تجميل الشكل أم تحسين المعيشة.. ما الذي سيغيّره طلاء البيوت؟
 
 

تنشر العديد من المواقع المعنية بالسفر والرحلات اختبارات للقراء، حيث تعرض صورًا لعدة مدن وتطلب من القارئ استنتاج أي مدينة تلك، فقط من الصورة. هل يمكن تمييز القاهرة إذا ما عُرضت صورة لها دون نهر النيل أو الأهرامات أو برج القاهرة أو أي من معالمها المعروفة؟

ربما. فكما يقول أحمد زعزع، الباحث المتخصص في شؤون العمران، للقاهرة طابع معماري مميز يمكن التعرف عليه من خلال الطابع اللوني للمباني الذي يغلب عليه اللونين الترابي والأحمر، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى مثل الانتشار الكثيف لأطباق استقبال القنوات الفضائية فوق أسطح المنازل، وأجهزة التكييف البارزة من واجهات المباني، وكابلات الاتصالات الممتدة من مبنٍ لآخر.

اللون الأحمر السائد، بفعل البناء بالطوب الأحمر دون طلاء خارجي، ليس فقط في القاهرة وإنما في معظم المناطق الحضرية في مصر، كان موضع نقاش طوال الأسبوع الماضي، بعدما أعلنت الحكومة عن عزمها تغيير ذلك الوضع.

كشف رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، يوم 17 يناير الجاري، عن وجود تكليف رئاسي للحكومة للتعامل مع الأبنية غير المطْليّة في عموم الجمهورية خلال فترة محددة لضمان طلاء هذه المباني أو توقيع جزاءات على مُلاّكها. وجاء ضمن التكليف أن يكون طلاء المباني بألوان موحدة تُحدد حسب الإقليم، حيث يكون لكل إقليم عدة ألوان ودرجات مناسبة له، بحسب التكليف.

معظم التصريحات الحكومية التي تلت ذلك القرار فسّرت ضرورته بتحسين «المظهر الحضاري» لمصر، والصورة البصرية للمدن، بحسب ما قاله محمد أبو سعده رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري الذي أضاف أن «توحيد ألوان واجهات مبانى الطوب الأحمر سيبدأ أولًا فى الأماكن السياحية حتى تكون واجهة حضارية مُشرِّفة لمصر، لافتًا إلى أنه من المنتظر أن تشمل المرحلة الأولى البدء بالطريق المؤدي للمتحف المصرى الكبير، إضافة إلى جميع المنازل المتواجدة على جانبى الطريق الدائرى».

التركيز على تحسين «المظهر الحضاري» يطرح سؤالًا عن تأثير القرار على «جوهر حياة» قاطني المدن، وهو ما تحدثنا فيه مع ثلاثة متخصصين في شؤون العمران.

فيما يخص ما تمّ الإعلان عنه حكوميًا، ينتقد كريم إبراهيم، المدير التنفيذي لشركة تكوين لتنمية المجتمعات المتكاملة، اختيار ألوان موحدة للمدن وعدم وجود آلية واضحة حتى الآن لتنفيذ ذلك القرار قائلًا: «المدن المصرية كانت في الأصل ملونة جدًا، ونرى ذلك عندما نعمل على ترميم المنازل القديمة في مدينة مثل إسنا مثلًا، ونعيد البيوت إلى ألوانها الأصلية، لنكتشف كيف كانت البيوت ملونة في الأصل».

وبغض النظر عن الانتقاد الخاص بتوحيد ألوان الطلاء، يقول إبراهيم: «هل الموضوع له أثر؟ بالتأكيد نعم. لكن ذلك الأثر مرتبط بالأهداف التي يتمّ من أجلها طلاء المنازل، هل هي مجرد تلوين للمنظر العام علشان السياحة؟ ولا المطلوب هو فعلًا تحسين البيئة التي يعيش فيها السكان؟».

ويتابع: «إذا كان المطلوب هو تحسين البيئة العمرانية فيجب أن يأتي ذلك المشروع ضمن سياق أوسع من المشروعات لتطوير المناطق العشوائية، وأن يتمّ ذلك بشكل تشاركي مع الأهالي».

يقول إبراهيم إن تغيير الطابع البصري للمناطق المبنية بالطوب الأحمر يساعد على «دمج الناس في المدينة، وتخفيف الوصم لهذه الأحياء، ودمج المناطق المعزولة عمرانيًا»، فهي لم تعد مختلفة عن باقي المناطق.

يعود إبراهيم إلى تجربة سابقة أجرتها شركته في منطقتي منشأة ناصر وعزبة خير الله، في عام 2011. حيث بدأ فريق «تكوين» في العمل على طلاء واجهات عدد من المنازل في المنطقتين بشكل تشاركي مع الأهالي، لتحديد الألوان، وكذلك لتحملهم لجزء من التكلفة.

يقول إبراهيم إن «عدد من الأهالي رحب بالمشروع، بل شاركوا بنسبة 30% من التكلفة. وبعدما تركنا منطقة منشأة ناصر على سبيل المثال، استمر عدد من الأهالي في استخدام مجموعة الألوان نفسها التي استخدمناها للحفاظ على التناسق اللوني».

يرى إبراهيم أن تنفيذ المشروع بشكل تشاركي مع الأهالي في اختيار الألوان المتناسبة معهم ومع البيئة المحيطة بهم، وكذلك في تمويل وتنفيذ المشروع يساهم في خلق حالة من «تملك الأهالي للفراغ العمراني المحيط بهم».

يطرح إبراهيم تجربة «إيدي راما»، العمدة السابق للعاصمة الألبانية تيرانا، والتي جرى الإشارة إليها في مقال سابق منشور بموقع «تضامن»، المعني بالتطوير الحضري. أُنتخب راما عمدة للعاصمة سنة 2000، في وقت كانت المدينة تشهد تكدسًا بسبب نزوح أعداد كبيرة من سُكّان الريف إليها، ونمو الإسكان غير الرسمي، وتدهور مساحاتها العامة، بالتزامن مع قدرات الدولة على التخطيط المركزي، عقب انتهاء النظام الشيوعي الحاكم من 1946 وحتى 1992.

لم يكن لدى راما ميزانية كافية لتمويل مشروع ضخم للتطوير الحضري للمدينة، إلا أنه تبنى مشروع تلوين المدينة بغرض إنشاء علاقة مختلفة بين الحكومات المحلية والسُكّان من خلال النقاش عن المدينة ومساحاتها العامة وكيفية تطويرها بصريًا. لفت المشروع الأنظار دوليًا إلى المدينة التي أصبحت مساحاتها العامة ومبانيها ملونة، وفاز راما بجائزة «عمدة العالم» لسنة 2004.

يعرض المقال تجربة أخرى في مدينة ريو دي جينيرو البرازيلية، حيث قام الفنانان جيروين كولهاس ودري أورهان، في 2013، بتبني مشروع للرسم على واجهات وأسقف المباني في بعض الأحياء الفقيرة في المدينة، وهو المشروع الذي جرى تمويله بشكل تشاركي crowdfunding وجمع نحو 100 ألف دولار لتنفيذه بشكل واسع.

رأى كولهاس وأورهان أن المشروع يمثل تحديًا للوصم المرتبط بهذه المناطق وارتباطها في الأذهان بمعدلات الفقر العالية والجريمة. وكان يطمح كلاهما إلى أن يجذب مشروع الرسم على المنازل مشروعات تطوير أخرى وأن يخلق مصادر أكثر استدامة للدخل مثل السياحة، وهو ما لم يتحقق بدرجة كبيرة.

بحسب المقال نفسه -المنشور على موقع تضامن- فإن هذه المشاريع قد لا تنجح في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية للمدن إذا ما لم تكن جزءًا من سياسة متكاملة للتطوير العمراني، إلا أنها تمثل في الحد الأدنى إشارة إيجابية للمواطنين أن الدولة موجودة وراغبة في التطوير.

على العكس، ترى داليا وهدان، الباحثة في شؤون العمران، أن القرار الحكومي الأخير قد يعزز من وصم الأحياء غير الرسمية، فتقول: «مناطق الطوب الأحمر هي بُنى أهالي، وهي ما يتمّ وصفها دائمًا بالعشوائية والمناطق غير الآمنة. فهل سيتم قصر ذلك القرار على المناطق «العشوائية» فقط؟ أم ستمتد أيضًا إلى المناطق الرسمية والتي ليست بالضرورة ملتزمة بنفس الألوان وبها قبح معماري. سيؤدي ذلك بالضرورة إلى زيادة الوصم لهذه الأحياء [غير الرسمية] باعتبارها السبب في تشويه مظهر المدينة، دون النظر لأحياء أخرى رسمية لا تلتزم بنفس الألوان التي سيتم وضعها من الجهاز القومي للتنسيق الحضاري».

وتتابع «إذا ما أردنا تنفيذ هذا الأمر، على الأقل نبدأ بالنظر إلى كيفية قيام الأهالي ببناء منازلهم: أي مواد يستخدمونها؟ ما هي الطريقة التي يتبعونها للتمويل؟ كل هذه نُظم ابتدعها الناس بأنفسهم ومن الواضح أنها فعّالة لأنها تلبي احتياجاتهم. نحاول أن نفهم أولًا بدلًا من إصدار الأوامر لهم».

وتقترح قائلة إنه «يمكن للدولة أن تضع معايير فنية للألوان ومواد الطلاء المستخدمة، لنضمن على الأقل أنها ستدوم لفترة طويلة، ويمكن طرح محفزات للناس للتنفيذ، مثل توفير مواد طلاء بجودة عالية لكن بدعم مالي مثلًا، وترك التنفيذ للناس ليكون هناك على الأقل مساحة للفردية والإبداع».

وتضيف: «من باب أولى ما تخليش رسم الجرافيتي جريمة».

في اليوم التالي لإعلان الحكومة قرارها بطلاء المنازل المبنية بالطوب الأحمر، جاءت تصريحات عدد من المسؤولين الحكوميين لتوضيح آلية تنفيذ القرار. فأعلن المتحدث باسم وزارة التنمية المحلية خالد قاسم عن إجراء اجتماع خلال أيام، سيتمّ خلاله تحديد الألوان المقترحة لكل محافظة. وسيشارك في الاجتماع مسؤولي المحافظات والجهاز القومي للتنسيق الحضاري وكليات الفنون الجميلة.

وقال قاسم في مداخلة هاتفية سابقة مع برنامج «الحكاية» الذي يقدمه الإعلامي عمرو أديب إن الأحياء ستقوم بحصر المنازل التي تحتاج إلى طلاء وإبلاغ قاطنيها، ومتابعة التنفيذ، الذي يجب أن يتمّ وفق المعايير التي يحددها الجهاز القومي للتنسيق الحضاري.

وتلزم اللائحة التنفيذية لقانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 المواطنين بتشطيب الواجهات الخارجية للمنازل كشرط أساسي للحصول على ترخيص البناء من الوحدات المحلية المختصة.

وحول التعامل مع عدم الملتزمين، صرح قاسم، لموقع «مصراوي»، بأن «الوزارة في حالة ترغيب للمواطن لأنه في النهاية في صالح المواطن نفسه، وسنمهل المتخلفين وقتًا، وحال استمرت المخالفة للقرار سنرسل لهم عدة إنذارات، وإذا لم يتمّ الاستجابة لذلك سيتمّ تطبيق العقوبات التي نصّ عليها القانون».

وتنصّ المادة 104 من القانون على أنه «يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن مثلي قيمة الأعمال المخالفة بحد أدنى 50 ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثة أمثال قيمة الأعمال المخالفة أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل مَن أقام أعمالًا دون مراعاة الأصول الفنية المقررة قانونًا في تصميم أعمال البناء أو تنفيذها أو الإشراف على التنفيذ أو في متابعته أو عدم مطابقة التنفيذ للرسومات والبيانات أو المستندات التي منح الترخيص على أساسها».

فور الإعلان عن التكليف، أعلن محافظ بورسعيد اللواء عادل الغضبان عن مهلة حتى 31 مارس المقبل لأصحاب المنازل غير المطْليّة لدهان منازلهم، وإلا سيتم قطع المرافق عنها، وبرر ذلك في مداخلة هاتفية مع برنامج «كل يوم» الذي يقدمه وائل الإبراشي على قناة «أون»، بأن المحافظة بدأت في شهر مارس 2018 في تجميل الميادين والشوارع وواجهات المنازل. مضيفًا أن «بورسعيد» هي مَن ستقوم بتنفيذ طلاء الواجهات، على أن تتحمل اتحادات الشاغلين والملاك التكلفة كما ستقيّمها المحافظة.

فيما نشرت المحافظة بيانًا على صفحتها بموقع «فيسبوك» جاء فيه أن «بورسعيد تختلف عن باقي المحافظات باعتبارها محافظة حضرية لا توجد بها ظاهرة مباني الطوب الأحمر الكاملة، ولكن هناك بعض المناطق توجد بها عمارات سكنية خاصة بها بعض الجوانب من الطوب الأحمر أو ألوان مختلفة بين الواجهات والجوانب، وتمّ منح كل حي الحرية في توحيد ألوان هذه المباني طبقًا للون السائد أو الغالب في كل حي».

وخصصت المحافظة أول أمس، الأربعاء، خمسة ملايين جنيه من ميزانية جهاز المنطقة الحرة لطلاء الواجهات، على أن يتمّ استردادها لاحقًا من أصحاب العقارات، بحسب ما جاء في بيانها.

ما يخشاه أحمد زعزع، الباحث المختص في شؤون العمارة، أن يؤدي تنفيذ القرار بهذه الطريقة إلى تنفيذه «دون إتقان ليصبح لدينا واجهات مشوهة، مجرد طلاء سريع يتغير لونه بعد فترة قصيرة فقط لتجنب توقيع المخالفة».

تكلفة طلاء الواجهات قد تشكل تحديًا أو عبئًا على بعض السُكّان. وبحسب زعزع، قد يتكلف طلاء أربع واجهات لمنزل متوسط الحجم من أربعة طوابق نحو 16 ألف جنيه، دون احتساب قيمة «المحارة».

يقول زعزع إنه «ربما كان من الأفضل أن يتمّ تطبيق ذلك القرار على المنازل الجديدة، عن طريق تفعيل سلطة الأحياء في متابعة تنفيذ البناء وعدم منح تراخيص إلا بعد التأكد من طلاء الواجهات بشكل كامل».

ويتابع: «سيؤدي ذلك بالتبعية إلى تشجيع أصحاب المنازل القديمة على طلاء واجهاتها طوعًا، على الأقل للحفاظ على قيمتها العقارية في مواجهة المنازل الجديدة».

لا يميل زعزع عمومًا إلى تجارب التحسين المظهري للمناطق غير الرسمية، ويطرح بدلًا من ذلك نموذج آخر، وهو ما تمّ في تايلاند في الفترة بين 2003 و2014.

سنة 2003، أطلقت حكومة تايلاند برنامجًا وطنيًا لتطوير المناطق غير الرسمية، حمل اسم Baan Mankong أو السكن الآمن. واعتمد بشكل أساسي على تقديم قروض حكومية مُيسَرة للمجتمعات المحلية لتأمين حيازة الأرض التي يسكنونها وتطوير البنية التحتية وظروف السكن في تلك المناطق.

اختلاف ذلك البرنامج أتى بشكل أساسي من كونه طُوِّر ونُفِذ ومُوِّل بالشراكة بشكل كامل مع المواطنين في المناطق المراد تطويرها. وشجعت الدولة سُكّان كل منطقة على تأسيس تعاونية، من خلالها يتمّ تحديد أولويات التطوير بواسطة الأهالي أنفسهم، وتتلقى هذه التعاونية قرضًا حكوميًا لتنفيذ مشروعات التطوير، ويتمّ سداد هذا القرض لاحقًا من خلال مساهمات يدفعها السُكّان على مدى زمني طويل.

حتى عام 2014، نجح البرنامج في تطوير الوحدات السكنية لـ 96,882 أسرة بتايلاند، بشكل شامل، بتكلفة 191 مليون دولار أمريكي، بالإضافة إلى تفعيل المجتمع المحلي بالمناطق التي جرى تطويرها وخلق علاقة تعاونية بينه وبين السلطات المحلية والمجتمع المدني والأكاديميين.

اعتمد البرنامج على الشراكة مع المجتمع المحلي في تحديد الأولويات ووضع خطط التطوير وتنفيذها وتمويلها، محتفظًا بدرجة عالية من المرونة. إلا أن المشروع يواجه بعض الصعوبات، مثل عدم قدرة كل المجتمعات المحلية على تشكيل تعاونيات وسداد أقساط الدين الحكومي خاصة لدى الفئات الأفقر، واعتماد المشروع على التنسيق بين أطراف عديدة مما يجعل عملية التطوير تستهلك وقتًا أطول.

إلا أن زعزع لا يزال يرى هذا النمط التشاركي جدير بالتجريب في مصر، فيقول: «الأفضل أن تعمل الدولة بشكل تعاوني مع السكان لحل مشكلات العشوائيات بشكل كامل، بدلًا من طريقة كنس التراب تحت السجادة».

اعلان