معرض الكتاب.. من «المولد» لـ«المظهر الحضاري»
 
 
المصدر: حازم عبد الحميد
 

اعتدتُ لسنوات الذهاب إلى معرض الكتاب بشكل منتظم في أرض المعارض بمدينة نصر حتى عام 2010، ثم توقفت خلال السنوات الماضية، قبل أن أعود لزيارته مرة أخرى في دورته الخمسين في مقره الجديد بالتجمع الخامس. كانت لدي رغبة في معرفة ماذا سيتغير بعد انتقال المعرض إلى مقره الجديد خارج الكتلة العمرانية التقليدية للقاهرة.

نُظم المعرض في دورته الأولى عام 1969 بأرض المعارض الدولية بالجزيرة، مكان دار الأوبرا حاليًا قبل بنائها، حتى عام 1983، ثم نُقل في دورته السادسة عشر، عام 1984، إلى أرض المعارض الدولية بمدينة نصر ليستوعب عددًا أكبر من دور النشر والزوار، على مساحته البالغة 700 ألف متر مربع، ثم نُقل مرة أخرى هذا العام إلى مركز مصر للمعارض الدولية بالتجمع الخامس على مساحة 311 ألف متر مربع.

كما اعتدتُ لسنوات، توجهتُ إلى موقف أتوبيسات النقل العام في ميدان عبد المنعم رياض، يوم السبت الماضي، لاستقلال أحد أتوبيسات خدمة المعرض كما كان يُسمى دائمًا. كانت هناك ثلاثة أتوبيسات نقل عام تقف في انتظار الركاب. ركبت أحدها، الذي تحرك بعد فترة قصيرة متجهًا إلى المعرض.

كان الأتوبيس ممتلئًا بالركاب في آخر أيام الإجازة الأسبوعية، وبينهم طالبتان في المرحلة الثانوية تعلقان على بُعد المسافة. قالت إحداهما ضاحكة «إحنا وصلنا صحراء دبي». استخدمتُ هاتفي المحمول لمعرفة طول المسافة لأكتشف أننا قطعنا حوالي 20 كيلومترًا، فيما كانت المسافة إلى المكان السابق للمعرض في مدينة نصر حوالي تسعة كيلومترات.

خريطتان توضحان المسافة بين ميدان عبد المنعم رياض وموقعي المعرض السابق (أسفل) والحالي (أعلى)

بمجرد الوصول إلى المعرض، ظهرت طوابير الزوار الممتدة أمام البوابات وشبابيك التذاكر.

كان رئيس الهيئة العامة للكتاب، هيثم الحاج علي، صرح أن عدد زوار المعرض وصل بنهاية يومه الخامس، الأحد الماضي، إلى قرابة مليون زائر. يمكن مقارنة ذلك بدورة العام الماضي، حيث بلغ عدد زوار المعرض حوالي مليون و750 ألف زائر في أول خمسة أيام، بحسب تصريحات رئيس الهيئة وقتها. يأتي العدد أقل من العام الماضي، إلا أنه أكثر من التوقعات السابقة على افتتاح المعرض التي تخوفت من عزوف الجمهور عن المشاركة بعد نقله إلى مقره الجديد.

بالإضافة إلى منطقتي انتظار السيارات داخل أسوار المعرض، اصطفت السيارات خارجه في الشارع الرئيسي، وفي ساحة انتظار مكشوفة بالجهة المقابلة للمعرض، وقد امتلأت عن آخرها بالسيارات.

على البوابة رقم 5 المخصصة لدخول الجمهور بعد شرائهم التذاكر، بدت صفوف الزوار تتحرك تدريجيًا ببطء، حيث يمر كل زائر من بوابة كشف معادن، كما يضع حقيبته على كاشف معادن آخر. تجنبت الوقوف في الصف الطويل بأن توجهت إلى البوابة رقم 3 المسموح لدخول الصحفيين عبرها ببطاقاتهم الصحفية.

عقب دخولك مركز المعارض الدولية يأتيك إحساس أن كل شيء في مكان محدد، بمحاذاة السور توجد مساحة مغطاة بمظلات تحتها مقاعد ومناضد خشبية لاستراحة الجمهور، وفي الركن مساحة صغيرة مُجهزة للأطفال، تشبه ما يسمى بـ«Kids area» في بعض المطاعم والكافيهات الكبرى.

شارعان كبيران متعامدان، يفصل أحدهما صالات العرض عن مساحة استراحة الزوار ومنطقة الأطفال، ويؤدي إلى ساحتي انتظار السيارات داخل المعرض، بينما تتوزع صالات العرض على جانبي الشارع الآخر، الذي يتواجد به أيضًا منطقة الكافيهات والمطاعم.

إذا كنت متابعًا لصفحة معرض الكتاب على فيسبوك، يمكنك الوصول إلى الخريطة أونلاين لتسهل على نفسك الوصول إلى دور النشر التي تهتم بها، أما إذا كنت مثلي لا تعرف بوجود الصفحة، فستسأل أي من الأفراد المتطوعين المنتشرين داخل المعرض على خريطة دور النشر.

ينتظر الزائرون صفًا طويلًا آخر للدخول إلى صالات العرض، حيث يمرون بكاشف المعادن مرة ثانية. وخلال دقائق الانتظار، تمر فرقة موسيقى عسكرية يرتدي بعض أفرادها زيًا فرعونيًا. تصلح الفرقة للتصوير وإضاعة بعض الوقت قبل أن تتمكن من دخول صالة العرض، وربما تقضي الوقت في الاستماع إلى محادثات الزوار. كان يقف خلفي شابان يحاولان تخمين هوية الكاتبة سهير القلماوي ووزير الثقافة الأسبق ثروت عكاشة المعروضة صورهما في كل مكان كشخصيتي العام في الدورة الخمسين من المعرض.

يتكوّن المعرض من أربع صالات عرض، كل منها مقسم بعناية من الداخل إلى ثلاثة أقسام A, B, C، ولكل دار نشر رقم خاص بها. وداخل كل صالة عرض قائمة توضح أسماء دور النشر وأرقامها وخريطة أماكنها.

داخل صالات العرض بدت الأجنحة أكثر ترتيبًا من أرض المعارض السابقة، حيث الأرفف موحدة والمساحات محسوبة بدقة لكل دار نشر. صغر مساحة مركز مصر للمعارض الدولية في التجمع الخامس بالمقارنة بأرض المعارض الدولية في مدينة نصر تم تعويضه بتنظيم المساحات داخل صالات العرض بشكل كفء، ليستوعب 1273 ناشرًا من 35 دولة.

لا للخيام.. نعم للنظام

الاحتفاء بالتنظيم هو التعليق السائد في معظم التغطيات الصحفية وبين الزوار. فقالت كرم يوسف، الناشرة بدار الكتب خان، إن «الاختلاف الرئيسي بالنسبة لي بين المعرض الحالي والمعرض السابق مرتبط بالتنظيم الجيد. عارفة أعرض الكتب بشكل جيد، مش خايفة إن الخيمة تقع والكتب تبقى في الرمل، إلخ».

تذهب كرم كل يوم إلى معرض الكتاب من التاسعة صباحًا حتى يغلق المعرض أبوابه في الثامنة مساءً، بينما كانت تزور الجناح المخصص لدار الكتب خان مرتين أو ثلاثة فقط عندما كان المعرض في مدينة نصر. تضيف: «ما كنتش بستحمل البهدلة والتراب».

طوال سنوات ذهابي إلى المعرض، كان معظم دور النشر تعرض إصداراتها في صالات مبنية ومجهزة. إلا أنه في عام 2010، أُتخذ قرار بهدم صالات العرض، تمهيدًا لتطويرها.

وخلال السنوات التي هُدمت فيها الصالات، عدا صالة هيئة الاستثمار والصندوق الاجتماعي للتنمية، كان معظم دور النشر تعرض كتبها في خيام، كما يشرح محمد البعلي، صاحب ومدير دار صفصافة للنشر، كانت الهيئة العامة للكتاب تبني خيامًا وتؤجرها للناشرين، وكان البعض الآخر من الناشرين يستأجرون أرضًا ويبنون الخيام بأنفسهم.

يشرح البعلي كيفية التعامل مع الخيام في المعرض القديم قائلًا: «المكان كان فيه الحد الأدنى من كل حاجة، أماكن للعرض والخدمات، لكنها في الحد الأدنى. يعني مثلًا أثناء العرض في الخيام كان هناك خوف من العواصف. في العام الماضي، أطاحت عاصفة بسقف إحدى الخيام».

ويتابع: «الخيام كانت مزعجة، لكن كان هناك فرصة لدى الناشرين لتعديل شكل الأجنحة الخاصة بهم، مثل إضافة ترابيزات للعرض أو أرفف إضافية. كان بعض الناشرين يقومون بتصميم صالة العرض الخاصة بهم بشكل كامل»، وهو ما لم يعد قائمًا بعد استخدام تصميم محدد ومحكم، مع عدم السماح بتغييره.

المصدر: حازم عبد الحميد

البناء الحديث لصالات العرض، والتنظيم المحكم والموحد، أديا إلى رفع أسعار إيجارات أجنحة العرض. يقول البعلي: «إيجار جناح العرض زاد 35% تقريبًا عن العام الماضي، تكاليف العمل في المعرض، والتي تشمل بجانب الإيجار رواتب العمالة وانتقالاتهم ونقل الكتب، زادت الضعف تقريبًا بسبب بُعد المكان، مما يشكل ضغطًا على الأرباح، خاصة أن المبيعات حتى الآن مساوية للعام الماضي».

يؤيد يحيى فكري، مدير دار «المرايا» للإنتاج الثقافي، ما قاله البعلي عن ارتفاع تكلفة المشاركة في المعرض على الناشرين، مضيفًا أن تكلفة إيجار مكان لتنظيم ندوة أو حفل توقيع كتاب أصبح أعلى مما سبق.

ويتوقع فكري أن يحقق «نفس مبيعات العام الماضي، مما سيغطي تكلفة المشاركة في المعرض، التي ارتفعت بشكل كبير، دون تحقيق أرباح. عليك أن تبيع كتير جدًا عشان تحقق أرباح».

«مُولِد» الكتاب

يصف البعلي المعرض في مكانه القديم بمدينة نصر بأنه كان أشبه بالمولد، مولد للكتاب، وهو ما لا يراه بالضرورة أمرًا سلبيًا، مُعلقًا: «الموالد هي الطابع الشعبي للاحتفالات في مصر».

كان «مدى مصر» رصد في العام الماضي ما يمكن وصفه بـ«خروجة المعرض»، حيث تتنوع مقاصد الزوار بين شراء الكتب وقضاء يوم كامل في المساحات الخضراء بأرض المعارض. تحدث «مدى مصر» مع أسر تجلس على النجيل بجوار ترمس شاي، وزوار يقضون الوقت في الشمس يقرأون بعض الكتب التي اشتروها، وعبّر الكثيرون منهم عن تعاملهم مع المعرض كمكان لقضاء وقت لطيف في الهواء والشمس. بينما اشتكى الكثير من الزوار من سوء الخدمات مثل عدم نظافة دورات المياه والحدائق، فضلًا عن قلة الدكك الخشبية.

ذلك الطابع المرن لاستخدام مساحات المعرض أصبح محدودًا في مقره الجديد. فلا توجد مساحات خضراء مثلًا يمكن افتراشها، باستثناء المساحات المظللة أمام صالات العرض، وهي الأصغر من مثيلاتها في المعرض القديم. أما داخل الصالات نفسها، فلا توجد سوى أماكن محدودة للجلوس في الممرات الكبيرة الفاصلة بين أماكن عرض الكتب. خلال انتقالي من صالة 1 إلى صالة 2، حاولت العثور على مكان للاستراحة دون الحاجة للخروج بشكل كامل من المبنى فلم أجد أي مقعد شاغر، رغم وجود مساحة كافية لوضع مقاعد مقابلة للحائط. بينما افترش عدد من الزوار الأرض للاستراحة.

صورتان من «جوجل إرث» لموقعي المعرض السابق (أعلى) والحالي (أسفل)

وعندما خرجت من صالة العرض إلى المساحة المكشوفة من مركز المعارض لم أجد أي مكان للجلوس. كان واضحًا أن عدد المقاعد الخشبية في المنطقة المظللة، وكذلك عدد المقاعد في منطقة المطاعم والكافيهات غير كافٍ لعدد الزوار، الذين جلس الكثير منهم على السور أو الرصيف للاستراحة أو تناول بعض الأطعمة والمشروبات.

المحصلة أن قضاء يوم كامل في المعرض، كمكان للفسحة، أصبح أصعب مع التنظيم والمكان الجديدين. خطا المعرض خطوة كبيرة في اتجاه أن يصبح مكانًا لشراء الكتب فحسب.

الاتجاه شرقًا

انتقال المعرض إلى التجمع الخامس لم يكن الاحتمال الوحيد القائم، فقد نشرت صحيفة «المصري اليوم» في فبراير من العام الماضي تقريرًا عن أرض المعارض، جاء فيه أنه في 2009، فازت المعمارية العراقية الإنجليزية، زها حديد، بمسابقة تطوير أرض المعارض بمدينة نصر، وبناء على ذلك بدأ هدم صالات العرض القديمة. وعاد حديث التطوير مرة أخرى في سنة 2014 عندما أعلنت الهيئة المصرية العامة للمعارض عن خطة لتطوير أرض مدينة نصر بإقامة فندق سياحي يسع 600 حجرة، فضلًا عن إعادة استخدام الأراضي المتوافرة بشكل أمثل. ولاحقًا، في عام 2017 بدأ طرح فكرة نقل المعرض إلى التجمع الخامس.

في الوقت ذاته، يجري إنشاء مدينة للمعارض في العاصمة الإدارية الجديد، التي تبعد نحو 60 كيلومترًا عن وسط القاهرة، بمساحة 500 فدان وبحجم استثمارات 600 مليون جنيه، غير أنه لم يتحدد حتى الآن إذا ما سيتم نقل معرض الكتاب إلى مدينة المعارض بالعاصمة الإدارية أم سيتم استخدامها للمعارض الاقتصادية فحسب.

الاتجاه شرقًا كانت السمة الدائمة لحركة المعرض، من الجزيرة (مكان دار الأوبرا الحالي) إلى مدينة نصر، إلى التجمع الخامس، وربما لاحقًا إلى العاصمة الإدارية. في كل مرة، تصبح خطوط المواصلات اللازمة لنقل جمهور المعرض أطول.

يرى البعلي أن تنظيم معرض الكتاب في مدينة نصر في 1984 مر بمرحلتين، الأولى قبل مد الخط الثالث للمترو إلى شرق القاهرة وتخصيص محطة لأرض المعارض، والثانية بعد وجود المترو.

في المرحلة الأولى كان الاعتماد بشكل أساسي على أتوبيسات النقل العام التي يتم تخصيصها لخدمة زوار المعرض، ووسائل المواصلات العادية التي تمر بشارع صلاح سالم. أما في المرحلة الثانية، ساعد وجود المترو بدرجة كبيرة على زيادة أعداد زوار المعرض، بحسب البعلي. فقد وصل زوار المعرض عام 2016 نحو ثلاثة ملايين زائر، وفي 2017 نحو أربعة ملايين، أما في  2018 فقد وصل العدد إلى نحو خمسة ملايين زائر.

في الدورة الحالية، قامت هيئة النقل العام بمد ستة خطوط لنقل الركاب، يعمل عليها 100 أتوبيس، من الميادين الرئيسية إلى مقر المعرض في التجمع الخامس. سهّلت تلك الأتوبيسات حركة الركاب من وإلى المعرض. حتى هذه اللحظة، لا تزال أعداد الزوار أقل من العام الماضي، غير أنه ما زال من المبكر رصد إلى أي درجة قد يتأثر المعرض بموقعه الجغرافي الجديد.

ترى كرم يوسف أن هناك إقبال من الجمهور: «كان عندي تخوف إننا هنقعد من غير جمهور، لكن التخوف اختفي بعد الساعات الأولى من افتتاح المعرض، وأظن كان هناك حالة من العداء المسبق لنقل المعرض».

وتتابع: «الحقيقة إن المعرض يزوره كل الطبقات، وليس كما كان يقال إنه سيصبح مقتصرًا على طبقة واحدة بعينها بعد نقله. العنصر الأساسي في ذلك هي توفير مواصلات سهلة. وكانت هناك مشكلة في طوابير الدخول في الأيام الأولى، تم حلها لاحقًا بزيادة عدد الأبواب».

لكن فكري يرى أن البعد المكاني للمعرض مشكلة أساسية، ويطرح رؤية مختلفة لأثر الانتقال شرقًا على الشرائح الاجتماعية التي تزور المعرض: من وسط المدينة إلى ضاحية مدينة نصر (إحدى مقرات الطبقة الوسطى العليا في نهاية القرن العشرين)، إلى التجمع الخامس (مسكن الطبقة الوسطى العليا والطبقات الأكثر ثراءً منذ بداية القرن الحادي والعشرين).

بالنسبة لفكري، الانتقال شرقًا لا يعني فقط البعد الجغرافي، بل له انعكاس طبقي مرتبط بإعادة ترتيب وتنظيم المعرض بشكل مغاير. ويقول: «المشكلة الأكبر التي أرى أنها لن تُحل بل ستزداد هي أن المستوى الاجتماعي للمعرض يرتفع بشكل عام».

ويشرح: «عشان تاكل مش هتلاقي غير مطاعم غالية، هتشرب فنجان قهوة بـ40 جنيه، هتشرب كوباية شاي بـ20 جنيه. هذه هي طبيعة المطاعم والكافيهات اللي استأجرت في المعرض الجديد، مفيش أكشاك زي زمان بتقدم خدمات رخيصة لجمهور المعرض. ده معناه إن تكلفة زيارة المعرض بتزيد. اجتماعيًا، المعرض بيعلى طبقيًا، وأرى إن ده منفر للطبقات الأفقر».

ربما يكون فكري مبالغًا، وربما لا. وربما تكون كرم على حق، وربما لا. على كل حال من الصعب الجزم بمدى التأثير الذي أحدثه انتقال المعرض للتجمع الخامس خلال دورته الأولى. ومن يدري، فقد لا يكون التجمع الخامس هو مكان استقرار المعرض. فهل نشهد بعد عدة سنو ات انتقال جديد نحو الشرق؛ إلى العاصمة الإدارية الجديدة مثلًا؟

اعلان