«شرقت شرقت.. عطبرة مرقت»: حكاية الأيام الثلاثة الأولى للثورة السودانية
 
 

صباح الجمعة، 20 ديسمبر الماضي، نجح النذير عثمان، 30 عامًا، بعد مفاوضات شاقة مع عائلته، في إقناعهم بالمشاركة في المواكب الجماهيرية التي تشهدها مدينة عطبرة شمالي السودان للمطالبة بتنحي الرئيس عمر البشير عن السلطة.

انطلق النذير إلى ساحة رئيسية يحتشد فيها آلاف المتظاهرين، حيث اتفق على لقاء صديقه الكفيف، طارق السر. ظل كلاهما، إلى جانب أصدقاء كثيرين، لسنوات في انتظار هذه اللحظة التاريخية التي عملوا من أجلها في مساحات مختلفة؛ كلجان الأحياء والمنظمات الحقوقية وما تبقى من نقابات.

وغير الساحة التي تقع على مفترق طرق رئيسية في المدينة والتي تواجد فيها النذير بانتظار صديقه طارق، ثارت أحياء شعبية أخرى في المدينة عقب نداءات انطلقت من المساجد التي اعتلى نشطاء منابرها بعد صلاة الجمعة داعين المواطنين للانتفاضة ضد حكم البشير وحالة الغلاء غير المسبوقة التي تشهدها المدينة.

كانت أنباء قد ترددت في المدينة بأن رتل من سيارات الأمن المدججة بالسلاح في طريقها من العاصمة إلى عطبرة التي انتفض فيها الآلاف على مدى يومين قبل الجمعة 20 ديسمبر، لتصبح مهد موجة احتجاج انتشرت في مدن وأرياف السودان مطالبة بإسقاط نظام البشير.

قبل ذلك بأسبوع، لم يتمكن العامل في هيئة السكك الحديدية ومقرها مدينة عطبرة، وجدي عبد الله، من الحصول على خبز لأفراد عائلته، فمخابز المدينة يصطف أمامها يوميًا المئات، وبعضهم يعود إلى منزله بدون قطعة خبز واحدة بعد نفاد الكميات المعدة، وحتى المحظوظين من الذين حضروا في وقت مبكر يبتاع لهم صاحب الفرن 30 قطعة من الخبز فقط خلال اليوم، وهذا ما تحدده الحكومة للاستهلاك بغض النظر عن عدد أفراد العائلة، وفق ما روى عبد الله لـ«مدى مصر».

الأربعاء، 18 ديسمبر، ثار طلاب المدارس الثانوية بعد قرار حكومي برفع سعر قطعة الخبز من جنيه إلى خمسة جنيهات. علت هتافات الطلاب: «جوعت الناس يا رقص»، في إشارة إلى البشير، الذي دائمًا ما يقدم فاصلًا من الرقص على إيقاعات الأغنيات الوطنية عند نهاية كل لقاء جماهيري يقوم به.

في اليوم التالي، شهدت عطبرة انتفاضة اعتبرها البعض الأضخم ضد البشير، حيث انضم آلاف المواطنين وطلاب الجامعات إلى المحتجين الغاضبين لينتهي بهم الأمر في المساء إلى حرق مقر دار حزب المؤتمر الوطني الذي يتزعمه البشير وتحويله إلى رماد بعد أن ألقوا عليه الزجاجات الحارقة من أعلى مبنى مجاور، وسط فشل تام لقوات الشرطة التي نفد مخزونها من قنابل الغاز المسيل للدموع.

ظهر الجمعة، التقى الصديقان، النذير وطارق، في الساحة المحتشدة بالمتظاهرين وهم يرددون هتافات متعددة: «شرقت.. شرقت.. عطبرة مرق»، «حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب». وبين كل هتاف يستمر لبرهة من الزمن يصعد شاب محمولًا على أكتاف المتظاهرين ويردد السلام الوطني السوداني الذي ينشده معه جموع المحتجين.        

وبينما يستعد الموكب للانطلاق في اتجاه مقر دار الحزب الحاكم المحروق في اليوم السابق، والذي يرمز لفساد واستبداد وسياسات الإفقار التي يمثلها حزب البشير، بحسب ما أفاد مشاركون في الاحتجاج لـ«مدى مصر»، رن هاتف النذير المحمول، وأبلغه المتصل أن قوة أمنية هاجمت جموع المتظاهرين قبالة المبنى المحروق، وأطلقت الرصاص الحي عليهم، وأن الطالب بكلية الهندسة بجامعة وادي النيل، طارق محمد علي، أصيب بطلق ناري في رأسه ونُقل إلى المستشفى.

قبل أن يتحرك الموكب، هاجمت قوة قوامها سبع سيارات مكان التجمع. لم ير النذير هذه القوة من قبل في المدينة إبان الاحتجاجات، فأفرادها يرتدون زيًا ليست عليه علامات توضح هويتهم، كما يرتدون أقنعة سوداء غطت وجوههم بالكامل عدا أعينهم. أخذت هذه القوة بإطلاق الغاز المسيل للدموع بكثافة، أعقبه إطلاق كثيف للرصاص الحي في الهواء. انقسم الموكب واتجه النذير مع متظاهرين آخرين إلى ساحة أخرى قريبة من سوق المدينة الكبير، وكان مقصدهم مستشفى المدينة لعلمهم بأن هناك أعداد كبيرة من المصابين بالرصاص الحي نقلوا إليه.

«في أعلى كبري الحرية، الذي امتلأ بالمتظاهرين، وهو الجسر الوحيد المؤدي إلى مستشفى المدينة ونحن نتجه من الشرق إلى الغرب، ارتكزت قوات مشابهة عند نهاية الجسر من الناحية الغربية وأغلقت أمامنا الطريق وأخذت تطلق النيران علينا. شاهدت متظاهرين قفزوا من أعلى الجسر، وحدثت حالة من الفوضى والارتباك أعلى الجسر، ولا شيء يعلو فوق أصوات الرصاص والدخان الكثيف الذي غطى المكان إثر الإطلاق العشوائي لقنابل الغاز المسيل للدموع». حكى النذير. «كنت أحاول وقتها النزول عبر مدارج في الجسر إلى الأسفل.  وعند الدرج الأخير تعطلت رجلي اليمنى تمامًا وشعرت بالخدر يسري فيها. لاحظ مرافق لي بأن دماء تسيل من أعلى الفخذ، لم ألاحظها منذ الوهلة الأولى، قبل أن يصعب على المسير تمامًا وسقطت على الأرض وأنا أسفل الجسر. هنا اجتمع عدد من المتظاهرين وحملوني إلى أقرب منزل وقدموا لي إسعافات أولية قبل أن ينقلوني إلى المستشفى عبر سيارة أجرة بصعوبة بالغة وهناك كانت تعم حالة من الفوضى، والمكان تفوح منه رائحة الدماء وأنين المصابين وبكاء عائلات اثنين من القتلى».

إصابة النذير كانت في أعلى فخذه الأيمن، نتيجة رصاصة اخترقت الفخذ من الخلف وخرجت من الأمام وسببت جرحًا غائرًا. مكث في المستشفى أيام قبل أن يعود إلى منزله الخاضع لمراقبة أمنية رصدها «مدى مصر».

خرج النذير في ذلك اليوم ليقينه التام بأن نظام الحكم القائم لم يعد أمامه خيارًا يقدمه للشعب السوداني. «فحكم البشير الذي قارب الثلاثين عامًا، وهو عمري بالتمام، لم نر فيه غير تردي في كافة مناح الحياة بمدينة عطبرة المزدهرة في السابق، وما لحق بعطبرة هو نفسه ينطبق على بقية مدن وأرياف السودان».

«لأن مدينة عطبرة بطبيعتها مدينة عمالية، وعرفت الخروج إلى الشوارع ضد الظلم والطغاة، ها هو جيل جديد من أبناء نقابيي السكة الحديد يهدي السودان انتفاضة كاملة ما زالت تزلزل أركان النظام الدكتاتوري المتربع على العرش».                

مدينة عطبرة التي تقع في ولاية نهر النيل، وتبعد باتجاه الشمال عن العاصمة الخرطوم بحوالي 310 كيلو مترات، ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بتاريخ السكك الحديدية في السودان وتاريخ الحركة النقابية السودانية. فقد وظف معظم سكان المدينة في الهيئة، وبلغ عددهم نحو 120 ألف عامل، لكن خلال سنوات حكم الرئيس الأسبق، جعفر نميري، وحكم البشير الحالي، عملت الحكومتان على كسر شوكة النقابات ذات الارتباط الوثيق بالحزب الشيوعي السوداني، وجرى تدمير السكة الحديد تمامًا خلال السنوات الماضية.

اعتبر النقابي والقيادي في الحزب الشيوعي، عبد الله العوض، ما حدث من انتفاضة في المدينة خلال أيام 18، 19، 20 ديسمبر الماضي، نتاج طبيعي ورد من أبناء الطبقة العمالية الذين طالت مجازر الفصل التعسفي آبائهم من هيئة السكة حديد، وما نتج عنه من تدمير لهذا الناقل الوطني المهم.

وقال العوض لـ«مدى مصر» من منزله المتواضع في حي الشعبية شرقي المدينة: «الهبة الشعبية التي انتظمت في المدينة ومنها لبقية مدن السودان كانت مشاركة العنصر الشبابي يميزها. كنا نحدث أبناءنا عن العصر الذهبي لمدينة عطبرة ورغد الحياة فيها إلى جانب توافر الخدمات وغيرها من المؤسسات والمشافي التي أُنشئت إبان نهضة المدينة الحديثة عقب اختيارها مقرًا لهيئة سكك حديد السودان. هؤلاء الشباب شاهدوا بالفعل مؤسسات ضخمة ينعق فيها البوم، وآلت إلى خراب جراء السياسات الرعناء للحكومة الحالية».

تابع النقابي: «شاهدت بسالة هؤلاء الشبان وتنظيمهم لقيادة المظاهرات التي استمرت لثلاثة أيام، لكنها لم تجنح إلى أي تخريب أو أي عمل مؤذي للمؤسسات الحكومية. بالفعل تم حرق مقر حزب المؤتمر الوطني، وكان بالنسبة لنا يمثل رمز للفساد والاستبداد. دار الحزب الحاكم الذي تم حرقه يمثل أفخم المباني في المدينة الفقيرة».

خرج أكثر من 30 مصابًا من مظاهرات شهر ديسمبر التي أشعلت انتفاضة السودان؛ معظمهم أصيبوا بالرصاص، وفقًا لما أفادت به مصادر طبية لـ«مدى مصر». وبحسب أحد هذه المصادر «وصل إلى المستشفى جثمانا اثنين من القتلى الشبان بعد إصابات بالرصاص في الرأس، وسيدة توفيت في وقت لاحق إثر اختراق طلق ناري إحدى رئتيها». معظم هذه الحالات حاول جهاز الأمن والمخابرات، الذي تمركز أفراده في مستشفى المدينة، إجبار الأطباء على كتابة تقارير تفيد بأن الإصابات كانت بسبب أجسام صلبة، دون الإشارة إلى إطلاق النار الذي أظهرته صور الأشعة المقطعية. ومع ذلك، استمر التظاهر في المدينة الشمالية، حالها كحال باقي مدن السودان المطالبة بإسقاط النظام.

وقال حسين صالح، أحد النشطاء السياسيين في المدينة: «كنت شاهدًا، وفي إحدى المظاهرات الضخمة حضر قائد سلاح المدفعية، وهو برتبة لواء، وطلب من المتظاهرين عدم اللجوء إلى العنف، والاستمرار في سلمية التظاهر، لكن بعد مغادرته المكان بأقل من 20 دقيقة حضرت قوات أمنية غير مألوفة لسكان المدينة وأمطرت المحتجين بوابل من الغاز المسيل للدموع، ثم أطلقت الرصاص الحي عليهم. شاهدتهم يطلقون خمسة أو ستة قنابل غاز دفعة واحدة، وعندما يحجب دخان هذه القنابل الرؤية، يبدأون في إطلاق الرصاص الحي. وشاهدت أيضًا أن من يطلقون النار يأخذون الوضع العسكري كأنهم على أرض معركة ولا يواجهون متظاهرين عزل».  

أما طارق، صديق النذير، الذي افترق عنه عند مغيب الشمس، وعلم لاحقًا عن إصابة صديقه، وعجز عن زيارته لتعثر وجود مرافق يصطحبه للمستشفى، قال: «في الأصل، الحقوق العادية للمواطنين غير متوفرة فما بالك بذوي الاحتياجات الخاصة؟ هذا ترف في ظل هذا النظام. خاطرت وخرجت إلى الشوارع، وهتفت بسقوط النظام وسأفعل هذا مجددًا متى خرجت المدينة. في المنزل سنموت، وفي الشوراع سنموت، لكن بشرف».

عقب شرارة عطبرة، اندلعت الثورة في العديد من المدن السودانية كالنار في الهشيم؛ لم تتوقف المواكب والاحتجاجات حتى يومنا هذا، رغم الثمن الباهظ الذي يدفعه السودانيون من أرواحهم. ففي حين قدرت السلطات السودانية عدد القتلى في الاحتجاجات بـ 30 قتيلًا، قالت منظمات حقوقية إن العدد يفوق الـ 40. لكن كما يزداد عدد الضحايا يومًا بعد يوم، تتسع أيضًا رقعة المطالب لتضم إلى جانب تحسين الأحوال الاجتماعية والاقتصادية، المطالبة برحيل البشير وإقرار الحريات السياسية الديمقراطية.

اعلان