على أعتاب عام من «مسيرات العودة».. ما الذي تغيّر في غزة؟
 
 

«كنت في الحادية عشر من عمري عندما خرجت وعائلتي هاربين من القصف الذي استهدف قريتنا قاصدين الجنوب نحو قطاع غزة. كنت أنظر خلفي وأرى العشرات من جيراننا وأقربائنا وقد حذو حذونا وعلى وجوهم نظرات خوف وحزن عميق، لم أستطع نسيانها إلى اليوم».. هكذا يبدأ الحاج الثمانيني رجب بدر الشهير بـ «أبو فتحي» حديثه لـ «مدى مصر» وهو يرقب المتظاهرين يقتربون رويدًا رويدًا من السياج الفاصل مع الأراضي المحتلة عام 48.

«منذ ذلك اليوم، وتحديدًا منذ سبعين عامًا، عشتُ فيها لاجئًا في غزة وأنا أحلم بعودتي إلى قريتي. لم يمت الأمل في قلبي أبدًا. كنتُ أسمع عن مسيرات يقيمها فلسطينيون ونشطاء تنطلق في داخل الأراضي المحتلة عام 1948 نحو القرى أو البلدات التي هجر منها سُكّانها وطُردوا خلال سنوات النكبة وما بعدها، وكنتُ أتمنى لو يحصل مثل ذلك في قطاع غزة، ولذلك عندما علمتُ بشأن الدعوات لمسيرات العودة على الحدود الشرقية للقطاع، حملتُ عكازي واتجهت إلى هناك».

شكلت مسيرات العودة في قطاع غزة، منذ انطلاقها في 30 مارس 2018، مسارًا جديدًا لمقارعة الاحتلال الإسرائيلي اتسم في معظمه بالطابع السلمي، الهادف إلى إيصال رسالة إلى العالم بحق الشعب الفلسطيني بالحياة، وأيضًا تشكيل ورقة ضغط على إسرائيل من أجل تلبية مطالب الغزيين المحاصرين.

ومع تخفيف بعض من وطأة الحصار بينما يستمر الانقسام ما بين السلطة الفلسطينية في الضفة  الغربية وحركة «حماس» الحاكمة للقطاع، استمرت المسيرات مع بعض التراجع والتساؤل حول ما تحاول تحقيقه الآن.

فلا يزال آلاف الفلسطينيين يتوجهون كل جمعة إلى الحدود الشرقية لقطاع غزة، منهم من خرج للتظاهر بدافع المطالبة بحقه بالعودة إلى أرضه المحتلة عام 1948، ومنهم من ذهب ليطالب بكسر الحصار المفروض على قطاع غزة منذ نحو 12 عامًا. فيعاني القطاع منذ عام 2007 حصارًا خانقًا، جعل أكثر من مليون ونصف فلسطيني يعيشون تحت خط الفقر، الأمر الذي أدى إلى تضاءل القوة الشرائية وإغلاق المصانع والمتاجر بشكل يومي.

على مدار نحو 10 شهور منذ انطلاق هذه المسيرات، تنوعت أدوات المتظاهرين بين مَن يحمل العلم الفلسطيني، ومَن يرمي بحجر على الجنود الإسرائيليين المتمركزين على السياج الفاصل بين قطاع غزة والأراضي المحتلة، ومَن يشعل البالونات الحارقة أو الإطارات المطاطية.

يكمل أبو فتحي وهو ينظر إلى الجموع المحتشدة بالآلاف على الخط الشرقي لمدينة غزة والمعروف محليًا بمنطقة «ملكة»: «هناك على الجانب الآخر أراضينا المحتلة، هؤلاء الشباب جاؤوا إلى هنا، وهم لم يرَوا هذه البلاد، فكيف بي أنا الذي وُلدتُ فيها، لا تهمني السياسة ولا ما يحدث فيها. أتيتُ هنا لأشارك هذا الجيل الجديد المطالبة بحق العودة إلى الأراضي التي هجرنا منها».

يبدو المكان هنا وكأنه ساحة حرب، أدخنة الإطارات المطاطية تغطي السماء، وآلاف المتظاهرين يركضون هنا وهناك، ورائحة الغاز المسيل للدموع تملأ المكان، وبين الفينة والأخرى يُسمع صوت طلق ناري أو انفجار قريب، وبعدها صراخ أحدهم وهو يتلوى على الأرض بينما رفاقه يهبون نحوه لحمله إلى أقرب سيارة إسعاف. لامجال للمزاح هنا، فهذه البقعة هي بقعة خطر.

رغم ذلك يقف شيخ لا يكاد يقوى على المسير يحمل حجرًا ويرميه بكل قوة تجاه الجنود، أو تسمع صوت فتاة تلف علم فلسطين حول عنقها وهي تصرخ بأعلى صوتها: «راح نرجع ع بلادنا غصب عنكم»، أو سيدة توزع زجاجات المياه على المتظاهرين غير آبهة بعدسات القناصة الإسرائيلية الموجهة نحوها.

طوال الأشهر الماضية كان يزن، الشاب العشريني، يذهب على قدميه كل جمعة برفقة أصدقائه إلى الحدود الشرقية لمخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة، يضع على كتفيه علم فلسطين، ويحمل بيده كيسًا من الحاجيات الضرورية لهذه المهمة، كقناع يدوي الصنع ليحميه من قسوة الغاز المسيل للدموع الذي يطلقه جنود الاحتلال بكثافة على المتظاهرين، ومقلاعًا صغيرًا وغير ذلك من الأدوات البسيطة التي يستخدمها الشباب المتظاهرين عادة.

يقول يزن لـ «مدى مصر»، وهو يهم لالتقاط حجر ليقذفه باتجاه الجنود: «كم أفرح بذلك الحجر الذي رميته وأن أراه قد وصل إلى الجانب الآخر، نحن هنا لسنا لنقاتل فقط، نحن هنا لنشعر بأننا أحياء».

أما انتصار أبو حسنين، فهي لن تنقطع عن المشاركة في المسيرات منذ بدأت قبل ما يقرب من 10 شهور، فتقول لـ «مدى مصر»: «آتي إلى الحدود كل جمعة لأشعر بالحياة، فالتواجد هنا أصبح بالنسبة لي ولعائلتي طقسًا اسبوعًا».

وتتابع: «مهما هدد الاحتلال بشنّ حرب جديدة على غزة إذا لم تتوقف مسيرات العودة، فالشعب لن يستطيع العودة إلى الوراء أبدًا، لقد خرج الآلاف ليطالبوا بحقهم في الحياة، والعودة عن ذلك سيكون أشد وطأة من ذي قبل».

الهدنة في مقابل المسيرات

قبل ذلك، شعرت حركة «حماس» بوطأة الضغوط عليها، من أجل تحقيق بعض النتائج الملموسة في مواجهة الخسائر الكبيرة في عدد القتلى خلال الاحتجاجات، بحسب تصريح مصدر مُقرب من الحركة لـ «مدى مصر». ووفقًا لإحصاء أصدرته وزارة الصحة الفلسطينية، منتصف الشهر الجاري، قتل الجيش الإسرائيلي 221 فلسطينيًا خلال «مسيرات العودة» و«انتفاضة القدس». وقُتل أحد المشاركين في المسيرات يوم الجمعة الماضي.

وانقسمت الآراء داخل قيادة «حماس» بعد بدء المسيرات وحدوث مصادمات مع قوات الاحتلال، فظهر رأي يريد دخول «كتائب القسّام»، الجناح العسكري للحركة، في مواجهة مباشرة ضد إسرائيل، وبين رأى آخر يرغب في إبقاء الجناح العسكري على أهبة الاستعداد لحين تحقيق أهداف الاحتجاجات. وأتاح تدخل مصر، بعد ذلك بوقت قصير، لقيادة «حماس» خيارًا ثالثًا: احتواء الاحتجاجات في مقابل المساعدات. فقد سعت القاهرة إلى توقيع اتفاق تهدئة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، من شأنه أن يرفع جزئيًا الحصار المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من 11 عامًا، منذ تولي  «حماس» زمام الحكم في غزة عام 2007، يتضمن إدخال مزيد من الدعم الإنساني إلى القطاع المحاصر. في المقابل، فإن مسيرات العودة وكسر الحصار الحدودي، ستلتزم بطابعٍ سلميٍ بشكل كامل.

وعلى ذلك، تدفقت بعض الأموال والكهرباء والوقود على غزة في الأسابيع الأخيرة على خلفية اتفاق بوساطة مصرية؛ ألزمت حركة «حماس» بتهدئة المسيرات الأسبوعية على الحدود. في المقابل، سمحت إسرائيل بزيادة دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع الساحلي المُحاصر.

اختلف شيء في الاحتجاجات بعد ذلك. في شرق القطاع، تنحّت مجموعة من المُحتجين بعيدًا عن فعاليات الجمعة رقم 33 من مسيرات العودة، وجلسوا على مسافة من المظاهرات والخيام. لا يحملون أي لافتات أو يرفعون شعارات. يكتفون بمشاهدة فعاليات مسيرة العودة الكبرى، يبدون  منفصلون تمامًا عن الأحداث.

سأل «مدى مصر»، عبد الله، أحد المُحتجين الجالسين في شرق غزة، عن مدى تغير الأوضاع، فقال «لقد اعتدنا أن نأتي إلى هنا أسبوعيًا، لنجتاز السياج الأمني، ونشعر بالانتصار عند عودتنا. أما الآن، لا يمكننا اجتيازه مرة أخرى. وقررنا الاكتفاء بالجلوس».

ينهض أحد الجالسين بجواره، ويخاطبه قائلًا: «هيا بنا، لا يوجد ما نفعله هنا. سأعود إلى منزلي. هل ستأتي أم ستظل جالسًا؟

يطرق عبد الله برأسه، ثم يقذف حجرًا صغيرًا، كان يقبض عليه، إلى الأرض٬ ويقول لصديقه: «سآتي معك».

يشير أحمد، أحد المشاركين في الاحتجاجات، إلى التل الذي تمركز قناصة إسرائيل أعلاه من قبل، ويقول: «اعتدنا على مهاجمة الجنود خلف ذلك التل، وكنا نحتمي بالسُحب السوداء التي تنبعث من إطارات السيارات المُحترقة، ونعود عند وصول التعزيزات [الإسرائيلية] إلى سفح التل». ويضيف: «أطلقوا علينا الرصاص منذ عدة أسابيع ونحن على مقربة من السياج الأمني، وأُصيب صديقي برصاصة، ارتدت من الأرض واخترقت ذراعه. أما الآن، كما ترى، نحن على مسافة بعيدة عن السياج».

ومع ذلك، يرى أحمد أن المظاهرات أصبحت جزءًا من روتينه الأسبوعي. «لقد أتيتُ إلى هنا كل يوم جمعة، منذ المسيرة الثالثة. المظاهرات جزء هام من طقوس الجمعة بالنسبة لي. أستعد بعد تناول الغداء، وأنطلق مع صديقين إلى الحدود».

من جهة أخرى، عندما توقف السفير القطري محمد العمادي عند نقطة تجمع للمحتجين في شرق غزة، أحاط المحتجون بسيارته.

لم يكن العمادي، الذي تدفقت أموال بلاده إلى القطاع كجزء من اتفاق تخفيف الحصار في مقابل تخفيف المسيرات، وهي الأموال التي يعتبرها البعض أحد مصادر التباعد الفصائلي بين «حماس» والسلطة الفلسطينية، هو سبب غضب المُحتجين، ولكن من الاتفاق السياسي المفروض عليهم. هتفوا حول السيارة: «بلا سلمية بلا بطيخ.. بدنا ضارب صواريخ»، وتداخلت هتافاتهم مع هتافات أخرى تطالب بمهاجمة القوات الإسرائيلية على الشريط الحدودي. كما انطلقت الهتافات بين مُحتجي شرق غزة: «لم نأت من أجل البنزين أو الدولار، أتينا لرفع الحصار».

يقول سيد (26 عامًا): «لن أتوقف عن المشاركة في المسيرات، أبدًا». موضحًا: «صحيح أن الرواتب أصبحت أفضل، والكهرباء على خير ما يُرام، ولكن يجب ألا نتوقف عن الاحتجاجات الآن».

يشعر سيد أن إسرائيل تستطيع منع دخول البضائع والمحروقات إلى القطاع في أي لحظة، ولهذا يُعتبر أي توقف للمسيرات سيكون «مُميتًا». ويُفسر حرصه على اصطحاب أسرته إلى المسيرات بضرورة كثافة المشاركة من أجل زيادة الضغط على إسرائيل.

التقى «مدى مصر» بموظفين في «حماس»، للوقوف على موقف الحركة من التهدئة، خاصة بعد حصول بعضهم على متأخرات رواتبهم بعد الاتفاق على تخفيف الحصار بوساطة مصرية. حصل عبد الرحيم على كامل راتبه الشهر الماضي، بعد أن كان يحصل على  60% من الراتب كل 40 يومًا. ويخبر «مدى مصر» أنه يشعر أن المسيرات حققت له ولأسرته أكثر مما كان يتمنى.

ويقول بابتسامة عريضة على وجهه: «لم أمُسك مثل هذا المبلغ الكبير في يدي منذ وقت طويل، أرغب في بعض الراحة». يضحك ثم يضيف: «أشعر أن التضحيات أثمرت، وأتمنى أن أحصل على راتبي كاملًا في المستقبل. لقد سئمت من الحصول على 60% من الراتب، والانتظار لمدة 40 يومًا لحين وصول المرتبات». ثم تتلاشى ابتسامته.

وعند سؤاله إن كان سيشارك في المسيرات مرة أخرى أم لا، يقول عبد الرحيم: «ربما، إذا تأخّرت الرواتب مُجددًا. ربما أفكر في المشاركة مرة أخرى. أما الآن، ينوب من يذهبون إلى الشريط الحدودي أسبوعيًا عن الجميع».

أما يوسف، فقد حصل على نسبة فقط من راتبه بعد دخول الأموال القطرية إلى قطاع غزة، وأخبر «مدى مصر» أنه يرفض المشاركة في المسيرات مرة أخرى، على الرغم من علمه بعدم تحقق كافة المطالب.

ويضيف: «تعرضت لبضع تهديدات، لعدم مشاركتي في المسيرات، ولكنني أعتقد أنهم أخطأوا في تهدئة الاحتجاجات، خصوصًا وأننا كنا نحصل على نصف رواتبنا فقط، ولا زلنا نتقاضى النفس المبلغ. الشيء الجيد الوحيد هو انتظام صرف الرواتب شهريًا».

في المسيرة يقف رجل بساق واحدة، مُتكًأ على عُكاز بين المُحتجين الذين يهتفون. وعند سؤاله عن سبب حزنه، أجاب: «لستُ حزينًا. أنا سعيد إلى حد ما بما تحقق من مطالب حتى الآن، ولكن هل فقدت ساقي اليسرى من أجل هذا فقط؟ أي شيء أقل من تحويل غزة إلى جنة، لا يستحق العناء».

لا تصالح

لم تكن الهدنة مع إسرائيل السبب الوحيد في حدوث بعض تراجع المسيرات.

منذ اليوم الأول لمسيرات العودة وكسر الحصار، أعلنت الفصائل الفلسطينية دعمها لهذا الحراك السلمي، ودعت المواطنين إلى المشاركة فيه بأكبر قدر ممكن، ومن أجل تحقيق ذلك تم تشكيل الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة التي تضم بين أعضائها مختلف التيارات الوطنية، ونشطاء حقوقيون، ووجهاء، وغير ذلك.

يقول عصام حماد، عضو الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار: «إن الاحتلال حاول بشتى السبل إيقاف مسيرات العودة، بداية بسياسة الترغيب وتقديم بعض العروض على غرار تخفيف الأزمة الإنسانية التي يعانيها سكان قطاع غزة، وزيادة عدد ساعات الكهرباء، وإدخال كميات إضافية من الوقود، وعندما لم يفلح في إبعاد هذه المسيرات عن أهدافها المشروعة، ولا حتى إيقاف مدها، هدد بالتعامل بوحشية مع المتظاهرين، وبالفعل لم يدخر جهداً في قمع المشاركين».

ويضيف حماد أن زخم المشاركة في هذه المسيرات لا يزال متواصلًا وحتى إن شهدت بعض التغييرات في أساليبها خلال الأسابيع الماضية، وعلى الرغم من تهديدات عديدة أطلقها الجيش الاسرائيلي في الفترة الماضية حاول من خلالها إيقاف هذا المد الشعبي.

مع تشكيل الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة بدا وكأن هناك اتفاق من الفصائل على أهمية هذه المسيرات، ما اعتبره البعض خطوة أولى على طريق تحقيق المصالحة الفلسطينية، وبداية الخروج من دوامة الصراع الفلسطيني الفلسطيني المستمرة منذ 12 عامًا بدأت بفوز كاسح نالته حماس في انتخابات تشريعية وحيدة جرت في 2006.

لكن مع ازدياد المناوشات السياسة في الآونة الأخيرة بين حركتي فتح وحماس، خاصة بعد فشل مفاوضات القاهرة في عقد المصالحة وتعنت الحركتين في مطالبهما، وابتعاد الوصول إلى حل ينهي الحصار على غزة، تضاءل هذا الأمل كثيرًا.

وكانت السلطة الفلسطينية قد قررت سحب كافة موظفيها وعناصرها من معبر رفح في مطلع العام، بالإضافة الى قرار المحكمة الدستورية في رام الله بحلّّ المجلس التشريعي الفلسطيني، الذي تحظى فيه حماس بالأغلبية، وما تلى هذا القرار من اعتقالات سياسية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، كما أعلن رئيس السلطة، محمود عباس، في مطلغ العام، أن إصرار حماس على مناوئة السلطة الفلسطينية قد يدفعه لوقف التحويلات المالية الشهرية إلى القطاع.

و من هنا، أصبح الكثيرون يشككون في مدى جدوى المسيرات. «مازن»* يقول لـ «مدى مصر»: «كنت أذهب أنا وابني إلى هذه المسيرات عندما بدأت، لكن منذ أن بدأ الحديث عن مفاوضات تجرى في القاهرة بشأن الوصول إلى هدنة طويلة الأمد، والتي على إثرها توقفت مسيرات العودة نسبيًا، ثم ما لبثت أن اشتعلت الأمور مرة أخرى بعد فشل هذه المفاوضات نتيجة الانقسام السياسي بين حركة فتح وحماس، توقفت عن المشاركة في هذه المسيرات».

أما أحمد فكان له رأي آخر، يقول لـ «مدى مصر»، وهو يبتسم وينظر لساقه المصابة جراء استهداف قناص إسرائيلي له على الحدود الشرقية لمدينة خان يونس جنوب غزة: «لا يمكن أن يتحكم في كل هذه الحشود فصيل سياسي أو آخر، وحتى إن كان ذلك فلن يكون لكل تلك المدة الطويلة. الذين خرجوا إلى هذه المسيرات، خرجوا من أنفسهم ودون ضغط من أحد».

يكمل: «أغلب الذين ذهبوا إلى هذه الحدود هم من الشباب، هؤلاء لا يتحركون بإشارة من أحد، هم جاءوا لأنهم ذاقوا معاناة الحصار في غزة، وألم البطالة والفقر، جاءوا ليدقوا جدران الخزان» ، مستشهدًا بمقولة فلسطينية «ثوروا فلن تخسروا سوى القيد والخيمة».

وعند سؤاله عن ساقه المصابة، أجاب وهو يبتسم بالعامية: «فدا هالوطن»، ثم يردف قائلًا: «كنتُ قد تأهبت أنا ورفاقي في الجمعة الثانية لمسيرات العودة من أجل احراق بعض الإطارات المطاطية، التي قمنا بجمعها من كل مكان بالمدينة».

«كنتُ متحمسًا جدًا، وأنتظر بفارغ الصبر الموعد المحدد المتفق عليه لإشعال هذه الإطارات، وعندما حان الوقت لففت علم فلسطين الذي كان على كتفي حول وجهي وحملت شعلة واتجهت صوب المنطقة التي وضعت فيها الإطارات، كانت تبعد أقل من 100 متر عن السياج الفاصل، لكن قبل أن أصل إلى هناك باغتتني رصاصة قناص أصابتني في قدمي».

يتابع: «أحمد الله أن الإصابة لم تؤد إلى بتر قدمي، لكنها أجبرتني على ملازمة الفراش عدة أشهر، والآن بعد أن التئم الجرح قليلًا عدت لأشارك المتظاهرين على الحدود».

يضيف يزن فيقول: « الشباب في قطاع غزة عاني الكثير على مدار أعوام الحصار، لا حياة هنا في غزة، نحن هنا محاصرون من الجهات كافة، من إسرائيل ومن أحزابنا، ومن انقسامنا. لم يبق لنا أي سبيل إلا المشاركة في هذه المسيرات لعل العالم يسمع آهاتنا وصرخاتنا ويتحرك لانتشالنا من هذه الحياة الصعبة».     

وعند سؤاله عن مدى رضاه عن تعامل الأحزاب السياسية مع مسيرات العودة يجيب يزن: «أنا لم آت هنا لأن حزبًا دعاني لأشارك، أنا أتيت لأن لدي حق بالحياة، وجئت لأطالب به. أحزابنا لم تجلب لنا سوى الانقسام الأسود».

«أحزابنا ضيعت القضية بانقسامها، لذلك لا يهمني رأيهم مهما كان، أنا هنا لأني أريد أن أرى أرضي مرة أخرى قبل أن أموت، لا أعلم متى سنعود إلى تلك الأراضي، لكني أؤمن أن الجيل الجديد سيعود إليها».. هكذا ينهي كلامه أبو فتحي.

* اسم مستعار

اعلان
 
 
أحمد جمال شحادة 
ثائر أبو عون