ماذا لو؟ ماذا لو قابل تشيخوف فتاة شابة مصرية غير متزوجة، بدلًا من السيدة الروسية صاحبة الكلب، والمتزوجة، في فترة نقاهته في مدينة يالطا؟

لكن من أجمل شطحات الخيال، داخل الرواية، هي أن عبد الصمد، جمع بين كاتبين من جيلين مختلفين، أنطون تشيخوف، والروائي الجنوب إفريقي من أصل هولندي، والحائز على جائزة نوبل للآداب، جون كويتزي (1940). إذ إن الفتاة ليلي، تعطي تشيخوف مجموعة كتب، من ضمنها مؤلفات لجون كويتزي، وليكتشف أن جون كويتزي، قد قضى قبله شهرين بنفس المنزل الذي يقيم فيه حاليًا في بورسعيد. وأول رواية سيقرأها تشيخوف لكويتزي، هي رواية البرابرة. بعدها سيكتشف أن كويتزي ما زال في مصر، وسيلتقيان ويصبحان أصدقاء. هنا مقطعًا من حوار جرى بين كويتزي وتشيخوف:

«- قلت إن تولستوي لم تعجبه قصصك؟ سأله كويتزي لكي يغير الموضوع.

– لم تعجبه مسرحياتي. قال إنها أسوأ من شكسبير

– إنه يغار منك فحسب، قال كويتزي.

– أيغار عملاق من قزم؟

– القزم يستطيع أن يطل داخل عتبات بيوت لا يمكن لعملاق أن يطأها. لا أدري كيف تجرأ وهو ينتمي إلى الإقطاعيين أن ينتقد تصويرك للفلاحين، لأنك لم تمجدهم كقوم الرب الصالحين الذين يزرعون الأرض في ورع وقناعة».

كما أن الرواية لا تتجاهل الأحداث السياسية التي كانت راهنة في تلك الفترة التاريخية في مصر. فمن خلال شخصية محمود أخ ياسمين، والمنخرط مع شباب ثوريين، يوزعون المنشورات السياسية، وينظمون المظاهرات، ضد الاستعمار البريطاني، وضد الخديوي، يتورط أنطون تشيخوف في الحراك الشعبي المصري ضد الانكليز. والذين كانوا يتجسسون عليه منذ قدومه بورسعيد.

يبدو أن الكاتب شريف عبد الصمد، أراد لهذه الرواية، أن يتقاطع من خلالها أكثر من موضوع، وأكثر من حكاية. بالطبع تحتفي الرواية بالمقام الأول بأنطون تشيخوف، وأدبه. لكنها من ناحية أخرى، تُلقي الضوء على حقبة زمنية معينة في مصر، وهي أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، في مدينة بورسعيد، ما يجعلها رواية تستحق القراءة والمناقشة.

اعلان
 
 
سامر مختار