«الشيوخ».. الدستور يرجع إلى الخلف
 
 
لافتة دعائية بميدان التحرير قبل الاستفتاء على دستور 2014
 

وافقت اللجنة العامة بالبرلمان، الثلاثاء الماضي، على طلب بإجراء عدة تعديلات على الدستور، تقدم به ائتلاف «دعم مصر». من بين التعديلات المطروحة النص على تأسيس غرفة برلمانية ثانية إلى جانب مجلس النواب تماثل مجلس الشورى الذي ألغاه دستور 2014. الفارق هذه المرة هو اسمه، مجلس الشيوخ.

اللجنة العامة أشارت في تقريرها الذي تقدمت به إلى رئيس مجلس النواب، علي عبد العال، حول التعديلات إلى أن الهدف من إنشاء غرفة برلمانية ثانية «زيادة التمثيل المجتمعي وتوسيع المشاركة وسماع أكبر قدر من اﻷصوات واﻵراء».

تأسس مجلس الشورى كغرفة برلمانية ثانية للمرة اﻷولى عام 1979 بعد استفتاء شعبي. وفي مايو 1980، أُدخلت تعديلات دستورية جديدة أُضيف بموجبها باب جديد إلى الدستور تضمن الأحكام الخاصة بالمجلس.

حدد الدستور اختصاص مجلس الشورى، لكن بحسب رأي عدد كبير من أعضاء لجنة الخمسين التي صاغت الدستور الحالي وقت النقاشات حوله، لعب مجلس الشورى دورًا كباب خلفي للفساد ووسيلة يستخدمها النظام الحاكم لتقديم ترضيات سياسية للموالين له. كان هذا أحد أهم اﻷسباب وراء إلغاء المجلس في الدستور الحالي.

التعديل المقترح

يتشكل المجلس الجديد مما لا يقل عن 250 عضوًا، وتكون مدة المجلس خمس سنوات. ويُنتخب ثُلثا أعضاء المجلس، ويعين رئيس الجمهورية الثلث الباقي. ولا يجوز الجمع بين عضوية مجلس الشيوخ ومجلس النواب.

التعديل المقترح خص مجلس الشيوخ بـ«بدراسة واقتراح ما يراه كفيلًا بالحفاظ على مبادئ ثورتي 25 يناير – 30 يونيو، ودعم الوحدة الوطنية، والسلام الاجتماعي، والمقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا والحقوق والحريات والواجبات العامة وتعميق النظام الديمقراطي وتوسيع مجالاته».

وبحسب نص التعديل المقترح، يُؤخذ رأي مجلس الشيوخ فيما يلي:

  • الاقتراحات الخاصة بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور.
  • مشروعات القوانين المكملة للدستور.
  • مشروع الخطة العامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
  • معاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التي تتعلق بحقوق السيادة.
  • مشروعات القوانين التي يحيلها إليه رئيس الجمهورية.
  • ما يحيله رئيس الجمهورية إلى المجلس من موضوعات تتصل بالسياسة العامة للدولة أو بسياستها في الشؤون العربية أو الخارجية.

ويُبلغ المجلس رأيه في هذه الأمور إلى رئيس الجمهورية ومجلس النواب. وبحسب التعديل المقترح، لا توجد مسؤولية على رئيس مجلس الوزراء ونوابه وغيرهم من أعضاء الحكومة أمام مجلس الشيوخ.

«الشورى» القديم

يتشابه مجلس الشيوخ المقترح مع مجلس الشورى السابق إلى حد التطابق تقريبًا. بموجب التعديلات التي أُدخلت على دستور عام 1971 في 1980، اختص مجلس الشورى بـ«دراسة واقتراح ما يراه كفيلًا بالحفاظ على مبادئ ثورتين هما يوليو 1952 وثورة التصحيح في مايو 1971، ودعم الوحدة الوطنية، والسلام الاجتماعي، وحماية تحالف قوى الشعب العاملة والمكاسب الاشتراكية، والمقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا والحقوق والحريات والواجبات العامة، وتعميق النظام الاشتراكي الديمقراطي وتوسيع مجالاته».

كما نص الدستور على أخذ رأي مجلس الشورى في ستة مجالات، هي نفس المجالات الستة التي تقترحها التعديلات على دستور 2014. وفي يوليو 1980، أُقر القانون المنظم لمجلس الشورى وعمله وانتخاباته.

وفي 2007، عُدل الدستور، وأُدخلت بعض التغييرات على مجلس الشورى، لينص على أن يؤخذ رأيه في ثلاثة أمور فقط: مشروع الخطة العامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية‏، ومشروعات القوانين التي يحيلها إليه رئيس الجمهورية‏، ‏وما يحيله رئيس الجمهورية إلى المجلس من موضوعات تتصل بالسياسة العامة للدولة أو بسياستها في الشؤون العربية أو الخارجية‏.‏

وفي 2012، تولى محمد مرسي، القيادي بجماعة اﻹخوان المسلمين، منصب رئيس الجمهورية، وخاضت الجماعة معركة سياسية للسيطرة على مقاليد الحكم. احتاجت الجماعة إلى جهاز تشريعي، بعد أن قضت المحكمة الدستورية بحل مجلس النواب. ولهذا منح دستور 2012 سلطة التشريع كاملة لمجلس الشورى لحين انعقاد مجلس جديد للنواب. كما مُنح مجلس الشورى بعض الصلاحيات، حيث اشترط موافقته على تعيينات رئيس الجمهورية لرؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية.

وبعد عزل مرسي في يوليو 2013، أُوقف العمل بالدستور، وتشكلت لجنة من خمسين عضوًا لصياغة دستور جديد.

لماذا أُلغي؟

تشير محاضر اجتماعات لجنة الخمسين إلى أن مسألة اﻹبقاء على مجلس الشورى كغرفة تشريعية ثانية مثلت أبرز المسائل الخلافية بين أعضاء اللجنة أثناء نقاشهم. وفي نهاية النقاش، صوت أعضاء اللجنة على إلغاء مجلس الشورى بأغلبية ضئيلة.

لكن اللافت أن معظم المؤيدين والمعارضين للإبقاء على مجلس الشورى داخل أعضاء اللجنة اتفقوا على الفساد السياسي الكبير الذي كان مجلس الشورى يمثله.

خلال النقاشات، أشار سامح عاشور، نقيب المحامين، أن الانطباع العام في الشارع المصري أن مجلس الشورى جاء «كتطييب خواطر وتوزيع مواقع على قوى انتخابية لم يكن الحزب الوطني يستطيع أن يغطيها من خلال البرلمان في مجلس الشعب».

انعكس هذا على حجم اﻹقبال التصويتي في انتخابات مجلس الشورى، والذي لم يتجاوز 6% من مجموع الناخبين في آخر انتخابات للمجلس، بحسب عاشور.

واعتبر جابر نصار، رئيس جامعة القاهرة السابق وأستاذ القانون الدستوري، أن القصد من إنشاء مجلس الشورى كان أمرين أساسيين هما: تسميم التجربة الحزبية، بحيث أنه لا ينشأ حزب إلا بقرار من المجلس، وسيطرة الحزب الحاكم والحكومة على الصحف وتكريس تبعيتها لهما.

من جانبها، اعتبرت عبلة عبد اللطيف، المدير التنفيذي للمركز المصري للدراسات الاقتصادية، خلال النقاشات أن مجلس الشورى «سيظل بنفس سوء السمعة خصوصًا إنه سيرتبط بتعيين الناس وسيكون دائمًا باب خلفي للفساد».

وعلى الرغم من اختلاف موقف السيد البدوي، الرئيس السابق لحزب الوفد، حيث دافع عن اﻹبقاء على مجلس الشورى كغرفة تشريعية ثانية، إلا أنه اتفق على وصف المجلس بأنه كان «مجلس ترضية ومجلسًا فاسدًا».

دفاع البدوي عن اﻹبقاء على المجلس جاء ﻷنه قد يمثل «ضمانة التأني والمراجعة في التشريعات»، كما يمكنه «ملء الفراغ الرقابي والتشريعي في حالة حل مجلس النواب ﻷي سبب من اﻷسباب».

كما دافع رفعت داغر، الأمين العام لنقابة الفلاحين وقتها، عن وجود غرفتين للتشريع ﻷنه «في ظل الدستور الجديد والتيارات السياسية الجديدة لو أحد اﻷحزاب أخذ أغلبية فمن الممكن أن يشكل حكومة ولا يكون التوجه كله من خلال مجلس الشعب ولكن عند وجود غرفتين سيكون التشريع في هذه الحالة أفضل من كونه في حالة غرفة واحدة تحت سيطرة اتجاه معين».

المنطق ذاته استخدمته اللجنة العامة لمجلس النواب في تبريرها ﻹعادة استحداث غرفة تشريعية ثانية. في تقريرها، أشارت اللجنة العامة بمجلس النواب إلى أن «مبدأ ثنائية البرلمان أو نظام المجلسين المعمول به في عدد من النظم البرلمانية المتطورة، حيث يمثل وجود غرفتين بالبرلمان ضمانة أساسية ﻹنجاز العملية التشريعية بطريقة صحيحة، حيث تتم دراسة ومناقشة مشروعات القوانين بتأن واستفاضة في كلا المجلسين، اﻷمر الذي يصعب تحقيقه عند اﻷخد بنظام المجلس الواحد».

لكن اعتماد بعض الدول على مبدأ ثنائية البرلمان لا يرتبط بالضرورة بتحسين بيئة العمل التشريعي. في نقاش لجنة الخمسين حول إلغاء مجلس الشورى من عدمه في الدستور، أشار حسين عبد الرازق، القيادي اليساري وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع وقتها، إلى أنه من بين 177 دولة اﻷعضاء في الاتحاد البرلماني الدولي، هناك 100 منها بغرفة برلمانية واحدة، و77 لديها غرفتان. «سنجد شيئًا بسيطًا عادة الدول الكبرى، والتي عدد سكانها كبير وفيها قوميات مختلفة أو نظام فيدرالي أو كونفدرالي، تأخذ بنظام المجلسين، مجلس منتخب على أساس دوائر متساوية في عدد السكان ومجلس آخر خاص بهذه الولايات يمثل فيه الولايات على قدم المساواة»، بحسب تعبيره، «بينما الدول البسيطة غير المركبة والتي ليس لها قوميات ولا صراعات عرقية تأخذ بنظام الغرفة الواحدة».

عمرو الشوبكي، الكاتب السياسي المصري والذي كان عضوًا بلجنة الخمسين وصوت لصالح إلغاء مجلس الشورى، أوضح لـ«مدى مصر» أن الغرفة البرلمانية الثانية موجودة لدى العديد من الديمقراطيات في العالم، لكنها تعمل كغرفة للخبراء تختص بالتدقيق في القوانين ومراجعتها، وليس لضم مؤيدي النظام السياسي.

لكنه يرى أن تطبيق هذا المنطق على السياق المصري ليس سليمًا. يشير الشوبكي إلى أن اعتراضه وقت صياغة الدستور كان بسبب عدم وجود أي ضمانات تجعل من عمل الغرفة البرلمانية الثانية مثيلًا لما يحدث في ديمقراطيات العالم. وهذه الضمانات، بحسب رأيه، ما زالت غائبة حتى اﻵن، وهو ما يدفعه لرفض اقتراح إعادة إنشاء غرفة برلمانية جديدة.

ويأتي التعديل المقترح بإعادة إنشاء غرفة ثانية للبرلمان تحت اسم مجلس الشيوخ ضمن حزمة اقتراحات بتعديلات دستورية وصفها أحد نواب مجلس النواب بأنها «دسترة الديكتاتورية». بعض هذه التعديلات تمس السلطة القضائية، وشبهها المستشار محمد أمين المهدي، وزير العدالة الانتقالية الأسبق، ورئيس مجلس الدولة الأسبق، بـ«مذبحة القضاة» في 1969. كما تمد التعديلات المقترحة فترة الرئاسة إلى ست سنوات بدلًا من أربعة، مع مادة انتقالية تسمح للرئيس عبد الفتاح السيسي فقط بإعادة الترشح بعد انتهاء فترته الحالية في 2022، والاستمرار في الحكم فترتين جديدتين حتى 2034.

اعلان
 
 
محمد حمامة