التنظيمات الثورية والالتزام الفردي: 20 توصية
 
 

تطرح الثورات سؤال التنظيم السياسي باعتباره إحدى العتبات الأساسية التي على أساسها سيتتحدد مسار وبوصلة الثورة؛ أي قدرة الثوار على الانتظام في هيكل تنظيمي ما يسمح لهم بتصعيد ودفع مطالبهم إلى التحقق. ما أن تقوم الثورة حتى تتكاثر التنظيمات السياسية وليدة النشأة واللحظة، وتتفكك التنظيمات السياسية سابقة النشأة واللحظة. فاللحظة الثورية تحمل في طياتها جدلية الانتظام والتشرذم؛ تدفع اللحظة الثورية الأفراد إلى بناء روابط وصلات جديدة، مُتيحة إمكانات للاجتماع والتنظيم لم تكن ممكنة من قبل، بينما هذه الإتاحة تحديدًا هي التي تدفع الأفراد إلى التخلص من الروابط التقليدية التي كانت تربطهم بالتنظيمات. الثورة المصرية لم تكن استثناءً؛ انهار الحزب «الوطني» وتخلخلت قواعد الإخوان التي اندفع شبابها يمينًا ويسارًا على مدى الطيف السياسي، انضم آلاف الأفراد  -المُسيسون حديثًا- إلى عشرات الأحزاب والحركات الجديدة.

تطرح هذه السياقات والأحداث عددًا من الأسئلة؛ أين يقف الفرد من التنظيم؟ وما هي خطوط التماس بين الانخراط والالتزام من ناحية وبين الذوبان والانقياد من ناحية أخرى؟ كيف تدفع الأوساط والدوائر «الثورية» الأفراد إلى تبني مواقف دون الأخرى؟ وما موقع الشِللية من ذلك؟

في عشرين نقطة، وبعنوان «التنظيمات الثورية والالتزام الفردي»، يتقدم «موسيو دوبو» بعدد من التوصيات للثوار؛ عن الانضمام من عدمه، عن طُرق الالتزام الممكنة، عن أسئلة يجب طرحها حين العمل في مجموعة سياسية.

«موسيو دوبو» هو الاسم الذي قرر تبنيّه شخصان إنجليزيان شيوعيان لنشاطهم الفكري المشترك، وهما منذ سنوات مُشتبكان مع الوسط الشيوعي والأناركي في بريطانيا. لا توجد الكثير من التفاصيل عن الشخصين وراء «موسيو دوبو» إلا أن أحدهما كان عضوًا في الاتحاد الأناركي البريطاني، وأنهما تقابلا خلال عملهما كسعاة بريد في شركة «البريد الملكي» من خلال مراسلات استمرت لست سنوات. أما عن تبنيهما لاسم مستعار؛ فيتماشى ذلك مع تقليد طويل من الأسماء الجماعية المستعارة في دوائر طليعية متنوعة في أوروبا. من المثير للاهتمام أيضًا تبني إنجليزيان لاسم «دوبو» الفرنسي تحديدًا، والذي يشار إليه في الأفلام والثقافة الشعبية لوصف «المواطن الفرنسي الوسطي الجميل».

نص «موسيو دوبو» الأشهر هو كتابه «الشيوعية العدمية» والذي يصفه بأنه «نقد التفاؤل عند أقصى اليسار» وهو تجميعة لوجهات نظر شيوعية مناهضة للسلطة، للسياسة وللتنظيم. يمتلك «موسيو دوبو» مشروعًا شيوعيًا جماعيًا مناهضًا للسياسة يهدف إلى القيام بتدخلات مناهِضة للخطاب السياسي المُقَزم لنشاط السياسيين ومهاجمة ما يصفه بالوسط المؤيد للثورة، وهو مصطلح يُستخدم لوصف الأقلية الناشطة من الناس التي ترغب عن وعي وتعمل من أجل الثورة ومناهضة كل أشكال الهيمنة. يسلتهم «موسيو دوبو» مواقفه السياسية من الأناركيين، المواقفيين والماركسيين، كما يربط أفكاره عن الحتمية الاقتصادية للشكل الاجتماعي بمُنظريّن شيوعيّن: بول ماتك وسام روس.

بضع توصيات إلى الثوار من «موسيو دوبو»:

1)   ليس عليك الانضمام إلى أي شيء– حدد أنت شروطك للتفاعل مع الوسط.

2)   اعط فقط ما يريحك إعطاءه.

3)    لا تتسامح أبدًا مع الابتزاز الأخلاقي للمشاركة في «فعل». ردًا على مزايدة النشطاء، قل: «يجب ألا نفعل شيئًا» للانطلاق من موقع مختلف.

4)    لا ترتكز الثورة على مطابقتك لـ «وعي» محدد، لذا لا تشعر بأنك مُلزم بالمعتقدات الراسخة ولا تطلبها من الآخرين.

5)    تنجو كل المجموعات حقًا فقط بعمل فرد أو فردين، لذا إن كنتَ تقدّم أي مساهمة على الإطلاق فأنت تقوم بأكثر من الغالبية –وتكلم دائمًا باسمك وليس المجموعة.

6)    من الممكن أن تكون مناصرًا للثورة وأن تقود حياة عادية؛ لا تهرب إلى الساحل[*]، لا تتبنى شخصية متطرفة، لا تخلط ثقافة الكيف والشبحنة بالثورة.

7)   إذا جربت و«عشت» مُثُلَك السياسية، ستفصل نفسك أكثر عن الناس، حاصرًا بالتالي تجارب ووجهات نظر مشتركة.

8)    حاول أن تُلزم نفسك على المدى الطويل ولكن بمستوى منخفض من الحدة، افهم أن الحماس المبكر سيزول لأن كل ما تفعله يقع على آذان صماء وينتهي بالفشل.

9)   تذكر أن دور الوسط المناصر للثورة ليس القيام بالثورة، ولكن انتقاد هذه الفرقعات التي تدعي الثورية – في كلمات أخرى: علينا  بدفع المسيّسين في اتجاه وعي مناصر للثورة.

10) فقط لأنك في المستقبل ستصبح خائب الأمل ومستنفد، وستعتقد أن مناصري الثورة شمامو كُلة، لا يعني ذلك أن الثورة راحت عليها.

11) تذكر أن الثورة تتخلص من الثوار، لا تمجدهم.

12) ابدأ بنقد كل الشِلل. إذا كنتَ في مظاهرة وتنظر حولك والجميع يرتدون نفس ملابسك وكلهم نفس السن، إذن هناك شيئًا ما خطأ – توقع وجود أجندات خفية ومصالح شخصية.

13) يجب أن توجد المجموعات فقط لتحقيق أهداف معلنة قصيرة المدى. كل المجموعات التي وُجدت لأكثر من خمس سنوات تخطت فترة صلاحيتها.

14) لا تُسحَل في حملات الموضوع الواحد، إلا إذا كنت تريد شخصيًا إصلاحًا معينًا؛ لا يمكن استحضار الثورة من حقوق الحيوانات، وتقنين الحشيش، والسلام.. وإلخ.

15) هناك ميل دوري عند المجموعات لبناء زخم للفعاليات الكبيرة المناهضة للرأسمالية – قاوم هذا، تأمَّل لماذا تحرص المجموعات كل الحرص على الاستعراضات ثم فكر في اليوم التالي لعيد العمال.   

16) عندما يقوم أحد بتصريح، فكر مع نفسك: مَن يتحدث؟ ماذا يقصدون فعلًا؟ ماذا يريدون مني؟

17) العديد من مناصري الثورة لهم وظائف كريمة ويأتون من خلفيات مستريحة ثم يكذبون حولها/ يتبنون أداءات شعبية وإلخ. هم يمتلكون شبكة أمان، هل تمتلكها؟ لا تعط أكثر من اللازم.

18) لا تبحث عن النقاء الأيديولوجي، لا يوجد شيء من هذا القبيل. إذا ناسبك، إذا كان لديك سبب، شارك إذًا كما تريد كفرد في أية مجموعة أو مؤسسة سياسية إصلاحية، طالما لم تعلق عليها أية أهمية «ثورية». وعيك المناصر للثورة يجب أن يبقى منفصلًا عن كل نشاط فردي وسياسي.

19) ليس هناك حاجة للبحث عن «أحداث»، هي ستجدك. بهذه الطريقة، ستُعظّم من تأثيرك لأنك ستكون جاهزًا، وستتصرف بصورة معينة يمكن للأشخاص من حولك التعلم منها، كما في حالات التضامن، وأجواء «نحن وهم» و«كله أو لا شيء».. وإلخ.

20) إن كان يفيد، فكِّر في الموضوع بهذه الطريقة: أنت عميل من المستقبل، يجب أن تعيش حياة طبيعية في الظروف التي وجدتَ نفسك فيها. ربما لا تتحدث أبدًا لأي شخص عن كل ما تفكر فيه، ولكن ذلك لا يهم لأنه عندما يتطلب الموقف، ستكون في موقع لقول كل شيء مناسب لأن ذلك هو تحديدًا دورك (وليس دور أي شخص آخر). أنت تُعَّد للمساهمة طوال الوقت، ويومًا ما ستقوم بشيء، لا تمتلك أدنى فكرة عنه، لكنه سيكون مهمًا.

[1] أشار النص الأصلي إلى «برتون»؛ وهو منتجع سياحي على البحر موجود على الساحل الجنوبي لإنجلترا، 76 كيلومتر جنوب العاصمة لندن. وقد اخترت نقل دلالة المكان بدلًا من الاكتفاء بنقله، وهو ما كان سيفقد الجملة معناها وتأثيرها.

اعلان