بالأدب.. «الطابور» تستلهم الثورة
 
 
المصدر: من صفحة دار نشر المحروسة على فيسبوك
 

«..وجد عددًا من الأطباء الجدد يتناولون أكواب الشاي والقهوة على صوت الراديو. توقف لدقائق مستمعًا. كانت مذيعة محطة الشباب تحاور ضيفتها تليفونيًا على الهواء، وتسألها عن حال أبنائها الطلاب، وقد راحت مرة بعد مرة تمتدح أخلاقهم القويمة الجديرة بالاقتداء، التي ألهمتهم عدم الخروج من البيت وقت اندلاع «الأحداث المشينة» وحمتهم من الانسياق وراء الأكاذيب أو المشاركة فيها.. [كان قد] تجمع هؤلاء الأشخاص، وراحوا يحتجون ويشاغبون بالقرب من الساحة. كان عددهم متوسطًا وأعمارهم متفاوتة، لكن أصواتهم علت بشدة مجاهرة بالعصيان، ومنددة بتعديات البوابة واستبداده، رددوا شعارات حالمة بعيدة عن الواقع، أسمعه إياها واحد من أطباء المستشفى، هتافات كانت تنادي بزوال البوابة وما يحيط بها».

هكذا صورت الروائية بسمة عبد العزيز في الصفحات الأولي لروايتها «الطابور» انطلاق ثورة يناير 2011 وردة فعل المواطنين الذين التفتوا ليجدوا في ميدان التحرير شبابًا ينادي بالحرية بينما اُستدعيت آليات الإعلام للشحن ضد الثورة، ومَن يقومون بها، فوقفوا حائرين، لا يعلمون يقينًا كيف يقرأون المشهد أمامهم.

كتبت بسمة «الطابور» بين سبتمبر 2012 ونوفمبر من العام نفسه لتصدر في يناير 2013 وتحصد ترجماتها للإنجليزية، ثم الإسبانية وأخيرًا الإيطالية الجوائز.

وفي  الشهور الأخيرة من العام الماضي، كانت الكاتبة قد شهدت احتفاءً مستمرًا بـ «الطابور» من خلال مشاركتها بقراءات في عدد من المؤتمرات الأدبية للرواية التي أعادت دار «المحروسة» إصدارها في 2018.

«الطابور» كما قالت بسمة في حديث مع «مدى مصر» هي «رواية ثورة يناير كما رأتها تندلع وكما شاركت بها، ولكنها أيضًا رواية إرهاصات الثورة كما رأت تشكُّل جنينها في احتجاجات اقتصادية واجتماعية عرفت في عامي 2009 و2010 باحتجاجات رصيف مجلس الوزراء» والتي وصفها الإعلام الموالي للنظام وقتها بـ «الاحتجاجات الفئوية».

وبحسب بسمة عبد العزيز، فإن «الطابور» رواية كل الثورات التي اندلعت شرارتها الأولى من رحم الشعور بالغبن والتي تصدى لها البعض وأرادها البعض الآخر، لكنه خشي أن يكون في صفوفها الأولى بينما تفاعل البعض معها بما يفيده. أبطال الطابور بعضهم مَن اختار أن يرفض الظلم ويجاهر بذلك حتى لو دفع ثمن هذا الرفض والمخاطرة بحياته أو بسلامته البدنية أو النفسية وبعضهم مَن تردد ثم أقدم ولو على تحسُّب وبعضهم مَن تقوقع علي ذاته غير معني بما يحدث في المساحة العامة.

في أقل من 300 صفحة، ترصد بسمة عبد العزيز مشاعر الأمل والحيرة والتوجس والخوف والتربص لطبيب وجد نفسه وجهًا لوجه مع أحد مصابي الثورة ليقع في حيرة بين التزامه المهني، بل وحدسه الإنساني في ضرورة مدّ يد العون لهذا المريض وبين ضغوط من أجهزة أمنية لا تريد أن تعترف بأن للثورة مصابين وبالتالي لا تريد أن يكون لهم علاج ولا حتي ملف طبي يُقرّ بحالتهم.

ومع ثنائية «الطبيب – المريض» التي تعرفها عبد العزيز جيدًا بحكم كونها كانت لسنوات عشر متتالية طبيبة نفسية ممارسة، تضيف الروائية ثنائيات متوازية للمريض وحبيبته والطبيب وأعضاء فريق التمريض. هناك أيضًا ثنائية الواقفين في «الطابور» هاتفين بضرورة زوال «البوابة» أو آملين في زوالها والمتابعين لما يجري في صمت.

ليس للرواية بطل أو بطلة. «هكذا أردتُها. لم أؤمن أن الثورة كان لها وجه واحد. في يناير كان دور البطولة لكل مَن ذهب وبقى وآمن وتحمَّل. لكل مَن عاش وكل مَن مات» تقول بسمة.

لغة الكاتبة في الطابور كفكاوية [نسبة لفرانز كافكا]، هي ابنة لمشاهدات عشية ثورة يناير في مصر ولكل ثورات رفْض الظلم في كثير من البلدان العربية في شتاء 2011 أو بلدان أوروبا الشرقية مع سقوط حائط برلين، أو حتى في أمريكا الجنوبية مع تداعي الدكتاتوريات الدموية. الرواية التي رغم مصرية أشخاصها وأحداثها لا تفقد صفات تجعلها نصًا أدبيًا يمكن قراءته اتساقًا بوقائع جرت في الكثير من البلدان التي عاشت تحت وطأة الدكتاتورية.

في الطابور، لا تنساب الكلمات طويلًا، ولا يتحدث يحيى المصاب برصاصة من أيام «الأحداث المشينة» قبعت في جسمه وأخذت تقتات عليه كثيرًا. وكذلك الحال بالنسبة لأماني، التي ترافق يحيى رحلة البحث المستعصية عن ملفه الطبي على أمل الوصول للحظة استخلاص الرصاصة من جسده. فهي لا تحكي طويلًا. أهل الطابور الواقفين طويلًا أمام المقر الذين يسعون إلى البوابة شخصيات يلفها الارتياب ويعقد لسانها التوجس. لا توجد مساحات كبيرة للثقة ولا توجد مساحات كبيرة للأمل، فهم عالقون حول «أم مبروك» التي بالكاد تكسب قوتها مما تقدمه لهم من بعض أكواب شاي أو قهوة. لا يختلف عنهم كثيرًا طارق، طبيب جيل الوسط في المستشفى العام، الذي يصارع ألمًا مبرحًا وقع عليه يوم خشي أن يسعى لنزع الرصاصة التي يمكن أن تؤتي على حياة يحيى لأن الأوامر كانت «ألا يفعل».

«الطابور» كما وصفها الراحل علاء الديب في تعليق وضعه الناشر على الغلاف الخلفي للرواية تطرح «عالمًا يشبه الواقع وحقائق ليست هي الحقائق». لأنها كما تقول بسمة عبد العزيز تستلهم الثورة ولا تحكيها بالضرورة.

الاستلهام الأول لـ «الطابور» جاء يوم كانت تنهي عبد العزيز أوراق ابتعاثها للدراسة في إحدى جامعات فرنسا، فكانت تذهب لإحدى المصالح الحكومية وفي ذهابها شهدت مواطنين ومواطنات وقد اصطفوا أمام  المصلحة الحكومية بلا رجاء وبلا حيلة. كتبت بسمة الرواية، حسبما توضح: «بشحنة ما كان في الثورة وقبل أن تسير الأمور إلى ما صارت إليه في صيف 2013». قائلة إنها كتبتها بـ «قلب قلِق على ما ستؤول إليه الأمور في صياغة تأخذ من الواقع تفاصيله الكابوسية المتفرقة لتحكيها متتالية وتضعها ككتلة واحدة».

ورغم أن «الطابور» كانت أولى روايات بسمة عبد العزيز، لكنها لفتت نظر القراء والنقاد لموهبة حادة في الرصد وأكثر حدة في السرد، وحازت على احتفاء كبير إلا أن روايتها الأحدث «هُنا بدن»، الصادرة في يناير 2017، تنتقل بقارئها لما يمكن وصفه بمشهد تالي من مشاهد الثورة، وهو مشهد التقلبات والتعقيدات السياسية التي جرت في صيف 2013.

«هُنا بدن» و«الطابور» عملان ضمن سبعة صدرت لبسمة عبد العزيز. والكتب الأخرى تضم مجموعتين قصصيتين؛ «الولد الذي اختفي» و«علشان ربنا يسهل» وكتبًا أكاديمية/بحثية ثلاث هم: «إغراء السلطة المطلقة» الذي يدل عنوانه عن محتواه، و ذاكرة القهر، المستلهَم من سنوات الاستماع لضحايا التعذيب، ثم «سطوة النص: خطاب الأزهر وأزمة الحكم» الذي يتناول «تحوير» النص الديني يمينًا ويسارًا لخدمة أغراض رجال الدين ورجال السلطة، وهذا الأخير أيضًا معني بما كان في صيف 2013.

تقول بسمة عبد العزيز إنها مستمرة في العمل على مشروعها الفكري المركزي بالحديث عما تعنيه السلطة المطلقة، سواء كانت دينية أو سياسية أو اجتماعية، وبكل أشكالها وتأثيرها على الناس، سواء من خلال العمل البحثي الأكاديمي أو من خلال العمل الروائي، لافتة إلى أن واقع السلطة المطلقة غير ممكن الحصر في أي مساحة جغرافية، وأن التنويعات أكثر من أن تُحصى.

اعلان