بين تصريحات عامر وإطراء صندوق النقد.. لماذا يتجه الجنيه للتراجع؟
 
 

من المتوقع أن تتراجع قيمة الجنيه المصري مجددًا، وذلك بعد فترة من استقرارها نسبيًا، بحسب ما أشار إليه محافظ البنك المركزي، طارق عامر، في تصريحاته يوم الثلاثاء الماضي لوكالة «بلومبرج» الإخبارية، والتي قال فيها أن سعر الجنيه يحتمل أن يواجه «تقلبات». فيما رجح المحللون الذين تحدث إليهم «مدى مصر» أن هذا التصريح يعني أن البنك المركزي يستعد لرفع يده عن التدخل المستتر والمتواصل لدعم سعر الجنيه عبر البنوك الحكومية، وهي خطوة يرحب بها صندوق النقد الدولي على ما يبدو.

بعد ثلاثة أيام من تصريحات عامر، أصدرت كريستين لاجارد المدير العام لصندوق النقد الدولي بيانًا أمس، الجمعة، أثنت فيه على أداء الحكومة المصرية، مؤكدة أنها ستوصي بالموافقة على تمرير المراجعة الرابعة للبرنامج الاقتصادي المصري المتفق عليه مع الصندوق، عند مناقشتها في اجتماع المجلس التنفيذي الذي سيعقد «خلال الأسابيع القليلة المقبلة».

وكان صندوق النقد قد تأخّر في تسليم مصر الشريحة الخامسة من القرض المتفق عليه بين الطرفين، البالغة ملياري دولار، والتي كان من المنتظر أن يفرج عنها بعد إقرار المراجعة الرابعة في ديسمبر الماضي، إلا أن هذه الخطوة تأجلت دون إعلان رسمي عن الأسباب. وأرجعت تقارير صحفية هذا التأخير إلى عدم تنفيذ مصر بعض الخطوات المتفق عليها في البرنامج، وعلى رأسها آلية التسعير التلقائي للوقود، التي تربط أسعار بيعه في السوق المحلي بالأسعار العالمية، وذلك قبل أن تعلن الحكومة في 7 يناير الجاري عزمها البدء في تطبيق تلك الآلية في إبريل المقبل.

لكن هذا الإعلان لم يضع مصر على جدول اجتماعات الصندوق خلال يناير بخلاف ما توقعه المسؤولون. ثم أكد طارق عامر، في تصريحاته الثلاثاء الماضي، أن مصر تتوقع الحصول على الدفعة المنتظرة من القرض في أواخر يناير أو في أوائل فبراير على أقصى تقدير، ثم يأتي تصريح لاجارد أمس، على نحو قد يشير إلى ارتباط إعلان محافظ المركزي عن سياسة البنك تجاه العملة في الفترة المقبلة بتصريحات الصندوق الإيجابية عن الأداء الاقتصادي المصري.

ما الذي يهدد الجنيه؟

يواجه الجنيه عددًا من العوامل التي تدفعه للانخفاض، كما يقول محمد سعد، محلل مالي في أحد بنوك الاستثمار، موضحا أنه «على رأس تلك العوامل تأثيرات أزمة الأسواق الناشئة والمتمثلة في تخارج الأجانب المستمر من استثماراتهم في أذون الخزانة، بالإضافة لتعافي شهية المستوردين بعد فترة من تراجع عمليات الاستيراد، نتيجة الارتفاع الكبير والمفاجئ في التكلفة بعد تحرير سعر الجنيه».

وشهد عام 2018 ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة على نحو أدى إلى تراجع الاستثمار في الديون في الأسواق الناشئة ومن ضمنها مصر، ما أدى إلى تسابق تلك الأسواق الناشئة على رفع أسعار الفائدة لديها في محاولة لاستعادة والإبقاء على تلك الاستثمارات، إلا أن ذلك لم يمنع في النهاية انخفاض استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المصریة لتحقق صافي مبیعات بلغ نحو 3.2 ملیار دولار في الربع الأول من 2018/2019 (يوليو/سبتمبر).

وقال سعد لـ «مدى مصر» إن الدولار سيكتسب المزيد من القوة خلال العام الحالي، نتيجة مواصلة الولايات المتحدة تشديد سياستها  النقدية عبر المزيد من الارتفاع في أسعار الفائدة لديها، مما يضع مزيدًا من الضغوط على العملة المصرية، وتصبح «الخيارات المتاحة في هذه الحالة أمام البنك المركزي هي -على سبيل الحصر- إما العودة إلى رفع أسعار الفائدة أو السماح بانخفاض سعر الجنيه أو إبقاء الوضع كما هو بلا أي رد فعل».

وكان البنك المركزي قد قرر تثبيت سعر الفائدة ست مرات على التوالي خلال العام الماضي، لتصبح السمة الغالبة لهذا العام هي التثبيت عند مستويات مرتفعة، بدلًا من سياسة تخفيض الفائدة التي حاول انتهاجها في مطلع 2018، ثم تراجع عنها  بسبب التأثيرات العالمية لأزمة الأسواق الناشئة، وما حملته من انعكاسات على مصر. واستقر سعر الفائدة عند مستوى 16.75% للإيداع و17.7% للإقراض.

أما عن الواردات، فقد ارتفعت واردات مصر من السلع غير البترولية في الربع الأول من العام المالي الجاري (يوليو إلى سبتمبر) بنحو 10% مقارنة بنفس الربع من العام السابق، لتصل قيمتها إلى 13.2 مليار دولار، تبعًا لبيانات البنك المركزي. وتوقع بنك الاستثمار «شعاع»، في مذكرة بحثية قبل أسبوعين، أن يزيد العجز في الميزان التجاري الكلي [الفرق بين مجمل الصادرات ومجمل الواردات]، ليسجل 39 مليار دولار بنهاية العام المالي الجاري، الذي ينتهي في يونيو المقبل، مقابل 37 مليار في العام السابق.

ورغم أن الحكومة كانت تعول كثيرًا على تزايد تلك التدفقات بعد تعويم الجنيه، فإن «تدفقات النقد الأجنبي عبر الاستثمار الأجنبي المباشر لم تصل للمستويات التي كانت مأمولة، وهذا أحد أسباب النقص في العملة الأجنبية الذي يعزز من احتمالات تراجع سعر الجنيه، في حال رفع البنك المركزي يده عن دعمه نهائيًا»، بحسب عمر الشنيطي، المدير التنفيذي لمجموعة «مالتيبلز» للاستثمار.

وتراجع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 40% في الربع الأول من العام المالي الجاري، ليصل إلى 1.1 مليار دولار، متأثرًا بعوامل دولية ساهمت في تراجع الاستثمار الأجنبي في عدد كبير من الأسواق.

تراجع لا انهيار

يرى سعد أن الجنيه كان سيغدو في وضع جيد لولا أزمة الأسواق الناشئة، «في الأساس بسبب تعافي السياحة وتحويلات المصريين في الخارج»، وهو نفس ما يذهب إليه عمر الشنيطي الذي يرى أن تلك العوامل تحمي الجنيه من «الانهيار» في ظل تحرير سعره.

وارتفعت عائدات السياحة في الربع الأول من العام المالي الحالي لتتجاوز 3.9 مليار دولار، مقابل 2.6 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي.

وبلغت تحويلات المصريين العاملين في الخارج في نفس الربع 5.9 مليار دولار بارتفاع طفيف عن الفترة المناظرة من العام الماضي.

وتوقع «شعاع» في مذكرته ارتفاع تحويلات المصريين العاملين في الخارج لتسجل 28 مليار دولار تقريبًا  في العام المالي 19/2018 مقابل 26 مليار دولار في العام السابق.

ويعتقد الشنيطي أن التراجع القياسي في سعر الجنيه  بعد تعويمه -في نوفمبر 2016- هو أحد العوامل التي تحميه حاليًا من أن يشهد تراجعًا كبيرًا، مع تراجع المركزي عن دعمه في الفترة المقبلة.

وكان عدد من بنوك الاستثمار ومؤسسات الأبحاث المحلية والدولية، مثل «كابيتال إيكونوميكس» والمجموعة المالية «هيرمس»، توقع تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار بنهاية 2019 إلى حدود 19 جنيهًا للدولار، مقابل نحو 18 جنيهًا في الوقت الحالي، وهو ما يعد تراجعًا محدودًا مقارنة بما شهدته العملة عند تعويمها في 2016، عندما تراجعت قيمتها للنصف.

ولا يدعو الوضع المالي للبلاد إلى حدوث تراجع كبير في قيمة الجنيه بحسب ما قاله الخبير الاقتصادي أحمد شمس، لـ «مدى مصر» في الندوة التي عقدها الموقع لمناقشة توقعات الاقتصاد المصري أواخر العام الماضي، لأن «فجوة التمويل الخارجي للفترة المقبلة، والتي عادة ما نقيسها بحساب التزامات الدين الخارجي على مصر، مضاف إليها العجز الجاري المتوقع، تقع في حدود 12 مليار دولار». وبالنظر إلى أن الاحتياطيات الحالية من النقد الأجنبي كبيرة، فإن مصر تستطيع سداد التزاماتها بشكل مأمون وتغطية احتياجات استيراد السلع الأساسية.

كيف سيتحرك الجنيه؟

على الرغم من أن طارق عامر ربط في تصريحاته بين تقلب سعر الجنيه الذي يتوقعه وبين إلغاء آلية تحويل الأموال للمستثمرين الأجانب، إلا أن هذا «لتقلب» الذي أشار إليه محافظ البنك المركزي قد يعني على الأرجح أن «المركزي» يستعد لرفع يده عن التدخل المستتر المتواصل في سعر الجنيه عبر البنوك الحكومية، فإلغاء الآلية ليس سببًا في التراجع المحتمل للجنيه المصري كما يرى عمر الشنيطي، «وإنما هي مجرد تجلي لاتجاه البنك المركزي لإقرار العرض والطلب كآلية لتسعير الجنيه المصري بعيدًا عن التدخل» على حد قوله.

وكان البنك المركزي قد أعلن عن «آلية تحويل الأموال للمستثمرين الأجانب» في عام 2013 لطمأنتهم إلى إمكانية استرداد الأجانب للنقد الأجنبي عندما تكون لديهم الرغبة في التخارج من الأوراق المالية المحلية. وسمحت تلك الآلية بتمويل البنك المركزي نفسه لتخارج الأجانب في محاولة لتبديد شكوك المستثمرين في قدرتهم على استرداد أموالهم بالعملة الأجنبية من البنوك في الوقت الذي احتدمت فيه أزمة نقص النقد الأجنبي، في محاولة لتشجيعهم على الاستثمار في سوق الدين.

و يرى الشنيطي أن توجهات البنك المركزي تشير إلى المزيد من التحرير لسعر الصرف، وانتهاء العمل بالنمط الحالي من «التعويم المدار»، وهو ما قد يعد تمهيدًا لتسلم مصر الشريحة الخامسة من قرض الصندوق، التي تأخّر تسليمها لأكثر من شهر، «نظرًا لكون التحرير الكامل لسعر الجنيه يمثل بندًا أساسيًا في الاتفاق».

ويوضح محمد سعد أن «الجنيه ليس محررًا بالكامل.. يمكن القول إن الجنيه يخضع لنمط من التعويم المدار، وهو ما اتضح عبر التدخل غير المعلن من قِبل البنك المركزي في دفع البنوك الحكومية لتوفير العملة الأجنبية لتلبية طلبات المستثمرين الأجانب من العملات الأجنبية اللازمة لتخارجهم من سوق الدين المصري، وصولًا لما أدت إليه هذه السياسة في النهاية من عجز في الأصول الأجنبية في تلك البنوك مقابل التزاماتها بالعملة الأجنبية».

وكان بنك الاستثمار «شعاع» قد قال في مذكرة بحثية أصدرها في يناير الجاري إن صافي الأصول الأجنبية – التي تمثل الأصول الأجنبية مخصومًا منها الالتزامات بالعملة الأجنبية- في الجهاز المصرفي تراجع بنسبة 54%.

ونقلت نشرة «انتربرايز» اليومية، التي يرعاها بنك الاستثمار «فاروس»، في ديسمبر الماضي، توقعات متشائمة لمؤسسة الأبحاث البريطانية «كابيتال ايكونوميكس» حول تراجع قدرة البنوك الحكومية على دعم الجنيه المصري، موضحة أن تآكل الأصول الأجنبية مع اعتماد السلطات المصرية بشكل كبير عليها لتمويل تخارج المستثمرين الأجانب من سوق الدين المحلية غير قابل للاستمرار، مضيفة أن «البنوك لن تستغرق أكثر من 8 أشهر فقط لتبدد جميع أصولها الأجنبية إذا استمرت وتيرة تخارج الاستثمارات الأجنبية عند نفس المعدلات.. خاصة مع تراجع نسبة الأصول الأجنبية للبنوك إلى إجمالي الأصول لديها لتبلغ 4%». واستبعدت «كابيتال ايكونوميكس» أن يسمح البنك المركزي بالوصول إلى هذه الدرجة.

اعلان
 
 
بيسان كساب