بجهود الرئيس.. «مرسيدس» تعود إلى مصر بشريك محلي مجهول
 
 
السيسي وعضو مجلس إدارة مرسيدس، ماركوس شيفر - المصدر: صفحة المتحدث باسم رئاسة الجمهورية
 

في 18 يناير الجاري أعلنت شركة مرسيدس بنز العالمية، في بيان رسمي، عودتها لتجميع السيارات في مصر من جديد، بعد توقف استمر حوالي أربع سنوات، بدعوى عدم وجود جدوى اقتصادية.

وكانت مرسيدس قررت الخروج باستثماراتها في نشاط تجميع السيارات في مصر بدعوى بدء تطبيق اتفاقية التجارة الحرة «الجات»، والتي تنخفض معها الجمارك تدريجيًا حتى تصل للصفر في 2019، وبالتالي تصبح السيارات التي يتم تصنيعها في الخارج أرخص من تلك التي يتم تجميعها في مصر أو تساويها في القيمة السعرية، بالإضافة إلى عدم توافر العملة الأجنبية في ذلك الوقت.

لكن، تزامن قرار مرسيدس بالعودة إلى التجميع في مصر مرة أخرى مع إلغاء الجمارك تمامًا على السيارات الواردة من أوروبا بدايةً من يناير الجاري، اعتبره الكثيرون مفارقة تحتاج إلى تفسير.

المهندس حمدي عبد العزيز، الرئيس السابق لغرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات المصرية، قال لـ «مدى مصر» إن عودة مرسيدس للاستثمار في نشاط تصنيع السيارات في مصر له أكثر من سبب، الأول أن «مرسيدس ستقوم بتجميع السيارة (Sport utility vehicle (SUV، والمعروفة تجاريًا بـ (4*4)، والتي يقع مركز تصنيعها في الولايات المتحدة الأمريكية وتصل الجمارك عليها 135%، لذا فإن عودة مرسيدس باستثمارات في نشاط تجميع السيارات سيصب في صالح مبيعات هذا النوع من السيارات، لأن سعر السيارة المجمعة محليًا سيجنبها تكلفة الجمارك، وبالتالي ستكون السيارة أرخص». أما السبب الثاني، بحسب عبد العزيز، يعود إلى نجاح مرسيدس في تسوية خلافاتها مع الجمارك، واستردادها نحو 700 مليون جنيه قيمة خطابات ضمان كانت مصلحة الجمارك قد سيلتها سابقًا، و«بمجرد إعلان وزارة المالية عن تسوية النزاع مع مرسيدس قامت الأخيرة بعدها بيومين بإصدار بيان يؤكد عودتها للسوق المصري»، يقول عبد العزيز.

يشرح عبد العزيز أزمة مرسيدس مع الجمارك: «قرار خروج مرسيدس من السوق في 2015 كان قاصرًا على نشاط تجميع السيارات، ولكن مرسيدس استمرت في مصر من خلال مكتب إقليمي لها في التجمع الخامس لاستيراد سياراتها بموديلاتها المختلفة، وقبل ثلاثة أعوام نشبت مشكلة بين الجمارك وبين المكتب الإقليمي لمرسيدس، حيث رفضت الجمارك الاعتراف بالفواتير الواردة إليها من مرسيدس، والتي تحدد سعر السيارة، وعلى أساسها يتم احتساب الجمارك بنسبة مئوية من السعر، وطالبت الجمارك وقتها التمثيل التجاري المصري في ألمانيا بقائمة أسعار سيارات مرسيدس، وحينما قارنت الجمارك قائمة أسعار مرسيدس بالفواتير الواردة إليها من المستورد وجدت اختلافًا في السعرين، فرفضت الجمارك الإفراج عن الشحنات إلا بموجب خطابات ضمان من مرسيدس لحين الاتفاق على مبلغ الجمارك المفترض أن تؤديه مرسيدس، وظلت المشكلة معلقة بين الجمارك ومرسيدس حتى قيام الجمارك بتسييل خطابات الضمان هذه، في الوقت التي أعلنت فيه مرسيدس رفضها لتقديرات الجمارك».

يرى عبد العزيز أن الجانبين، مرسيدس والجمارك، «كانا على حق لأن الجمارك حينما قارنت السعر التي تصدر به مرسيدس، والذي تبيع فيه داخل أوروبا، كان عليها أن تحسب الجمارك على السعر الأعلى، في المقابل، تتبع مرسيدس سياسة تسعيرية تختلف من بلد لآخر وفقًا للموديلات والكميات الموردة واستهدافها لهذه الأسواق، لذا تمسكت مرسيدس بموقفها، وتمسكت الجمارك كذلك بتقديراتها الجمركية على السعر الأعلى للسيارة».

كانت مرسيدس رفضت اللجوء للتحكيم الدولي، واكتفت بإقامة دعوى أمام القضاء الإداري، وفتح باب للمفاوضات مع قنوات الدولة المختلفة بشأن خلافها مع الجمارك.

في بيان عودتها لمصر، قالت مرسيدس على لسان ماركوس شيفر، عضو مجلس إدارة ورئيس قطاع الإنتاج بالشركة، إن مرسيدس تخطط لإنشاء مصنع جديد لتجميع سيارات مرسيدس في مصر، وإن شريكًا محليًا سيتولى تشييد المصنع، لكنه لم يسم هذا الشريك.

تشير التوقعات إلى احتمالية أن تكون الحكومة، ممثلة في أحد مؤسساتها هي هذا الشريك المحلي، في ظل ما علنته الحكومة عن رغبتها في إنتاج سيارات الخدمات الذكية والكهربائية، خاصة في المدن الجديدة، وهو ما ألمح إليه السفير بسام راضي، المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، في ديسمبر الماضي عقب استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي لـ ماركوس شيفر، عضو مجلس إدارة ورئيس قطاع الإنتاج في مرسيدس، حيث قال: «تم خلال اللقاء طرح إمكانية التعاون المشترك مع الشركة الألمانية في مجال تصنيع المركبات الذكية ذاتية القيادة، وذلك لاستخدامها في المدن الجديدة الجاري إنشائها، خاصة العاصمة الإدارية الجديدة».

وفي السياق نفسه، قال عبد العزيز: «ليس مستبعدًا أن تشارك أحد مؤسسات الدولة مرسيدس في مشروع لتصنيع سيارات الخدمات الداخلية في المدن الجديدة وتعيد بذلك تجربة النصر للسيارات مع شركة دويتس ايه جي الألمانية المتخصصة في صناعة سيارات خدمات النقل الجماعي الداخلي».

وهو ما رجحه أيضًا مصدر بصناعة تجميع السيارات، طلب عدم ذكر اسمه، مشيرًا إلى أن مرسيدس تعتزم إنشاء مصنعين في السويس أحدهما لإنتاج الجيروبوكس، والثاني للسيارات الكهربائية المشهور بها مرسيدس، لافتًا إلى أن عدم إعلان مرسيدس عن الشريك المحلي في البيان الرسمي لعودتها بالرغم أن مفاوضات العودة قديمة ترجع لأكثر من عامين سابقين فهذا في الغالب يشير إلى أن الشريك المحلي ربما يكون أحد مؤسسات الدولة، التي ترغب في تدشين صناعة سيارات  ذكية بالكهرباء من أجل المدن الجديدة والتي تُعد واحدة من أولويات مشروعات السيسي القومية.

ويرى المصدر أن مساعي السيسي الملحوظة لدى مرسيدس كان لها أثرًا بالغًا في عودة الشركة إلى السوق المحلي مرة أخرى بعد حل مشكلاتها المالية مع الجمارك.

في أكتوبر الماضي، وعلى هامش مشاركته في أعمال القمة الثانية لمبادرة مجموعة العشرين للشراكة الاقتصادية مع أفريقيا بالعاصمة الألمانية برلين، شهد السيسي توقيع مذكرة تفاهم بين الحكومة المصرية ممثلة فى وزارة التجارة والصناعة وشركة سيمنز العالمية لتحسين القدرات التنافسية للصناعة المصرية. وفي 6 ديسمبر الماضي استقبل الرئيس المصري في القاهرة عضو مجلس إدارة ورئيس قطاع الإنتاج بشركة مرسيدس، ماركوس شيفر، لبحث سبل العودة للسوق المصري وآليات التعاون المختلفة.

دور السيسي في استعادة مرسيدس للاستثمار في قطاع السيارات في مصر يؤكده المهندس عبد المنعم القاضي، نائب رئيس غرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات المصرية، قائلاً لـ «مدى مصر» إن «دور السيسي في عودة مرسيدس ملحوظ جدًا، فقد أبدى اهتمامه بعودتها للسوق خلال زيارته لبرلين في أكتوبر الماضي، ومن بعدها استقبل ممثلي مرسيدس في القاهرة بحضور وزير الصناعة عمرو نصار». مشيرًا إلى أن الحكومة بدأت التحرك بجدية نحو تمهيد الطريق للشركة للدخول مرة أخرى إلى السوق، حيث التقى رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، ممثلي مرسيدس في بداية يناير الجاري، ومن بعده وزير الصناعة، وأخيرًا وزير المالية، محمد معيط، الذي قامت وزارته بتسوية خلاف الشركة مع الجمارك لصالح مرسيدس.

وقال القاضي إن أغلب التصريحات التي أعقبت اللقاءات الرسمية بممثلي مرسيدس كانت تشير إلى العودة من أجل السيارات الكهربائية، بالرغم من عدم وجود بنية تحتية تخدم هذه السيارات إلى الآن. «أرى أن هناك عجلة في  موضوع السيارة الكهربائية لعدم تأهيل البنية التحتية لهذه السيارات»، يقول القاضي، موضحًا: «البنية التحتية هنا المقصود بها محطات الشحن لهذة السيارات»، لافتًا إلى عدم وجود هذه المحطات، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن عودة مرسيدس كعلامة تجارية بمثابة استقدام للخبرات الفنية والهندسية لواحدة من أهم الشركات في تصنيع السيارات في العالم. لكن ميرسيدس كانت قد قالت في بيان عودتها إن محادثات تجري مع الحكومة المصرية بشأن مشاريع للبنية التحتية مهمة للدولة.

ومن جانبه، قال محمد جنيدي، نقيب المستثمرين الصناعيين، إن عودة مرسيدس للسوق المصري مجرد مجهود فردي من السيسي، ولا تمثل عودتها أي مؤشر على عودة باقي الشركات التي خرجت في السنوات الماضية أو حتى قدوم استثمارات أجنبية، لافتًا إلى أن عودة الشركة لا تمثل مؤشرًا كذلك على تحول مصر لمركز إقليمي للسيارات، كما يقول البعض، مؤكدًا على أن الوقت لا زال مبكرًا على الحديث عن مركز إقليمي لتجميع السيارات، نظرًا لما يعانيه مناخ الاستثمار من معوقات، أهمها المركزية وتباطؤ إجراءات التقاضي، وقدم التشريعات المعمول بها في السوق. وهو ما شدد عليه أيضًا حمدي عبد العزيز، قائلًا إن السوق كله ينتظر إجراءات حكومية داعمة للتصنيع المحلي، وخاصة بعد ما صارت «استراتيجية تصنيع السيارات» في خبر كان، على حد قوله.

كانت الحكومة قد تقدمت للبرلمان في أكتوبر 2016 بمشروع قانون تنمية وتطوير صناعة المركبات والصناعات المغذية لها، أو ما يعرف باسم «استراتيجية تصنيع السيارات»، وتمت مناقشته في اللجان النوعية تمهيدًا لعرضه على الجلسة العامة، لكن مناقشات الجلسات النوعية أسفرت عن انشقاقات كثيرة حول المشروع، الذي أبدى البرلمان عليه 11 ملاحظة أرسلها للحكومة لإعادة النظر فيه وحتى الآن لم يحدث أي تطور في مشروع القانون.

في السياق نفسه، قال خالد سعد، رئيس رابطة مصنعي السيارات، إن استمرار سوق التصنيع بوضعه الحالي أمر صعب، نظرًا لأن إلغاء جمارك السيارات الأوروبية دفع سعر المستورد إلى الاقتراب من المحلي، وهو ما يجعل الضرورة ملحة لاتخاذ إجراءات حمائية للصناعة المحلية، مشيرًا إلى أن الحديث عن استراتيجية تصنيع السيارات لم يعد أمرًا مجديًا، مؤكدًا أن الحكومة تُعد قانونًا مختلفًا لتحفيز التصنيع المحلي للسيارات، «آن الأوان لإخراجه للنور لإنقاذ استثمارات التجميع المحلي للسيارات التي إذا استمرت بهذا الوضع سيخرج صغار المستثمرين منها»، لافتًا إلى أن مصر قد تصبح بالفعل مركزًا إقليميًا لنشاط تجميع السيارات حال الإعلان عن سياسة تحفيزية واضحة وصريحة ومباشرة لتجميع السيارات وتصنيع قطع الغيار محليًا.

يتفق نائب رئيس غرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات مع رأي رئيس الرابطة، قائلًا: «الحديث عن استراتيجية لتصنيع السيارات أصبح في نطاق العيب»، بحسب تعبيره، مشددًا على ضرورة الإعلان عن سياسة الدولة تجاه التصنيع المحلي للسيارات لحماية المنتج المحلي ودعمه.

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل