تنظيمات أمناء الشرطة: من الاحتواء إلى الإجهاض

في 22-12-2018، قررت المحكمة الإدارية بمجلس الدولة إلغاء قرار مساعد وزير الداخلية لشؤون الأفراد الذي قضى بإحالة أحمد مصطفى (المنسق العام لائتلاف أمناء الشرطة) إلى المعاش. كان مساعد الوزير قد أصدر قرارًا في يوليو 2017 بعدم صلاحية 1591 فرد وأمين شرطة، وإحالتهم للمعاش. وقد رفضت المحكمة بموجب القرار نفسه إحالة تعديلات قانون الشرطة إلى المحكمة الدستورية1، رغم أن.هذه التعديلات تمنح مساعد وزير الداخلية سلطة تقديرية واسعة، بحيث يمكنه إحالة من يشاء إلى المعاش من دون معايير واضحة. في هذا المقال، نحاول الإضاءة على تطورات هذه القضية وتشعباتها، وعلى تنظيمات أمناء الشرطة، التي ظهرت بعد الثورة. وذلك في إطار كونهم موظفين في الدولة لهم حقوقهم التي يجب احترامها، ما من شأنه تحسين أدائهم الوظيفي والتأثير إيجابيًا على احترامهم لحقوق المواطنين.

يُحمِّل الموروث الشعبي أمناء الشرطة المسؤولية عن أغلب خطايا وزارة الداخلية، خاصة في ما يتعلق بتلفيق بعض القضايا والمشاركة في تعذيب المواطنين، وهو ما يمكن ملاحظته في عبارة «اللى ما لوش خير فى حاتم، ما لوش خير فى مصر»، التي جاءت في أحد المشاهد الرئيسية في فيلم «هى فوضى»، على لسان بطله؛ أمين الشرطة (الممثل الراحل خالد صالح) عندما كان يجبر أحد المواطنين على دفع رشوة له بدلًا من حبسه، وتعذيبه، بحجز قسم الشرطة.

بالطبع لم يأتِ هذا الموروث من فراغ. فمنهم من كان فاعلًا رئيسيًا، أو شريكًا فى هذه الجرائم والخطايا. وأوراق القضايا بالمحاكم والتقارير الحقوقية خير شاهد على ذلك، لكن فى الحقيقة أيضًا أنهم لا يتحملون هذا الإرث بمفردهم، وربما تم تضخيم مسؤوليتهم في مثل تلك الأحداث ككبش فداء للضباط الكبار الذين هم المسؤولون الحقيقيون عنها، سواء بسلوكهم الايجابى أو السلبى، المتمثل في امتناعهم الممنهج عن وقف الجرائم التى تقع من الأمناء والأفراد التابعين لهم، وعن حماية الضحايا الذين يتعرضون لهذه الانتهاكات من ناحية، فضلًا عن تصوير الانتهاكات الحاصلة، عند ثبوتها، على أنها سلوك فردى مشين من الأمناء أو الضباط من دون علم رؤسائهم، ومن باب أولى الوزارة. وهو السلوك الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى تبرئة الضباط الكبار والوزارة من العوامل والمرتكزات المؤسسية والمنهجية التي تجعل حصول هذه الانتهاكات أمرًا حتميًا.

الثورة وميلاد تنظيمات أمناء الشرطة ومطالبها:

من الجدير بالذكر أن كادرات العمل بهيئة الشرطة تتكون من: (1) ضباط الشرطة، (2) ضباط الشرف (كادر مستحدث بعد الثورة)، (3) أمناء الشرطة، (4) مساعدو الشرطة، (5) مراقبو ومندوبو الشرطة، (6) ضباط الصف والجنود، (7) معاونو الأمن، (8) «رجال» الخفر والنظاميين (كلمة رجال هي التعبير الرسمي المستخدم للدلالة على هذه الفئة). والفئات من (3 إلى 8) يطلق عليهم جميعًا «الأفراد»، ويأتي فى مقدمتهم أمناء الشرطة.

أنشئ معهد أمناء الشرطة في منطقة طرة البلد بمحافظة القاهرة عام 1967، لاستبدالهم بنظام الكونستبلات المعمول به قبل ذلك. وكان يشترط للالتحاق بهذا المعهد أن يكون الطالب حاصلًا على الثانوية العامة أو ما يعادلها (مؤهل متوسط)، والدراسة في المعهد عام واحد فقط، ثم أصبحت عامان، يتخرج الطالب بعدهما برتبة أمين شرطة ثالث، ثم يترقى إلى أمين ثانٍ، ثم أمين أول، وهي أعلى رتبة يصل إليها أمين الشرطة، وقد يُرقى إلى رتبة ملازم أول حال حصوله على ليسانس الحقوق، وموافقة الوزارة على تسوية مؤهله الجديد.

ويرى أغلب الأمناء أن هناك قواعد من من التمييز وعدم المساواة وغياب تكافؤ الفرص بينهم وبين الضباط داخل وزارة الداخلية، وكان هذا الشعور مترسخًا لديهم من قبل ثورة 25 يناير 2011، فقد كانت كل المميزات لكادر الضباط فقط.

وبحسب مقابلة مع أحد اﻷمناء، عضو مجلس إدارة النادي العام، وعضو ائتلاف ائتلاف اﻷمناء، كان من أبرز مؤشرات التمييز المشار إليها آنذاك:

  1. كان العلاج في مستشفيات هيئة الشرطة قاصرًاً على الضباط وأسرهم، ولم يكن يسمح للأمناء وسائر الأفراد بتلقيه فيها.
  2. كان أمناء الشرطة يتم محاكمتهم عسكريًا على أية مخالفات، سواء كانت مسلكية أو إدارية أو انضباطية. ومن الممكن إصدار أحكام سالبة للحرية بحقهم، بينما كان الضباط يخضعون لمجالس تأديب ليس من صلاحيتها توقيع أي عقوبة سالبة للحرية، رغم أن الدستور نص على أن هيئة الشرطة هيئة مدنية، وهو ما كان يجب أن ينعكس على الضباط والأفراد معًا وليس الضباط فقط.
  3. كانت أندية الشرطة مخصصة للضباط وأسرهم فقط.
  4. حرمان الأمناء من الترقي لرتبة ضابط، حيث يبقى أمين الشرطة طوال خدمته على هذا الكادر دون ترقٍّ، إلا إذا حصل على ليسانس الحقوق، ووافقت الوزارة على تسوية مؤهله الدراسى الجديد.
  5. الحافز المالي (حافز الوزير) كان مخصصًا للضباط فقط، ولم تكن هناك حوافز مماثلة للأمناء والأفراد.
  6. التعسف فى اتخاذ القرارات المتصلة بترقية أمناء الشرطة الذين حصلوا على ليسانس حقوق، لرتبة ضابط: حيث أن المبدأ أنه يتم ترقيتهم إلى رتبة ضابط حين حصولهم على مؤهل عال، ولكن كانت تتم المماطلة لسنوات قبل إصدار قرار الترقية، إن تمت من اﻷصل.2

وفى خضم أحداث ثورة يناير تشكلت مجموعات، وائتلافات عدة تضم أمناء الشرطة، وارتكزت مظاهراتهم على مطالب ترتبط بشروط وظروف عملهم. وعندما فشل الأمناء والأفراد فى إشهار نقابة خاصة بهم تنظم صفوفهم وتدافع عن مصالحهمبوزارة القوى العاملة، أعلنوا عن إنشاء الائتلاف العام لأمناء وأفراد الشرطة، والذى تكون من الائتلافات التى شكلها الأمناء والأفراد بالمحافظات، وكان الائتلاف العام هو الأداة الناظمة لهم، والمعبر عن مطالبهم. وبدأ الائتلاف يطالب بإصلاح الهيكل الوظيفي الخاص بهم، ورصد كافة أوجه القصور التي تنتهك حقوقهم من أجل علاج الخلل الموجود داخل هذا الكادر من وجهة نظرهم. وسعى الائتلاف لتحقيق مطالبه بمخاطبة الوزارة ومديريات الأمن مرات، وتنظيم احتجاجات بأقسام الشرطة ومديريات الأمن وأمام وزارة الداخلية مرات أخرى، ونجحوا فى تحقيق عدد من المكتسبات الخاصة بهم في فترة حكم المجلس العسكرى للبلاد، وتمثل أبرزها فى:

  1. علاج أمناء وأفراد الشرطة وأسرهم بمستشفيات هيئة الشرطة أسوة بالضباط.
  2. إلغاء المحاكم العسكرية واستبدالها بمجالس التأديب، أسوة بالضباط.
  3. استحداث كادر «ضباط الشرف» ليتم ترقية الأمناء إليه، أسوة بقرنائهم فى الجيش الذين تطوعوا بالقوات المسلحة بعد حصولهم على مؤهل متوسط.
  4. ترقية أمناء الشرطة الحاصلين على ليسانس حقوق لكادر الضباط.
  5. رفع مرتبات أمناء وأفراد الشرطة.

كما شهدت فترة حكم الإخوان حراكًا واسعًا لأعضاء الشرطة على اختلاف رتبهم ودرجاتهم، فنظموا عدة احتجاجات، بعضها خاص بمطالب نتج عنها رفع رواتبهم وزيادة امتيازاتهم، وبعضها لمطالب سياسية مثل رفض أخونة الوزارة، أو مظاهرات الضباط والأمناء الملتحين، بشأن حقهم فى إطلاق اللحية.

خطة الوزارة لاحتواء الأمناء وإجهاض تنظيماتهم ومطالبهم:

فى غضون الفترة ما بين 2012 و2013، طرحت الوزارة على الائتلاف تقنين وضعه، بأن يتم حل الائتلاف ومجمل المجموعات والاتحادات المكونة له، ويتأسس بدلاً منه «نادٍ عام للأمناء والأفراد» يكون له فرع بكل محافظة، وتصدر له لائحة من الوزارة، وتجرى انتخاباته تحت إشرافها. وبالفعل بعد موافقة الأمناء والأفراد على المقترح، أصدر وزير الداخلية القرار «677 لسنة 2013» فى 21 إبريل 2013 بإلغاء مسمى «اتحاد السجون الرياضى» –الاتحاد المشهر بالفعل منذ سنواتواستبداله بمسمى «النادى العام للأفراد والعاملين المدنيين بوزارة الداخلية»3. كما نص على أن يشكل مجلس إدارة النادي العام من ثلاثة عشر عضوًا؛ برئاسة مساعد الوزير للأفراد، و أن يكون مدير الإدارة العامة لشؤون الأفراد نائبًا لرئيس النادي، وتسعة أعضاء منتخبين يمثلون مختلف الرتب والدرجات للأفراد، واثنين منتخبين من العاملين المدنيين بالوزارة على أن تكون إحداهما سيدة على الأقل لتمثل العاملات بالوزارة. كما نص القرار على تشكيل مجلس إدارة لكل نادٍ بكل مديرية أمن وبرئاسة مساعد مدير الأمن لشؤون التدريب والأفراد وعضوية ستة من الأعضاء المنتخبين بواقع أربعة من الأفراد، واثنين من العاملين المدنيين بنطاق المديرية4، وكذلك نص القرار على تشكيل لجنة من الإدارات العامة (الانتخابات، المعلومات والتوثيق، شؤون الأفراد، الشؤون القانونية، الأندية والفنادق) لوضع القواعد والإجراءات وآليات تنفيذ العملية الانتخابية، على أن يتم فتح باب الترشح يوم السبت بتاريخ 11 مايو 2013 ، وتكون الانتخابات يومى الثلاثاء والأربعاء الموافقين 11، 12/ 6/ 2013. 5

كما صدرت اللائحة لأندية الأفراد والعاملين المدنيين بوزارة الداخلية في كافة محافظات الجمهورية بموجب قرار وزير الداخلية (814 الصادر فى مايو 2013)6، وأجريت الانتخابات فى كل مديريات الأمن وأقسام الشرطة على مستوى الجمهورية، وتشكل أول مجلس منتخب لإدارة النادي العام فى يونيو 2013، وجاء جميع أعضاء مجلس الإدارة من الرجال، ولم تنتخب أي سيدة به بالمخالفة للقرار الوزاري. وعقد أول اجتماع لمجلس إدارة النادي العام يوم 22/6/2013، وتضمن محضر الاجتماع مناقشة مسألة الدعوة لمظاهرات 30 يونيو 2013. وقد دوّن تحت عنوان «المشهد السياسي في 30 يونيو 2013»: «ناقش المجلس المشهد السياسي وتداعياته المتوقعة فى مظاهرات 30 يونيو 2013 حيث أوصى المجلس بإعداد بيان يعبر عن حيادية الأفراد والعاملين بالوزارة ومساندتهم للسيد وزير الداخلية في جهوده للحفاظ على أمن الوطن والمواطن مؤكدين الوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية بكافة انتمائها مشددين على عدم الانحياز لأي فصيل من الفصائل السياسية المتصارعة، واتفق على تكليف الأمين أحمد مصطفى عبد الشافي المتحدث الإعلامي الرسمي لمجلس الإدارة فى إعداد بيان يتلى غداً الأحد الموافق 23/6/2013 الذي سيعقد في مكتب السيد الوزير عقب انتهاء إجتماع مجلس الإدارة بالسيد وزير الداخلية». ثم اختتم الاجتماع بتوجيه التحية لشهداء الشرطة ومصابيها وأسرهم.

وبعد 30 يونيو، قل عدد احتجاجات الأمناء بفعل حظر التجوال الذى تم إعلانه بالبلاد. لكن مع بدايات 2014 تصاعدت من جديد حدة احتجاجاتهم، وكان أبرز فصولها قرار السلطات الأمنية في مطار القاهرة باستبعاد 120 من أمناء الشرطة واستبدالهم بعناصر من الأمن المركزي، بسبب مشاركتهم في إضراب اعتراضًا على نقل زميل لهم فى أبريل 2014.

بالفعل، نجح وزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم من خلال هذا النادي، وقبل اشتعال أحداث 30 يونيو 2013، ليس فقط فى احتواء ائتلافات الشرطة، بل أيضًا في السيطرة الصامتة والناعمة عليهم. كما حرص على ترسيخ أقدام النادي ومجلس الإدارة ليكون حلقة الوصل بين الوزارة وأفراد الشرطة، وليكون أداته لامتصاص غضب الأمناء والأفراد لفض إضراباتهم واحتجاجاتهم، والتي كانت تحدث في مديريات الأمن وأقسام الشرطة خلال عام 2014 وفي أوائل عام 2015.

لكن مع الإطاحة بمحمد إبراهيم من وزارة الدخلية وتعيين مجدى عبد الغفار بدلًا منه فى 6 مارس 2015 سعت الوزارة لتبني استراتيجية جديدة مع الأمناء والأفراد، خاصة بعد إضراب الأمناء واقتحامهم لمديرية أمن الشرقية بمدينة الزقازيق، في 12 أغسطس 2015، وعدم تجاوبهم مع مساعد الوزير الذى أوفده للتفاوض معهم، وارتكزت هذه الاستراتيجية على أربعة محاور رئيسية: رفض الحوار وتعطيل نشاط النادي، الملاحقة القضائية، التعديلات التشريعية، إلغاء معهد أمناء الشرطة.

المرتكز الأول: رفض المقابلة ووقف الحوار وتعطيل النادى العام

منذ تولي مجدى عبد الغفار للوزارة كان يرفض مقابلة أمناء الشرطة أو ممثليهم فى النادي العام، وكانت المقابلات تتم بين الأمناء ومساعدي الوزير فقط. وبعد أحداث أغسطس 2015 بمديرية أمن الشرقية، تم تجميد الحوارات مع الأمناء وممثليهم حتى مع مساعدي الوزير. كما توقف النادي عن عقد أي اجتماعات بمقره لأن رئيس النادي (مساعد الوزير)، ونائب رئيس النادي (مدير الإدارة العامة لشؤون الأفراد) كانا يرفضان عقد اجتماعات النادي، مما كان يدفع الأمناء أعضاء مجلس إدارة النادي للاجتماع مع بعضهم البعض بشكل غير رسمي.

المرتكز الثانى: الملاحقة القضائية

فى 20 فبراير 2016 تم إلقاء القبض على سبعة من أمناء الشرطة. وكان أبرزهم منصور أبو جبل، رئيس ائتلاف الأفراد بالشرقية، وذلك أثناء دخوله مدينة الإنتاج الإعلامى لتسجيل حلقة تليفزيونية مع وائل الإبراشى عن مطالب الأمناء والأفراد بالشرقية. وكانت وزارة الداخلية قد اتهمت «أبو جبل»، بالتحريض على إضراب الأمناء لحين تنفيذ مطالب الأمناء والأفراد برفع بدل المخاطر من 60% إلى 100%، وتحسين الرعاية الاجتماعية للأفراد، وبناء مستشفى خاصة لهم بالشرقية. ثم تم ضم ستة أمناء وأفراد آخرين لقضية أبو جبل7، وتمت إحالتهم جميعًا لمحكمة الجنايات أمن دولة عليا طوارئ، حيث أحالتهم نيابة أمن الدولة للمحاكمة بزعم أنهم «اشتركوا وآخرون مجهولون بتاريخ 12 أغسطس 2015، حتى 21 فبراير 2016 في تجمهر مؤلف من أكثر من 5 أشخاص من شأنه أن يجعل السلم العام في خطر، الغرض منه ارتكاب جرائم الاعتداء على رجال السلطة العامة ومقاومتهم بالقوة والعنف، وامتنعوا وآخرون عمدا عن تأدية واجبات وظيفتهم بأقسام ومراكز وإدارات مديرية أمن الشرقية، وكان من شأن ذلك الإضرار بالمصلحة العامة وجعل حياة الناس وأمنهم في خطر.

كما احتجزوا وآخرون مجهولون اللواء زكى أحمد أحمد محمد زمزم، مفتش وزارة الداخلية لأمن الشرقية، في غير الأحوال المصرح بها قانونا، لحمله بغير حق على الامتناع عن أداء عمل من أعمال وظيفته بأن منعوه من مغادرة ديوان قسم شرطة أول الزقازيق لمنعه من إثبات ترك أفراد الخدمة المعينين بخدماتهم الأمنية بديوان القسم».

تضمنت اﻷحراز المنسوبة للمتهمين بالقضية «عدد 3 إسطوانات، ضمت الإسطوانة الأولى 4 ملفات عبارة عن 127 صورة لمظاهرات الأمناء في محيط مديرية الأمن، وفيديو آخر مدته حوالي 7 دقائق و26 ثانية ظهر فيه أحد أمناء الشرطة يتحدث عما وصفه بـ «الفساد بوزارة الداخلية». وضمت الإسطوانة الثانية 4 فيديوهات حوت مقاطع من مظاهرات أمناء الشرطة، نددوا خلالها بالقبض على زميلهم أمين الشرطة منصور أبو جبل، وتضمنت هتافات ضد وزير الداخلية»8.

وظل المتهمون محبوسين من تاريخ القبض عليهم وحتى صدور الحكم فى 28 أبريل 2018 بسجنهم ثلاث سنوات، والحكم على خفير نظامى وأمين شرطة، هاربين، بالسجن خمس سنوات بتهمتي الانضمام لجماعة محظورة والتحريض ضد جهة عملهم.

المرتكز الثالث: التعديلات التشريعية

سعت الوزارة لاستصدار تعديلات تشريعية لقانون الشرطة، بموجب التعديل (64) لعام 2016، الذي ضم مواد سهلت الإطاحة بكل مكتسبات الأفراد، وبالأمان الوظيفي لعلاقة عملهم بالوزارة، وأبرز تلك المواد كانت المادة (77 مكرر فقرة 5) التي استبدلت كون مدة الخدمة حتى بلوغ سن المعاش، كسائر الموظفين العموميين، وجعلت مدة الخدمة 20 سنة فقط لأمناء وأفراد الشرطة. ومن بلغ هذه المدة يعرض أمره على لجنة يشكلها الوزير لتقييم الأفراد والأمناء لتقرر هذه اللجنة إنهاء الخدمة أو مدها لمدة سنة أخرى. فإذا كان المرتكز الأول يقوم على وقف الحوار مع القيادات التنظيمية للأمناء وتجميد مجلس إدارة النادي وشل فاعليته. ويقوم المرتكز الثانى على معاقبة الأمناء المتزعمين لائتلاف الشرطة، فإن المرتكز الثالث المتمثل في هذا التعديل التشريعى يعد عقابًا لكافة الأمناء، سواء من اشترك منهم فى التظاهرات أو من لم يشترك، أو من انخرط منهم فى تنظيم الائتلافات أو من لم ينخرط. ومنذ بدء عمل لجنة التقييم فى 2017 أضحى شهرا مايو ويونيو من كل عام فترة عصيبة على جميع الأمناء الذين تجاوزت مدة خدمتهم 20 عامًا، حيث يكونون فى انتظار التجديد لهم من عدمه، ومن يتم إنهاء خدمته يحال للمعاش بقرار لجنة التقييم في نهاية شهر يونيو من كل عام، ومن ثم لا يحصل إلا على معاش قد لا يتجاوز قدره 1500 جنيه شهريًا، فضلًا عن حرمانه من مستحقاته فى الصناديق الخاصة لكونه خرج للمعاش قبل بلوغه السن القانونية (60 سنة)، باعتباره الشرط الأساسي لحصوله على كامل مستحقاته بالصناديق.

وقد تم إخراج آلاف من أمناء الشرطة من الخدمة فى عامي (2017-2018) رغم أن بعضهم لم يتجاوز عمره 40 سنة، فلجنة التقييم تنهي خدمة من تشاء تحت زعم عدم لياقته لأداء الوظيفة. وقد رصد في بعض الحالات إنهاء عمل أمناء شرطة كانوا حصلوا سابقًا على تقدير ممتاز في تقارير الكفاية السنوية9 التى تعد وفقًا لقانون الخدمة المدنية. وهذا المنحى يعصف بالمراكز القانونية التي استقرت لهؤلاء الأمناء والأفراد، فلا يجوز أن تكون تقارير الكفاية لأحد الأمناء ممتازة فى آخر خمس سنوات مثلًا، ثم تأتى لجنة التقييم وتصدر قرارا بإنهاء خدمته بزعم عدم لياقته لأداء مهام عمله.

وبغض النظر عن الصراع القانوني والدستوري بشأن مدى دستورية هذا النص10، فإن صياغة النص وتطبيقاته تمنح الوزارة سلطة واسعة ضد الأمناء والأفراد لا يحدها إلا رقابة المحكمة على قرارات لجنة التقييم من خلال القضايا التي يتم رفعها. لذلك لم يكن غريبًا أن جميع الأمناء أعضاء مجلس إدارة النادى العام للأمناء والأفراد تم إنهاء خدمتهم وإحالتهم للمعاش بفعل هذا النص.

وليس أمام الأمناء والأفراد من سبيل لإلغاء هذا النص الذي يهدد بعضهم سنويًا بإنهاء الخدمة والإحالة إلى المعاش، إلا بإسقاطه من التشريع. وهو ما يصعب تحقيقه إلا إذا طالبت الوزارة ذاتها البرلمان بتعديل هذا النص، أو إذا تهيأت الظروف للحظة توازن جديدة تتيح للأمناء والأفراد التفاوض من أجل تعديله، أو ينجح الأمناء والأفراد فى الحصول على حكم بعدم دستورية هذا النص من المحكمة الدستورية العليا.

المرتكز الرابع: إلغاء الإدارة العامة لمعاهد أمناء الشرطة

في هذا الخصوص، صدر القرار 1572 لسنة 2018 بشأن إعادة تنظيم قطاع التدريب، وتم إلغاء الإدارة العامة لمعهد أمناء الشرطة من الهيكل التنظيمى لوزارة الداخلية، ونقل كافة مقوماتها إلى معاهد معاوني الأمن. فبعد أن توقف المعهد عن قبول أي دفعات جديدة للالتحاق به منذ سنوات سابقة على الثورة، واقتصار دوره على تدريب الأمناء من أجل الترقي، جاء هذا القرار الأخير ليلغي المعهد تمامًا من الهيكل التنظيمي للوزارة.

لقد سعى أمناء الشرطة والأفراد للتمتع بالحق في التنظيم، والبحث عن كيان ينظم صفوفهم ويدافع عن مصالحهم، وحقوقهم فى العمل، كانت النقابة هى حلمهم، لكن امتناع القوى العاملة عن استلام أوراق إيداعهم، ثم نص المادة 76 من دستور 2014 التى حظرت إنشاء نقابات أو اتحادات بالهيئات النظامية11، دفعهم لتكوين ائتلافات، ومنها تشكل النادى العام للأمناء والأفراد على النحو السالف بيانه. وبغض النظر عن تقييمنا لأمناء الشرطة فى أداء عملهم، إلا أن محاولتهم التنظيمية ومطالبهم فى هذا الصدد لا تقل أهمية عن آلاف المحاولات التى قامت بها الطبقة العاملة المصرية، وتمت مواجهتها بكل قسوة، وجميعها تجارب جديرة بالملاحظة والرصد والدراسة والتحليل.

2 ) مقابلة مع أحد أمناء الشرطة، عضو مجلس إدارة النادى العام.

3 ) المادة الأولى من قرار وزير الداخلية 677 لسنة 2013.

4 ) المادة الثانية من قرار وزير الداخلية 677 لسنة 2013.

5 ) المادة الثالثة من قرار وزير الداخلية 677 لسنة 2013.

6 ) صدرت اللائحة الموحدة لأندية الأفراد والعاملين المدنيين بالوزارة بموجب قرار وزير الداخلية 814 الصادر فى 5 مايو 2013.

7 ) المتهمين في الدعوى 13 متهماً وهم منصور محمد عبد المنعم منصور الغرباوي وشهرته منصور أبو جبل ( محبوس)، إسماعيل أحمد مختار حسن (محبوس)، سامي محمد عبد الشافي (محبوس)، محمد علي إبراهيم جمعة (محبوس)، شريف رضا أحمد عوض (محبوس)، أحمد محمد سليمان خليل ( محبوس)، علي سعيد إبراهيم أبو المجد (رقيب شرطة – محبوس)، سعيد محمد غياتي محمد (عريف شرطة – محبوس) حسام السيد محمد طه عرفه ( محبوس)، وليد رجب محمد صالح ( محبوس)، محمد صبحي أحمد سليمان (رقيب شرطة – محبوس)، أيمن محمد عبد الشافي (خفير نظامي – هارب)، عصام عز الرجال علي إبراهيم (هارب).

8 ) صدر الحكم فى 28 ابريل 2018 بالسجن 3 سنوات على 11 أمين من بينهم منصور أبو جبل، ووضعهم تحت المراقبة مدة مساوية لمدة السجن، والحكم بسجن 2 من الأمناء خمس سنوات لاتهامهم بالتجمهر وتعطيل زملائهم على تعطيل العمل والإضراب بالمخالفة للقانون.

9 ) مصطلح يطلق على تقارير مراقبة أداء الموظفين السنوية، حيث يعد تقرير سرى عن كفاءة أداء الموظف كل عام، من عدمه، وتحدد درجة مئوية لهذا الأداء ما بين (ضعيفجيدممتاز) ويتم إعلان كل موظف بنتيجة تقريره السنوى.

10 ) أقام المركز المصرى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية دعوى قضائية لمنسق أمناء الشرطة والمتحدث الإعلامى للنادى العام (أحمد مصطفى) القضية 8088 لسنة 64ق طعنا على قرار إنهاء خدمته، ودفع المركز بعدم دستورية هذا النص أمام المحكمة الادارية، وقد أوصت هيئة المفوضين بالمحكمة بإحالة الطعن للمحكمة الدستورية العليا، إلا أن المحكمة لم تستجب لهذا الدفع ولتوصية هيئة المفوضين بها، وتراءى للمحكمة أنه يتفق مع الدستور، ولكنها فى ذات القضية قضت يوم 22/ 12/ 2018 بالغاء قرار لجنة التقييم بإنهاء خدمته وإحالته إلى المعاش وقضت بعودته للعمل بالوزارة مرة أخرى، وأكدت أن القرار يفتقد للمشروعية.

11) تنص المادة 206 من دستور 2014 على أن (الشرطة هيئة نظامية مدنية..) ومن ثم ينطبق على العاملين بها حظر إنشاء نقابات.

اعلان