روح يناير الهائمة

للعام الثالث جاء شهر يناير، وأوشك أن ينقضى في هدوء تام، فلا تحركات احتجاجية ولا دعوات لمثل هذه التحركات من الأصل، وبالتالي فلا تحفزات ولا احتياطات أمنية.

وبما أن ذلك يتكرر لثالث مرة على التوالي، فقد تأكدت الظاهرة؛ أي أن شهر يناير لم يعد مناسبة للتوتر في الحياة السياسية المصرية، باستثناء تكثيف جرعة التشويه الإعلامي لثورة «يناير» ورموزها، دون إضافة أي جديد من دليل أو توثيق إلى المقولات المعهودة حول المؤامرة الكونية لإسقاط الدولة المصرية، والخطة الجهنمية لتمكين الإسلام السياسي من السيطرة على الشرق الأوسط برمته.

في الوقت نفسه، سجل عام 2018 تطورين بارزين وكاشفين لرؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومن ثم النظام ككل، لثورة يناير؛ إذ اختار الرئيس أن يتحدث إلى الشعب في ذكرى 30 يونيو لأول مرة منذ توليه السلطة، في إشارة يجب ألا تخطئها عين إلى أن المطلوب هو نسيان يناير بالكامل، واعتبار 30 يونيو، وإسقاط حكم جماعة «الإخوان المسلمين»، هو الثورة الحقيقية التي تستحق الاحتفال والتخليد. أما التطور الثاني، وهو يفسر إهمال ذكرى 25 يناير لحساب التركيز على 30 يونيو، فكان وصف الرئيس لثورة يناير بأنها علاج خاطئ لتشخيص خاطئ، ثم توجيهه لإنذار شديد اللهجة لمَن يهمهم الأمر بألا يفكر أحد منهم بأن ما حدث منذ 7 سنوات يمكن أن يتكرر، مؤكدًا جدية الإنذار بقوله: «إنكم لا تعرفوني».

لكن وسط هذه المؤشرات الموحية بطيّ صفحة ثورة يناير إلى الأبد، فقد توالت منذ بداية الشهر الأحاديث داخل الدوائر الحكومية والإعلامية والبرلمانية الموالية عن الحاجة -بل والحاجة الملحة- إلى إصلاح سياسي شامل، على أن يبدأ هذا الإصلاح بتعديل دستور 2014، باعتبار أن الوضع الحالي ليس هو الوضع الأمثل، وباعتبار أن مستقبل الحكم ليس مضمونًا، حسب أقوالهم هم أنفسهم.

صحيح أن مفهوم هذه الدوائر للإصلاح وغرضها منه لا يتجاوزان إلغاء القيود الدستورية على استمرار الرئيس السيسي في منصبه، ولكن الصحيح أيضًا أن الاضطرار إلى إدراج هذا المطلب في سياق دعوة توصف بأنها إصلاحية، هو اعتراف بوجود أوجه نقص، وأسباب للخلل في الحياة السياسية المصرية. وبمعنى آخر؛ فلا تزال هذه الحياة أبعد ما تكون عن الأوضاع الطبيعية، سواء بمعايير مبادئ ثورة يناير الواردة في ديباجة وبقية نصوص وروح دستور 2014، أو حتى بمعايير ما قبل هذه الثورة، بما في ذلك الحراك السياسي والجماهيري السابق عليها والممهد لها، حيث سادت صيغة سالبة من الاستقرار الأقرب إلى الجمود، تتفوق فيها قوة فرض الأمر الواقع، دون أي تحدٍ جديّ من القوى المطالبة بالتغيير، إلى أن كسرت تعديلات 2005 الدستورية ذلك الجمود.

من أوجه النقص التي يتحدث عنها المطالبون بتعديل الدستور للتمديد لرئاسة السيسي، عدم الاطمئنان لمستقبل النظام بدونه، وصعوبة العثور على بديل له، وضعف الحياة الحزبية والحياة السياسية عمومًا، فهل كانت ثورة يناير من الأصل إلا من أجل سد هذا النقص، وتصحيح هذه الاختلالات؟!

بالطبع فهم يقترحون إصلاحات سابقة التجهيز، وواضحة الانتقائية للأطراف المدعوة للمشاركة في تلك الإصلاحات، وذلك لتفادي الاعتراف بأن الخلل الأساسي هو إغلاق المجال السياسي، بخطى متسارعة، وإجراءات حادة، حتى من قبل انتخاب الرئيس السيسي للفترة الأولى، ومن ثم إحياء الطبيعة السلطوية لنظام الحكم المعهود منذ يوليو 1952، حيث لا يوجد استعداد جديّ لقبول المشاركة، ولا توجد من الأصل نية لتداول السلطة، وحيث تصنع العملية السياسية برمتها حزبيًا وانتخابيًا بواسطة الأجهزة الإدارية والأمنية، وهذا بالتحديد هو ما قامت ضده ثورة يناير 2011 كما سبق القول، أو بمعنى أوضح، فإن تجاوز هذا النظام إلى عملية سياسية مفتوحة، في إطار دولة قانون ومواطنة هو روح وفلسفة ثورة يناير، في بعدها الشعبي الأوسع، وفي مدلولها المحدد في السياق المطول للتاريخ السياسي للدولة المصرية الحديثة، فهي لم تكن ثورة ضد النفوذ الأجنبي كالثورة العرابية (إلى جانب مطالبها الدستورية)، ولم تكن ثورة تحرّر وطني كثورة 1919 (إلى جانب مطالبها الدستورية)، ولم تكن ثورة لاستكمال التحرّر الوطني والقضاء على سيطرة الإقطاع ورأس المال على الحكم كثورة 1952، ولكن يناير كانت ثورة من أجل حياة سياسية صحيحة وصحية، في دولة قانون ومواطنة، ورقابة وتوازن، ومشاركة ومساءلة، وفوق ذلك، ولضمان تحقيقه، كانت يناير ثورة لإقرار مبدأ التداول والانتقال السلمي للسلطة.

بهذا المعنى فإن روح يناير لم ولن تُزهق، ولكنها سوف تبقى هائمة حتى تجد الجسد الذي تحل فيه، وكأنها الـ «كا» الفرعونية تبحث عن جسدها، ومن الأدلة التي تثبت ذلك -إلى جانب ما ذكرناه توًا من شعور النظام بالحاجة إلى عملية سياسية تمرّ من خلالها التعديلات الدستورية المطلوبة- أن كثيرًا من أوجه الحياة العامة لم تعد إلى طبيعتها قبل يناير 2011، ليس فقط من الناحية السياسية المباشرة، التي ألمحنا إليها قبلًا، ولكن في شتى الجوانب الثقافية والاجتماعية، بل وفي مظاهر الحياة اليومية، ففي الوقت الذي تُحظر فيه المظاهرات، وتُمنع فيه التجمعات، وتُمدد فيه حالة الطوارئ، لا تزال محطات مترو الأنفاق وسط القاهرة مدججة بالحراسة، ومغلقة المنافذ باستثناء منفذ واحد أو اثنين لكل محطة، بينما لا تزال جماهير كرة القدم ممنوعة من حضور المباريات، بل لا تزال المباريات الكبرى تُقام خارج القاهرة، كما لا يزال كثير من الشوارع مغلقًا في القاهرة وغيرها من المدن الكبيرة، فيما تُغلق -أو تُقتطع- مساحات كبيرة من شوارع عديدة أخرى حول المصالح الحكومية، والسفارات الأجنبية، والكنائس، والمباني الشرطية. وفي الوقت الذي يتوالي فيه تأجيل الانتخابات المحلية، وتتواصل فيه الحملات والحملات المضادة على شبكات التواصل الاجتماعي، فإن سياسة حجب المواقع الصحفية والبحثية الإلكترونية مستمرة، ويستمر معها تشديد إجراءات الرقابة على حريات التعبير، في الصحف والقنوات التليفزيونية، والمواقع الإلكترونية الشخصية، امتدادًا إلى دور نشر الكتب، وكذلك في الوقت الذي لا تلوح فيه مؤشرات على قرب انفراج أزمة الحبس الاحتياطي المطوّل لأسباب سياسية، لا تلوح أيضًا أية بوادر على قرب انتهاء ظاهرة النفي الاختياري لأسباب سياسية.

إن كل ما سبق ذكره توًا يثبت أن مرور ذكرى ثورة يناير دون توتر للعام الثالث على التوالي لا يعنى سوى أن هذه الثورة تخضع للقوانين التي انطبقت على غيرها من الثورات الكبرى في التاريخ الإنساني، أي أنها قد تخسر جولة أو جولات، ولكن روحها تبقى سارية، في انتظار استجابة التاريخ.

وقد أصبح دارجًا الاستشهاد على هذه الحقيقة بالفصول المتعاقبة للثورة الفرنسية، وكذلك بفصول الثورة الروسية، منذ عام 1905 حتى عام 1917، والحالة الصينية منذ ثورة «البوكسر» عام 1899، حتى الثورة الكبرى عام 1949، ومن قبل ذلك في بريطانيا؛ ثورة كرومويل، ثم الثورة المجيدة. ولكن تاريخ مصر نفسه يقدم لنا بدوره دلالات مماثلة، وقد كان شباب الثورة العرابية المهزومة هم مَن صنعوا مقدمات ثورة 1919 بقيادة الشيخ محمد عبده، وكانوا هم مَن قادوا الثورة الجديدة بزعامة سعد زغلول، وكان شباب الحركة الطلابية في عامي 1935 و1936 هم الذين أخصبوا المناخ في أواخر أربعينيات القرن الماضي للتحوّل الدراماتيكي في يوليو 1952، كذلك كان شباب سبعينيات القرن العشرين هم الذين بدأوا الحراك الممهد لثورة يناير 2011، ومن ثم فستبقى أسئلة يناير مطروحة، ومطالبها مرفوعة، فهل مَن مجيب يختصر المراحل؟ الأفضل للجميع أن تأتي المبادرة من جانب النظام نفسه.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد