وَذَكِّرْ
 
 
صورة: أحمد رمضان
 

في مايو 2011 صدر كتاب «عيون رأت الثورة» عن دار «دَوّن» والذي كان يعرض لآراء 60 كاتبًا وكاتبة  في ثورة 25 يناير. نستعرض هنا آراء 6 من أبرز مَن انقلبوا على الثورة بمضي السنوات وتوالي الأحداث، نذكر بما قالوه في مايو 2011، ثم ما قالوه بعد ذلك.

يبدأ الكتاب بمقال للكاتب إبراهيم عيسى، الذي يتحدث فيه عن أن «مصر دفعت الضريبة من دماء أبناءها لتنال حريتها»، و«أن هذه الفكرة التي سال من أجلها دم الشهداء الطاهر»، ليتحوّل بعد ذلك هذا الدم إلى دم مشكوك فيه. ففي شهادته في محاكمة مبارك، يقول إنه لم يرِ إلا إطلاق المياه والغاز، ويكون قتل المتظاهرين أمر قامت به جهات معادية مثل حركة «حماس» أو «حزب الله».

وبينما يشيد الأديب الكبير، بهاء طاهر، بالثورة المصرية في الكتاب ويشيد بحركة شباب 6 أبريل «الجديدة الجسورة» ويشيد بشباب «الإخوان المسلمين» ودورهم الباسل في حماية المتظاهرين ويدعو كل الفصائل للتوحد «من أجل الديموقراطية الجديدة»، فإنه في 12 يونيو 2014 يصف خطاب عبد الفتاح السيسي بـ «الهرم الرابع وخط بارليف».

أما الراحل الدكتور جلال أمين فيصف ما حدث بـ «عبقرية الشعب المصري الكامنة» ويعتبر الـ 18 يومًا بأنها «رائعة ومدهشة»، ويعبّر عن تفاؤله بالمستقبل بعد 25 يناير. لكنه في مقال في 9 نوفمبر 2015 بعنوان «ليس ربيعًا ولا هو عربي»، ويصفها بأنها من «ثورات آخر زمن»، ويلمح أمين في مقال لاحق إلى نظرية المؤامرة و«وجود يد للقوى الغربية في هذه الثورات، وأن هناك أيدي خفية تحقق مصالحها من ورائها».

أما دكتور عمرو الشوبكي فلم يغيّر موقفه من ثورة 25 يناير، وتأييده لها في الكتاب، ولكنه حاول التوفيق بينها وبين الثورة المضادة في 30 يونيو بقوله في حوار له مع «الأهرام» في 30 يونيو 2015 إن «أهم ما فى 30 يونيو، أنها وضعت مصر على أرض الواقع، والبداية الصحيحة، فأحلام المصريين الكبيرة فى الحقيقة ارتبطت بثورتى 25يناير و30 يونيو، لكن حالة 30 يونيو أعادتنا إلى البداية الحقيقية وهى أن مصر بها دولة، ومؤسسات، وأن الشعب المصرى لم يستسلم لفكرة اختطاف دولته وسيطرة فصيل واحد عليها، وبالتالى عدنا إلى نقطة قد تكون بديهية فى مجتمعات كثيرة، ولكنها هنا هامة جدا، وهى عودة الدولة ومؤسساتها». ويبدو التناقض بين تأييده لـ «30 يونيو» التي قامت بالإقصاء الكامل لجماعة «الإخوان» ورأيه المنشور في كتاب «عيون رأت الثورة» بأن «العالم الذي أخافه مبارك بالإخوان تأكد أنه  يمكن دمجهم في أي نظام سياسي ديموقراطي»، و«أن الاستبداد هو الخطر الوحيد الذي يهدد مصر لا الديموقراطية».

أما نبيل فاروق، فيروي في الكتاب أنه قد وصف التظاهرات منذ اليوم الأول بالثورة وتنبأ بأن الشرطة سوف تنهار في مواجهة الشعب، وأن الجيش سوف ينحاز للشعب، ويصف الشعب بأنه يفوق «رجل المستحيل» في التصدي لبلطجية موقعة الجمل، وبأنه قد ركع لله يصلي مع إعلان مبارك التنحي، فلقد تحقق ما كان يحلم به. أما في مارس 2017 فيصف الثورات بـ «الجحيم العربي»، وذلك في حوار لجريدة «الرأي» الكويتية، قائلًا: «أن ما حدث هو مخطط أميركي، هدفه إعادة تقسيم الشرق الأوسط، بما يتناسب مع المصالح الأميركية». مضيفًا: «في شكل مفاجئ وجدنا ثورات في كثير من بلدان الوطن العربى بالشرق الأوسط، وانتشرت الجماعات الإرهابية في كل أنحاء الوطن العربي، واكتشفنا بعدها أن واشنطن هي الممول الرئيسي لها».

أما أستاذ العلوم السياسية معتز عبد الفتاح فيبدأ مقاله في الكتاب بآية قرآنية: «قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ»، ويتكلم «عن التدبير الرباني الذي جعل النظام يرتكب كل الأخطاء ليخرج مبارك» خروجًا غير كريم ويصبح رئيسًا مخلوعًا، ثم  يستشهد بأحمد شوقي:

زمان الفرد يا فرعون ولى  ودالت دولة المتجبرين

وأصبحت الرعاة بكل أرض   على حكم الرعية نازلين

ويمدح الشباب قائلًا: «يا شباب مصر النبلاء: أنتم نبت عظيم، حولتم الكلام إلى فعل، الحلم إلى حقيقة، الخيال إلى واقع»، ويستشهد بالدكتور سيف عبد الفتاح «إذا عمل الإنسان بالسنن، فاض الله عليه بالمنن»، ويدعو إلى «استمرار الروح الثورية والمشاركة السياسية من أجل الحفاظ على الثورة».

وفي يناير الجاري، يقول معتز بالله عبد الفتاح إن «ثورة 25 يناير كانت ثورة عشوائية بلا تنظيم أو رؤية أو قيادة تقودها للأمام»، وذلك في لقاء مع برنامج «الحياة اليوم»، المذاع عبر فضائية «الحياة»، معتبرًا أن «30 يونيو» اتسمت بكونها «ثورة منظمة وليست مدبرة، وأن القوات المسلحة استجابت فيها لمطالب الشعب». مستطردًا أنه كانت هناك حاجة «لمَن يتعامل مع مشاعر المواطنين الملتهبة، وضبط مؤسسات الدولة»، وتابع قائلًا: «الجيش مش بس حمى الثورة، لكن حمى الدولة والشعب، واللي مش مصدق يبص حوالينا».

بالطبع من حق أي شخص، وأي مفكر، أن يغيّر من رأيه. لكن التحوّل وفقًا للظروف السياسية والتناقضات في وقت قصير هو ما يمكن اعتباره لعبًا على الحبال من أجل مغازلة السلطة ومن أجل البقاء في الأضواء وتقديم البرامج والحصول على المكاسب معتمدًا على الذاكرة القصيرة للمُشاهد والمتابع، وما نفعله هو مجرد تذكير بما كان ومقارنة بما هو كائن.

اعلان
 
 
محمد يحيى