مساء الخير.. ما هو تعريف النجاح في البريميرليج؟

جوجل.. ما هو تعريف النجاح Success في البريميرليج؟
النتائج:
1- إحصائيات Isaac Success لاعب واتفورد – Premierleague.com
2- أشهر قصص النجاح في تاريخ البريميرليج – ESPN.com
3- Isaac Success لاعب واتفورد يشعر بالفخر بعد تسجيله لهدفه الأول في البريميرليج بمرمى هادرسفيلد – Goal.com

أسئلة.. أسئلة

مشكلة هذه النوعية من الأسئلة أن طرحها لا يفعل شيئًا سوى إثارة المزيد من الأسئلة، لا توجد إجابة صحيحة، فقط هناك العشرات من الإجابات الخاطئة. نحن لا نعلم ما هو النجاح فعليًا ولكن يمكننا إخبارك عن 100 حالة من اللا نجاح، نحن لا نستطيع تكوين نظرية صلبة قابلة للتكرار والتجربة ولكننا على استعداد لهدم أي نظرية تأتي بها.

طبعًا هذا بالإضافة لأن أية محاولة جادة لتحري الأمر سيقابلها الكثير من المقاومة من المعنيين به، أي المشجعين. تخيل ما سيحدث إن اجتمع زمرة من خيرة العلماء والباحثين والفنيين والتكتيكيين ودرسوا الموسم الماضي، ثم أعلنوا مثلًا أن جوارديولا لم ينجح، أو لم ينجح بالشكل المُتصور، أو أن فوز كونتي باللقب في الموسم الأسبق لم يكن إنجازًا بالنظر للظروف المحيطة.. تخيلت؟ إذًا أنت تفهم ما نقصده.

في ظروف كهذه، أقصى ما ستحصل عليه هو إجابات متحذلقة تتظاهر بالحكمة، إجابات على غرار: «لا نستطيع أن نخبرك بماهية النجاح ولكننا نثق بأنك ستعرفه حينما تراه». هذا أشبه بأن تقول إن الحياة هي التفاصيل الصغيرة، أو أن الحب هو التضحية، أو أن راحة البال هي نصف الرزق، أو أن النجاح هو الشهرة والمال والاحترام، مجرد انطباعات شخصية تحاول إسقاط تجربتها الخاصة على مفهوم واسع جدًا يصعب احتواءه.

فلنعد للأساسيات إذن، طبقًا لمعجم ويبستر الشامل فإن النجاح هو «الوصول للنتيجة المأمولة/ الصحيحة من محاولة ما»، وإذا استخدمنا مهاراتنا في هدم النظريات، فسنكتشف أن هذا التعريف ناقص لسببين رئيسيين؛ أولهما أنه تجاهل كلفة هذا النجاح من حيث الجهد والوقت والمال المبذول، أي نصف الإجابة تقريبًا، ولكن لحسن حظنا أن هذا النصف يسهل تحديده وقياسه، وثانيًا لأنه تجاهل العنصر X.. كل ما يمكن وضعه تحت خانة الحظ والتوفيق والصدفة والظروف، ولسوء حظنا لا يمكن قياس الحظ، ولكن لحسن حظنا أن «باش تير فيل» لا يوافقنا الرأي.

حظوظ

«باش تير فيل» هو عالم اقتصاد هولندي يحب كرة القدم، وعبر متابعته للعبة لأكثر من عقدين تكون لديه رأي مجنون جدًا مفاده أن تحكم الكثير من المدربين في أداء فرقهم محدود جدًا. كان يشاهد الأندية تقيل مدربيها وتدفع لهم مبالغ باهظة نتيجة فسخ التعاقد ويتعجب، ثم يشاهد أداء الفريق يتحسن بعد تعيين المدرب الجديد ويزداد تعجبه، والسبب في رأيه أنه في أغلب الحالات -وليس كلها- لا يتخطى الأمر فترة من الحظ العاثر، والتي ستنجلي حتمًا سواء تغير المدرب أو لا.

كان «تير فيل» يعتمد على مبدأ إحصائي معروف وواضح هو ما يسمى بالـ Regression towards the ordinary. ليس له تعريب يمكنه نقل المعنى بدقة ولكنه يُترجم حرفيًا إلى الانحسار إلى العادي، ومفاده أن أغلب النتائج المتطرفة لأي تجربة تكون مؤقتة بالضرورة، مثل الماء بالضبط، قد يتسبب ظرف طارئ في علوه أو انخفاضه ولكنه حتمًا سيعود لمستواه الطبيعي، وسيبقى فيه أغلب الوقت. لتقريب الأمر يضرب ديفيد سالّي، أحد مؤلفي الكتاب الشهير لعبة الأرقام، مثلًا بمانشستر يونايتد؛ ملعب النادي وجماهيره وتاريخه هي أصول ثابتة تجبره على مستوى معين من المنافسة، بالتالي فإن أي نتائج لا تتوافق مع كل ذلك ستكون مؤقتة حتمًا، وإن كنا نتحدث عن مدرب كبير لا نادي كبير فالأمر ذاته قابل للتطبيق.

بناءً عليه بدأ «تير فيل» تجربته الخاصة؛ جمع إحصائيات أندية الدوري الهولندي في 18 موسمًا متتاليًا؛ من 1986 وحتى 2004، ثم اختار منها نتائج الفرق التي مرت بفترات انخفاض حاد في المستوى وقسمها إلى ثلاثة أنواع بناءً على رد فعل إدارة النادي حيال تلك الفترة؛ الأول هو الفرق التي أبقت على مدربها، والثاني هو الفرق التي أقالته، والثالث هو الفرق التي رحل عنها المدرب باختياره، وتمكن «تير فيل» من إنتاج رسم بياني يوضح خط السير قبل وبعد القرار للأنواع الثلاثة، والنتائج كانت متشابهة إلى حد كبير فعلًا.

إنتائج الفرق قبل وبعد إقالة/رحيل/الإبقاء على مدربيها طبقًا لبحث تير فيل.

طبعًا الأمر يشوبه قدر لا بأس به من الاستنتاج الشخصي، ولكن «تير فيل» تمكن من تعريف الحظ طبقًا لوجهة نظره، وأثناء ذلك استطاع تفسير الظاهرة المتكررة التي تحدث دائمًا في مثل هذه الحالات، مثل الارتفاع المفاجئ في مستوى بعض اللاعبين بعد إقالة مدرب ما، أو حقيقة أن كل الفرق تمر بفترات من انعدام التوفيق أمام المرمى وتؤثر بالسلب على نتائجها، وبالتالي إن كانت النتائج السلبية مفاجئة أو مؤقتة أو غير متوافقة مع ما هو متوقع وطبيعي بالنسبة لكل حالة، فإن تغيير المدرب لن يأتي بالجديد، بل في بعض الحالات قد يجلب أثرًا عكسيًا.

ليو الحرّاق

نُشر بحث «تير فيل» في «بي بي سي» عام 2013 وأثار ضجة لا بأس بها، وبعدها بعام واحد استعان به جوناثان ليو أحد أفضل الكتاب الرياضيين في إنجلترا للإجابة عن السؤال؛ من هو المدرب الأنجح في البريميرليج؟

بالنسبة للمشجعين فإن المقاييس تختلف من واحد إلى آخر، بعضهم مثلًا يرى أن الوصول لدوري الأبطال أهم من الفوز بكأس محلية لا تجلب الكثير من الأرباح والدعاية، وبعضهم يرى أن المراكز الأربعة الأولى لن تُسجل في التاريخ مثل لقب الكأس، ومن هنا قام بحث ليو على 3 عوامل رئيسية:

1- سيتم استبعاد الكؤوس والاعتماد على الأداء في الدوري فقط خلال آخر 5 مواسم، كونه المسابقة الأكثر عدلًا واستمرارية.
2- بما أن المقارنة ستتم في الدوري، فإن أداء كل مدرب سيُقاس بعدد النقاط في المباراة الواحدة Points Per Game أو PPG.
3- لتجنب ألاعيب الحظ، سيستعين ليو ببحث «تير فيل»، وبالتالي سيتم تقييم كل مدرب مقارنة بالفترة التي سبقت توليه المسئولية والفترة التي تلتها، وبالتبعية سيتحدد نجاح كل مدرب بناءً على الفرق بين هذا وذاك.

النتيجة: فيرجسون تصدر القائمة، وتلاه مارتن أونيل في أستون فيلا ثم هاري ريدناب مع توتنهام ورافا بينيتز مع ليفربول.

جدول ليو لأنجح مدربي البريميرليج 2009-2014.

أول ما تلاحظه في الجدول أنه يفند أسطورة شائعة للغاية بين مشجعي اللعبة؛ بأن العمل مع الأندية الكبيرة أكثر سهولة من الصغيرة، بينما الحقيقة غالبًا ما تكون العكس، ببساطة لأن هامش التحسن المتاح يتناسب عكسيًا مع موقعك في الجدول، كلما ارتفعت كلما كان التحسن المطلوب أقل كمًا وأصعب كيفًا. عادةً يتخيل جمهور اللعبة أن تواجد لاعبين كبار وأكاديمية مميزة ورواتب ضخمة يسهل العملية في القمة، ولكن كل هذه الكماليات تعد من البديهيات في هذا المستوى ومتوفرة لكل منافسيك بدرجات متقاربة. الأمر كله شبيه بعملية الترقي في الوظيفة، إن كنت تعمل في مكتب محدود بعدد قليل من الموظفين فإن جهودك ستكون أكثر عرضة للملاحظة، والعكس بالعكس، وبغض النظر عن حجم مكتبك وحسابك في البنك وعدد مساعديك.

هل وصلنا للحقيقة إذن؟ ليس بالضبط، لأن المعيار الوحيد الذي استخدمه ليو، ورغم وجاهته، ما زال ناقصًا بدوره مثل تعريف ويبستر، لأن فارق النقاط قد يكون راجعًا لعدد كبير من الصفقات أبرمها هذا المدرب ولم تتح لخلفه مثلًا، أو لأنه منح وقتًا أكثر من غيره، أو لأي سبب آخر لم يدخله ليو في المعادلة. ما فعله «تير فيل» أنه قام بقياس العنصر المجهول، وما أضافه ليو هو قياس عنصر واحد من العناصر المعلومة، ولكن التجربتين وضعتا قدمًا على الطريق الصحيح على الأقل.

يحدث في البريميرليج فقط

فلنعد للوقت الحاضر والبريميرليج الذي ما زال يحظى بقدر ما من المنافسة على عكس أغلب دوريات أوروبا الكبرى، ورغم ذلك، وحتى مطلع نوفمبر الماضي كان هناك عدد من الإحصائيات المرعبة؛ مثل حقيقة أن الستة الكبار في إنجلترا حصلوا على 109 نقطة من أصل 125 أمام باقي فرق الدوري، أي أن ليفربول وسيتي وأرسنال وتشيلسي وتوتنهام ويونايتد كانوا قد فقدوا 16 نقطة فقط مجتمعين في أول ثلاثة أشهر من عمر المسابقة، مع التنويه أن نصيب يونايتد وحده هو نصف هذا العدد، أي أن هناك 5 فرق في مقدمة الجدول فقدت 8 نقاط فقط مجتمعة.

هذا أصبح مستوى التنافس في الدوري الأكثر تنافسية، وهناك نظرية دارجة لها قدر من الوجاهة تقول إن السبب في تفجر الوضع هو دوري ليستر الذي أشعر الكبار بالتهديد، وأجبرهم على مزيد من التحسن والإنفاق في سوق الانتقالات حتى لا يتعرضوا لهذه المهانة مرة أخرى، والنتيجة أنه بعد ثلاثة أعوام من فوز الثعالب باللقب كان الفارق ما بين بيرنلي السابع وسيتي المتصدر قد وصل إلى 46 نقطة بنهاية الموسم، وفقط نصف هذا الرقم كان يقف بين بيرنلي وويست بروم متذيل الترتيب.

الستة الكبار، ثم فجوة كبيرة نسبيًا، ثم باقي الدوري، لدرجة أن الستة الكبار كانوا الوحيدين الذين أنهوا الموسم بفارق أهداف إيجابي في الجدول كله. هذه الصورة تكتمل عندما تعلم أنه في العقدين الأخيرين تُوج 8 أندية فقط بإحدى بطولتي الدوري أو الكأس، وفي العقدين السابقين كانوا 11، وقبلها كانوا 17. بطريقة ما تراجعت التنافسية بانتظام رغم عقود البث الخرافية وحصول كل الأندية على نصيب شبه متساوي من الكعكة.

في ظروف كتلك، يصبح السؤال أكثر صعوبة مما هو عليه. كيف يمكننا تقييم نجاح أو فشل أندية مثل أرسنال وتوتنهام وحتى ليفربول في حال لم يحصوا على البطولة؟ بل كيف يمكن تقييم أندية مثل إيفرتون وويستهام وساوثامبتون؟ كيف سيتم الترويج لحقبة كلوب إذا فشل في الحصول على البريميرليج؟ وهل لو فاز بوتشيتينو بلقب الكأس مثلًا ثم أنهى الموسم خارج الأربعة الأوائل سيتم اعتباره موسمًا ناجحًا أم العكس؟ ما هو المطلوب من إيمري بالضبط مع مالك مثل كرونكي وإدارة قضت السنوات الأخيرة في خداع الجماهير؟ هل يعقل أن يكون النجاح الوحيد لكل هؤلاء هو الفوز بالبطولة؟ هل من المنطقي أن ينتج لنا البريميرليج أو أي دوري آخر ناجحًا واحدًا كل موسم و19 فاشلًا آخرين؟

هنا تكتشف الأسطورة الجماهيرية الثانية التي فندها جدول ليو؛ أي اعتبار مرادف النجاح الوحيد هو تحقيق البطولة. هذا هو التعريف الأكثر غوغائية وعشوائية على الإطلاق في كل التعريفات السابقة، ولكنه الأكثر انتشارًا وسيطرة على المشهد، ببساطة لأنه يتوافق مع العنصر الأهم في كل ما سبق؛ لغة التواصل.

هخات

لغة التواصل الحالية بين المشجعين ليست معدة لاستقبال جداول ليو أو نظريات تير فيل لأن مفرداتها تعجز عن ذلك. هذه هي المشكلة؛ أننا، كمشجعين، لا يعنينا تعريف النجاح الحقيقي فعلًا، وتفاهُمنا ونقاشاتنا مقصورة على الأبجديات التي يسمح بها الفضاء الافتراضي و«ما بقراش بوست أكتر من سطرين»، و«ليه أكتب لما ممكن أحط إيمودجي أو فوتوكومنت»، بالتالي نحن لا نتحدث في أي شيء لا يخضع لهذه القواعد، أو الأسوأ، نحن نحاول إخضاع كل شيء لهذه القواعد، وغالبًا ما تكون النتائج التي نحصل عليها معيوبة ومحرفة وغير صالحة للاستخدام الآدمي رغم منطقيتها بالنسبة لخوارزميات فيسبوك وتويتر وجوجل، نتائج تبدو على علاقة بالموضوع ولكنها في الحقيقة عبارة عن سلسلة من الهخات ثقيلة الظل، بالضبط مثل أن تسأل جوجل عن تعريف النجاح في البريميرليج فيأتيك بإحصائيات Isaac Success.

هذا يظهر بوضوح كلما تعرضنا لموضوع مركب مثل تعريف النجاح في البريميرليج. منذ عدة أشهر مثلًا كتب دانييل ستوري لـ Four Four Two عن قصة نجاح بوتشيتينو، مستعينًا ببعض الإحصائيات غير الدارجة وقتها، مثل حقيقة أن الرجل جمع ثالث أكبر عدد من النقاط في البريميرليج منذ توليه المسؤولية في توتنهام، وأنه في نفس الفترة قام السبيرز بأربعة تعاقدات فقط أكثر من 20 مليون باوند بينما قام ليفربول ومانشستر يونايتد وسيتي وتشيلسي بـ  58 تعاقدًا مجتمعين، إلى جانب كونه الفريق الأكثر مشاركة باللاعبين في نصف نهائي كأس العالم الماضية، وكونه الفريق الذي تعرض لأكبر كم من الإصابات بعدها بين دوريات أوروبا الخمسة الكبرى، وطبعًا إنهاءه موسم الانتقالات الصيفي وهو الفريق الوحيد في القارة الذي لم يُجرِ أي تعاقد على الإطلاق.

نفس الأمر يمكن تطبيقه على كلوب والعديد من المدربين بتفاصيل مختلفة. طبعًا هناك حد أقصى من الوقت يمكن منحه لهذا أو ذاك قبل أن يُطلب منهم الاستفادة من الطفرة الهائلة التي حققوها بأنفسهم، لا أحد يمكنه القول أن البطولات غير مهمة، أو أن الألماني والأرجنتيني ليسا مطالبين بواحدة منها على الأقل قبل الاستمرار لموسم آخر، ولكن هذا أمر، واعتبار النجاح الوحيد لأي منهما هو تحقيق البريميرليج أمر آخر كليًا، لأنه حتى لو رحل الثنائي عن ليفربول وتوتنهام بنهاية الموسم الحالي دون أي لقب فإن ما أنجزوه كفيل تمامًا باعتبارها فترة فائقة النجاح، والنظر إلى تفاصيلها قد يجعلها في نفس قيمة الحصول على اللقب في عدد من الأعوام الأخيرة.

مفاجأة، لقد وصلنا إلى تعريف النجاح في البريميرليج دون أن ندرك؛ النجاح هو التحسن في المطلق، ولكن يجب تنسيبه لباقي العناصر بالبديهة، سواء كانت معلومة وقابلة للقياس، مثل الوقت والمال والجهد، أو كانت مجهولة وتستدعي الاستنتاج، مثل الحظ والصدفة والفرص المتاحة.. مساندة إدارة النادي مهمة لنجاح المدرب، القرعة في بطولات الكأس وحتى الدوري تلعب دورًا ولو بسيطًا في نجاح المدرب، الحالة التي تسلم عليها الفريق تلعب دورًا في نجاح المدرب، التحكيم في مباريات خروج المغلوب وغيرها يلعب دورًا في نجاح المدرب، والإصابات تلعب دورًا في نجاح المدرب، وقياس كل ذلك يحتاج لوقت ومجهود لا بأس به، وليست مشكلتنا أو مشكلة أي مدرب أن هذه التفاصيل غير قابلة للإقحام في 280 حرف أو بوست من سطرين أو فوتوكومنت.

اعلان