ثلاث رسائل من أناركيي القرن التاسع عشر ومطلع العشرين

عندما أتذكر يناير 2011 فإن الشعور الطاغي عليّ دومًا ما يكون طعم الحرية والتضامن الذي لم يكن لي أن أعرفه أبدًا لو لم أكن موجودة بين أمواج البشر المتظاهرين والمعتصمين على الأرصفة وفي الحدائق، الحالمين بعالم نصنعه سويًا في مواجهة الواقع والقوة الشرسة للسلطة.

اليوم بعد مرور ثمان سنوات على ثورة يناير، أطالع سير حياة وكتابات أناركيي القرن التاسع عشر وأوائل العشرين فأجدها تتحدث إليّ.. أجدها تناصر روح ثورة يناير، وأظنّها تعين كثيرين من الثوار على التخلص من اعتذاريّتهم، وتحسم تردد البعض في تبني مثالية يناير وعفويتها، التي لم تنتهج تنظيمًا أو قيادة أو أي فكر موحد.

الحرية غاية ووسيلة

يقول ميخائيل باكونين (1) إن الحرية الحقة ليست «الحرية الشكلية التي تصرفها لنا الدولة بقدر وتقيدها باللوائح والقوانين، هذه الحرية كذبة مستمرة من سنة إلى سنة، ولا تمثّل أي شيء غير امتياز للقلة، امتياز يقوم على أساس عبودية سواد الناس». فأي حرية في1 نظام يقوم على استغلال الأغلبية من قِبل أقلية مالكة لوسائل الانتاج وأقلية مالكة لوسائل الإكراه؟ كما يقول إريكو مالاتِستا (2): «إذا كانت الطبقات والأفراد الموجودين محرومين من وسائل الإنتاج، ومن ثمّ معتمدين على الآخرين الذين يحتكرون هذه الوسائل، فإنّ ما يسمى بالنظام الديمقراطي ليس إلا كذبة، نظام يفيد في خداع جماهير الشعب ويبقيهم مطيعين مع مظهر زائف من السيادة، بينما في الحقيقة يتمّ إنقاذ حكم الطبقة ذات الامتيازات والمسيطرة، وتكريسه» (3).

الحرية كما رآها أناركيو القرن التاسع عشر مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمساواة الاقتصادية والاجتماعية، وهي لن تتحقق إلا «بواسطة التنظيم التلقائي للعمال والملكية الجماعية للأصول، عن طريق جمعيات المنتجين المنظمة بشكل حرّ، لتحل مكان الدولة الأبوية ذات السطوة الاستثنائية».

تلك الحرية  تناقض مبدأ الدولة أو الحكومة التي تحتكر العنف وتُبقي على -بل وتشرعن- حالة الاستغلال والمصالح  المتعارضة. فالأناركيون تميزوا عن معاصريهم الشيوعيين بأشكال عديدة، من أهمها رفضهم الدولة وكلّ سلطة أو تنظيم مؤسَّس على الإكراه وليس الاتفاق الحر. يرون أنّه إذا اجتمع أناس بحريّتهم وانسجمت مصالحهم فلن يحتاجوا إلى سلطة لإدارة أمورهم. والأهم، أنّ تلك السلطة أو التنظيم بالإكراه يعيقان نمو البشر والمجتمعات ويوجه مواردها لنفع القلة الحاكمة المستغِلة لباقي أفراد هذا المجتمع. فالسلطة تولّد رغبة في الإبقاء عليها وبذل الجهد والموارد في إدامة امتيازاتها، فتصبح السلطة أو الدولة عالة على المجتمع.

في المقابل تخيَّل الأناركيون المجتمع الحر كذاك الذي تُملِي فيه الحرية والتجربة «ضرورة التنمية الكاملة لكل الطاقات المادية والفكرية والأخلاقية الكامنة في كل واحد منّا. تلك هي حرية كل إنسان لا يرى في حرية كل إنسان آخر حدودًا لحريته، بل يراها تأكيدًا وامتدادًا شاسعًا لحرِّيته؛ الحرِّية من خلال التضامن، الحرية في المساواة. الحرية المنتصرة على القوة الوحشية، وما كان دائمًا تجسيدًا لمثل هذه القوة: مبدأ السلطة».

أما اللجوء للعنف كوسيلة لهدم تلك السلطة وعلاقات الاستغلال التي تحميها، فيعترف مالاتِستا أنه قد يناقض مبدأ اتّساق الغايات والوسائل التي تنادي به الأناركية، حيث أنَّ الأناركيين يحلمون بعالم مجرّد من العنف، ولا يرغبون في إيذاء أحد في عملية هدم السلطة، لكنه يقول إنّه لا مفر من استخدام القوة والعنف للتصدي لسلطة لا تتوانى عن اللجوء للعنف للإبقاء على علاقة الاستعباد والاستغلال وإكراه البشر، حيث العنف هو ما يميزها، لذا استخدام العنف لهدم تلك السلطة أمر مشروع وضروري. فكيف لمَن يحوز السلطة والامتيازات أن يتنازل عنها دون الاضطرار إلى ذلك!

الثورة لا تسعى للسلطة

الثورة أو التمرد إذن هو ممارسة ولو كانت مؤقتة لتلك الحرية: الحرية في التضامن والإيمان بحرية الآخر، حرية مبادرة الأفراد وإدارتهم لشؤونهم، حرية تحطيم سلطة الدولة ومؤسسات احتكارها للعنف، الحرية التي لا ترى مقدّسًا في الملكية الخاصة للقلّة ذات الامتيازات المستعبِدة للجماهير أو في «هيبة» الدولة المتمثلة في شرطتها وجيوشها حارسة نُظم الاستغلال والاستعباد هذه، ومسيّرة البشر بعصاها كقطعان الماشية، أو المتمثلة في دساتيرها وقوانينها التي تضفي القدسية على علاقات السلطة والإكراه هذه.

ولأن الحرية بالنسبة لأناركيي القرن التاسع عشر منهج كما أنّها غاية، فالمساواة لا يمكن أن تتأسّس بالقوة -بصعود فصيل ثوري إلى السلطة- لكنها تتأسس عندما تقتنع الجماعات البشرية «بتنظيم وتشكيل فِدراليات على نحو تلقائي حر، من أسفل إلى أعلى، وبرِضاهم الخاص، صادقين في مصالحهم الخاصة وغير متّبعين لخطة موضوعة سلفًا مفروضة على «جهلاء»؛ مفروضة على جموع بواسطة قلّة من عقول «متفوقة»». فيقول مالاتِستا: «إننا نقف مع إلغاء الحرّاس. إننا نقف مع حرية الجميع ومع الاتفاق الحر، الذي سيُتاح للكافّة عندما لا تكون لدى أي كان وسائل لإكراه الآخرين، ويكون الجميع منخرطين في الإدارة الجيّدة للمجتمع».

لهذا انتقد الأناركيون الشيوعيين الذين لم يثقوا في «الطموحات الفطرية والاحتياجات الحقيقية للجماهير»، والذين نصّبوا أنفسهم «مرشدين للإنسانية»، بصفتهم العالمين مسبقًا باحتياجات الجميع وطموحاتهم. فعارض الأناركيون فكرة صعود الثوار إلى السلطة أو تشكيلهم حكومة ثورية، لا سيما ديكتاتورية البروليتاريا، لأنهم رأوا أن «مشاكل البشرية تكمن في المبادئ الجوهرية للحكومات وفي وجود الحكومات ذاتها، أيًّا كان الشكل الذي تتخذه تلك الحكومات». فالصعود للسلطة يحتّم على أيٍّ كان أن يُنحّي جانبًا نظرياته الأيديولوجية ومبادءه ليسعى إلى بقائه في السلطة أو إخضاع المصالح المختلفة، فتُخلق طبقة جديدة صاحبة امتيازات. في المقابل يرتكز مبدأ الحرية هذا على ثقة تامة في فطرة الجماهير وفي حقّها في الاختيار، وفي ضرورة التجريب والتعديل المستمر لتصوُّرات الأفراد والمجتمعات عن السعادة والصالح العام.

كل ثورة (مجهضة) خطوة نحو الحرية

بحسب الأناركيين لا توجد وصفة مسبقة للمجتمع الحر، ولا توجد حقيقة مطلقة ليناضل من أجلها البشر، بل أن «التنظيم الاجتماعي الذي يلبّي بأفضل ما يمكن حاجات وأحاسيس كل فرد لا يمكن أن يكون إلا نتيجة -نتيجة قابلة للتعديل دائمًا- للفعل الحر لجميع الأطراف ذات المصلحة». إذن «من خلال الحرية والمسؤولية التي نستمدها منها وحسب، يمكن للبشر أن يحسنّوا أنفسهم أخلاقيًا وفكريًا إلى الحدّ الذي لا يعودون عنده قادرين على تحمُّل الحكومة». حيث أن «لا أحد يمكنه أن يحكم على نحوٍ مطلق ما هو صحيح وما هو خطأ، ولا مَن الأقرب إلى الحقيقة، ولا أيّ الطُرق أفضل لتحقيق أكبر نفع له وللجميع. وحدها الحرية مع التجربة هي الطريق الوحيد لاكتشاف الحقيقة وما هو أفضل، ولا يمكن أن توجد حرية إذا أُنكِرت علينا حرية أن نرتكب الأخطاء». يتعجب إذن مالاتِستا من الأحزاب أو المجموعات اليسارية التي تزعم امتلاك وصفة مسبقة وإجابات عن الأسئلة الاجتماعية الكبرى فيقول: «لو جاء اليوم الذي تتطلعون إليه، يوم يصبح بوسعنا فرض أفكارنا بالقوة، فما هي بالتحديد تلك الأفكار التي يجب فرضها؟ أفكاري مثلًا؟ أم أفكار الرفيق «أ» أم الرفيق «ب»! فأنتم قد تتفقون معي أنه لا يوجد أربعة أناركيين يتفقون بالكامل مع بعضهم البعض، وهو الأمر الطبيعي بالمناسبة، والذي يدل على حيوية حزبنا».

ويؤكد مالاتِستا «نحن الأناركيون لا نريد تحرير الجماهير، بل نريد أن يحرّر الجماهير أنفسهم». لذلك جزم باكونين بأنَّ «الثورة لا يمكن صنعها أو الوصول بها إلى تطورها الكامل بأي وسيلة غير العمل العفوي والمستمر للجماهير، الجماعات ومؤسسات الشعب». فالشعب يضمّ تنوّعًا وتعددية لا حصر لها في المصالح والطموحات والرغبات والاحتياجات الحقيقية. أيُّ تنظيم يسعى لأن يكون شاملًا لكل تلك التعددية ويوحِّد صفوفَها للوصول إلى السلطة هو تنظيم بالإجبار، يضع نهاية للثورة الاجتماعية بتفويض حكومة لتحلّ محلّ حرية الجماهير والجماعات والمجتمعات المحلية والجمعيات والأفراد. واستحواذ أيُّ فئة مهما كانت ثورية على السلطة سيخلق دولة جديدة، أي أنّه سيشكل «أرستقراطية حاكمة: طبقة كاملة من الأشخاص لا تربطهم بالجماهير مصلحة مشتركة. وطبعًا هذه الطبقة سوف تستغل الجماهير وتخضعها، بذريعة أنها تخدم الرفاهية المشتركة للوطن أو تنقذ الدولة»، وسيتنهي بها الأمر إلى التضحية بمصالح الأغلبية لصالح ونفع الأقلية (الجديدة) صاحبة الامتيازات.

لذلك يعترض مالاتِستا على مقولة أنَّ «أيَّ تمرد هو ثورة مجهَضة» لأنّه يرى أنّ التّمرد ضروري ومفيد حتى إن لم ينتج عنه تحول في البنية الاقتصادية والسياسية للمجتمع. فالتمرد لحظة تذوق فيها الجماهير الحرية الحقيقية وتدمّر المقدّسات التي تستعبدها: قدسية الملكية الخاصة وقدسية الدولة؛ «كلُّ عمل موجَّه نحو تدمير الاضطهاد الاقتصادي والسياسي، ويُعلي المستوى الأخلاقي والثقافي للشعب، ويوجِد فيهم وعيًا بحقوقهم الفردية وقوَّتهم، ويقنعهم أن يتصرفوا بأنفسهم لصالحهم الخاص، أي كلُّ نشاط يحفز كراهية الاضطهاد ويوقظ الحب بين البشر، يجعلنا أقرب إلى أهدافنا». في نظر الأناركيين كلُّ ثورة أو تمرُّد تعلِّمُ الناس المهمَّ: «أن يتخلى الناس عن سلوكهم القطيعي الذي ألهمتهم إياه العبودية بمرّ آلاف السنين، ويتعلموا أن يفكروا ويتصرفوا بحرية».

«الأهم بالنسبة لنا ليس ما نحققه، بل كيف نحققه». نادى مالاتستا و غيره من الأناركيين باتساق الوسيلة والغاية: إن أردنا الحرية فينبغي أن نمارسها، وإن أردنا المساواة فينبغي أن تقوم الثورة على المساواة، وإن أردنا الإطاحة بالسلطة فينبغي ألا نخلق سلطة جديدة ولو ثورية. لندعُ الناس إلى «الفكرة» -أي إلى الحب والتضامن والحرية كطريق لسعادة البشر- بالفعل؛ بالفعل الثوري ما استطعنا إليه سبيلًا. «دعونا نفعل ما نستطيع، مفترضين أننا لن نستطيع فعل كل ما نريد، بل فعل ما علينا فعله».

لم تحقق ثورة يناير التغيير المنشود نحو الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بل أفضت إلى عودة شرسة للدولة السلطوية وكل أشكال الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي، لكنها كانت لحظة ذقنا فيها طعم الحرية الحقيقية، وعرفنا مقدار قوتنا وهشاشة وزيف مقدساتهم. فثورة يناير لم تكن إلا خطوة في العمل الثوري المستمر، فعل يدعو البشر إلى كراهية عبوديتهم وإلى هدم المقدسات التي تستعبدهم، فعل يدعو الناس إلى معرفة ضرورة ومعنى التضامن الحقيقي والإيمان بحرية بعضهم البعض.

* ميخائيل باكونين (1814-1876) الأناركي الروسي، من أهم منظري الفكر والحركة الأناركية في القرن التاسع عشر. كان جداله مع كارل ماركس من أهم مسببات انقسام الجناح الماركسي والجناح الأناركي في الحركة الاشتراكية الثورية في القرن التاسع عشر.

** الإيطالي إريكو مالاتستا (1853-1932) قضى حياته يجوب بين أوروبا وشمال إفريقيا والأمريكتين: ينظم المجموعات الثورية الأناركية والنقابات و الحركات العمالية. قضى 12 عامًا من حياته على فترات متفرقة في السجن، وحُكم عليه بالإعدام 3 مرات، وقضى ما يقرب من الـ 35 عامًا في المنفى بسبب نشاطه السياسي.

*** الاقتباسات من كتابات متفرقة لميخائيل باكونين وإريكو مالاتستا. استَعنتُ بترجمات أحمد زكي أحمد، ومازن كم الماز، بتصرُّف.

اعلان