صعود الجنيه.. طبيعي أم مصنوع؟
 
 

قد يكون هذا هو السؤال الأكثر تداولًا بين المهتمين بالشأن الاقتصادي فيما يتعلق بسعر الجنيه الذي شهد تحسنًا واضحًا خلال الأسبوع الماضي دون مقدمات واضحة، وعلى عكس توقعات بنوك الاستثمار والمؤسسات المتخصصة التي تشير لاتجاهه للتراجع خلال 2019، «هل هذا التحسن طبيعي أم مصنوع؟». ففي حين قالت وزارة المالية إن سوق الدين الحكومي، وما تشمله من أذون خزانة وسندات، شهدت «عودة قوية لاستثمارات الأجانب»، لتبلغ ذروتها الأسبوع الماضي، على نحو بدا وأنه يفسر تحسن سعر الجنيه نتيجة وفرة العملة الأجنبية، إلا أن ثمة مَن يرى أن التحسن في سعر الجنيه مصطنع.

ويرى شريف عثمان، النائب الأول السابق لرئيس بنك المؤسسة العربية المصرفية، أن الإقبال الحالي من الأجانب على استثمارات المحفظة لا يمكن أن يفسر الارتفاع المفاجئ في سعر الجنيه.

وأوضح عثمان لـ «مدى مصر» أن متابعة تطور أسعار الدولار في سوق «الانتربنك» يشير إلى تطابق في الأسعار بين البنوك على نحو لا يمكن أن يشير إلى سوق قائم على العرض والطلب بأي شكل من الأشكال، مضيفًا أن «البنك المركزي يتدخل بكل تأكيد للحفاظ على سعر الجنيه عند حدود معينة.. وبناء عليه، فمن المرجح أن يكون ارتفاع سعر الجنيه قائم أيضًا على تدخل البنك المركزي المباشر».

ويرى عثمان أن البنك المركزي المصري لجأ للتدخل لرفع سعر الجنيه بعد التأثير الذي يرجح أن تكون أحدثته تصريحات محافظ البنك المركزي لـ «بلومبرج» يوم 22 يناير، «والذي ظهر في إقبال كبير غير معلن على شراء الدولار».

وكان عامر قد قال في حوار مع «بلومبرج» إن سعر الجنيه سيشهد «تقلبًا» نتيجة إلغاء البنك المركزي لآلية تحويل الأرباح للمستثمرين الأجانب- والتي كانت تضمن للمستثمرين الأجانب الراغبين في التخارج من سوق الدين المصري الحصول على مستحقاتهم بالعملة الأجنبية من البنك المركزي، بينما يعني إلغاءها ضرورة لجوئهم للبنوك للحصول على ما يحتاجونه من العملة. وتعد تصريحات عامر بشأن سعر العملة المصرية خطوة غير معتادة من محافظ للبنك المركزي بما تعنيه من تأثير محتمل على سعر الجنيه.

فيما يرى عمرو الألفي، مدير إدارة الأبحاث بشركة شعاع لتداول الأوراق المالية، أنه رغم ربط بعض الخبراء ارتفاع سعر الجنيه في الأساس بتدفق الاستثمارات الأجنبية على سوق أدوات الدين، «قد يتساءل البعض إذا كان سعر الجنيه أقل من قيمته العادلة وأن هذا الارتفاع ما هو إلا تصحيح ليعكس قيمة أعلى» حسبما يضيف الألفي، الذي يقول لـ «مدى مصر»: «هذا الارتفاع  في سعر الجنيه لم يكن ليخدم تدفق الاستثمار الأجنبي إذا استمر».

وقال شريف عثمان إن إقبال الأجانب على سوق أوراق الدين المصري- بعد شهور من تراجعهم بسبب أزمة الأسواق الناشئة- يستند إلى عدة عوامل على رأسها تراجع التوقعات بشأن استمرار بنك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) في تشديد سياسته النقدية عن طريق زيادة أسعار الفائدة.

وكان المركزي الأمريكي قد قرر في الاجتماع الأخير له والمنعقد قبل بضعة أيام، يومي 29 و30 يناير، الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير، عند مستوى 2.25% – 2.50%، وهو ما يحتمل أن يتضمن تأثيرًا مباشرًا على سوق الدين المصري.

وشهد عام 2018 ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة على نحو أدى إلى تراجع الاستثمار في الديون في الأسواق الناشئة ومن ضمنها مصر، ما أدى إلى تسابق تلك الأسواق الناشئة على رفع أسعار الفائدة لديها في محاولة لاستعادة والإبقاء على تلك الاستثمارات، إلا أن ذلك لم يمنع في النهاية انخفاض استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المصریة، لتحقق صافي مبیعات بلغ نحو 3.2 ملیار دولار في الربع الأول من 2018/2019 (يوليو/سبتمبر).

ومع ذلك، فتأثير سعر الفائدة في الولايات المتحدة هذا لا يبدو مستدامًا. إذ قالت شركة مباشر للخدمات المالية في مذكرة لعملائها يوم الخميس الماضي، إن الاحتياطي الفيدرالي كان قد أعلن في اجتماعه الأخير في 2018 أنه يستهدف زيادتين جديدتين في أسعار الفائدة في 2019.

وقال عثمان إن «من ضمن أهم العوامل التي أدت إلى عودة الأجانب إلى سوق الدين هو استمرار البنك المركزي المصري في تثبيت سعر الجنيه نسبيا لفترة ممتدة، لأن هذا السلوك أوحى للمستثمرين أنه لن يتركه ينخفض مجددًا وهو أمر مهم جدًا لتحديد قرار المستثمرين في هذا السياق، لأن توقع تراجع سعر الجنيه يعني تأجيل قرار شراء أدوات الدين إلى حين تحقق هذا الانخفاض، بما يعنيه من انخفاض تكلفة شراء أوراق الدين بالنسبة للأجانب.. وبالتالي فإن زوال التوقعات بشأن تراجع الجنيه في المستقبل القريب أدى إلى تفريغ الطلب المحتبس على أدوات الدين المصرية».

وكانت وزارة المالية قد اعتبرت أن عودة الأجانب بهذه الكثافة إلى سوق الأوراق المالية المصري «يوضح مدى ثقة المستثمرين الأجانب في أداء الاقتصاد المصري» وفقًا لبيان الوزارة، التي قالت إن هذه التطورات تأتي «تزامنًا مع إشادة كريستين لاجارد، مديرة صندوق النقد الدولي، ببرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري والتي تعتبر بمثابة شهادة ثقة للمستثمرين الأجانب، بالإضافة إلى استقرار أوضاع السوق».

وكانت نشرة «انتربرايز» اليومية، التي تصدر برعاية بنك الاستثمار «فاروس»، قد قدمت تفسيرًا لهذا الإقبال من الأجانب مفاده «أن تجار الفائدة يعون جيدًا أن هناك خفضًا متوقعًا في أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، ما يجعلهم يبحثون عن الأسعار المرتفعة الحالية لتحقيق عوائد أفضل».

وتشير توقعات بنوك الاستثمار إلى اتجاه البنك المركزي خلال الشهور المقبلة لتخفيض أسعار الفائدة البنكية، في ظل انخفاض معدل التضخم من جهة، وتزايد أعباء خدمة الدين نتيجة ارتفاع الفائدة من جهة أخرى.

إلى متى يستمر صعود الجنيه؟

ويقول عمرو الألفي إن استثمارات الأجانب في سوق الدين ليست مصدرًا مستدامًا للعملة الأجنبية في كل الأحوال وبالتالي فتأثيرها على سعر الجنيه غير مستدام، موضحًا أن «الفارق بين المصادر المستدامة وغير المستدامة من النقد الأجنبي ببساطة هو مدى ارتباط هذه أو تلك بالتأثيرات الخارجية من ناحية مقابل الارتباط بعوامل القوة الذاتية للاقتصاد المصري».

وأضاف الألفي قائلًا: «استثمارات الأجانب في سوق الدين مرتبطة بعوامل خارجية فضلًا عن أن توسع سوق الدين عمومًا -من حيث إصدارات الأذون والسندات- ليست أمرًا إيجابيًا، فهو يعني التوسع في الاستدانة الذي يعود بدوره لاتساع العجز في الموازنة».

وتشير تقديرات وزارة المالية إلى أن متوسط أسعار الفائدة على الأذون الحكومية منذ بداية العام المالي الحالي 2018-2019  قد بلغ 19%، مقابل 14.5% تمثل المتوسط الذي كانت الحكومة تستهدفه، وفقًا  لمنشور إعداد موازنة العام المالي المقبل.

وارتفع الوزن النسبي لتكلفة الفوائد إلى إجمالي المصروفات في الموازنة العامة من 36% في عام 2017-2018، إلى 39% في موازنة العام المالي الحالي.

و«في المقابل، هناك عدة مصادر للنقد الأجنبي تمثل مصادر مستدامة» حسبما يضيف الألفي موضحًا أن «ثمة عدة أمثلة على رأسها الصادرات والاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاع غير النفطي».

وكانت مذكرة بحثية لـ «شعاع» قبل أيام قد قالت إن «مكاسب تعويم الجنيه للقطاع الخارجي في مصر قد تجاوزت ذروتها»، وأن «العوامل الهيكلية للاقتصاد سوف تهيمن على المشهد من الآن فصاعدًا».

وقالت «شعاع» إن «العجز التجاري -السلعي تحديدًا- في مصر مشكلة هيكلية رئيسية، الأمر الذي يصعب تحسنه بشكل فوري ومستدام باتجاه منخفض مستمر مع التعويم»، موضحة أن الواردات «قد تجاوزت صدمة التعويم (ما أدى إليه التعويم من ارتفاع لأسعار الواردات)، واستعادت معدلات نموها المرتفعة».

وترى «شعاع» أن الاقتصاد المصري لا يملك مساحة كبيرة لتحجيم الواردات دون الإضرار بالإنتاج وبالتالي التصدير، بسبب ما تتضمنه سلة الواردات من نسبة كبيرة من السلع الوسيطة والاستثمارية.

فيما قالت «انتربرايز» إن صعود الجنيه قد يعود إلى سلوك الصناديق الاستثمارية قصيرة الأجل والتي توازن محافظها الاستثمارية في أدوات الدخل الثابت مطلع كل عام على نحو قد يشير إلى احتمال انخفاضه مجددًا، «وهو نفس السلوك الذي شهدناه في 2018، وهو ما أعطى قوة للجنيه أيضًا أمام الدولار حول مستويات 17.58 جنيه للدولار حتى مارس ومن ثم بدأ الاتجاه الهبوطي».

اعلان
 
 
بيسان كساب