أسامة فوزي.. ألف ليلة وليلة حلوانية
 
 
مشهد من فيلم عفاريت الأسفلت - المصدر: موقع السينما دوت كوم
 

في منتصف التسعينيات، تبدو الساعات الأولى، من صباح يوم دراسي، في شوارع حلوان، بمجرد تجاوزي منطقة المحطة، هادئة ومكررة. لا يخرج من شارع المراغي في اتجاه «الجنينة اليابانية» إلا السُكّان الذاهبين لأشغالهم، ولا يدخله في هذه الساعات المبكرة، إلا أبناء مدرستي الإعدادية، والمدرسة المجاورة لنا.

طريق هادئ تشعر فيه ببرودة الرخام تنفذ في الأجسام. لكن في يوم تغيّر كل شيء، عربات نقل كبيرة على طرفي الطريق. قُطع الشارع، ووقف شباب لتغيير مسار حركتنا، ومطالبتنا بالابتعاد عن المنطقة المواجهة مباشرة لمدخل «اليابانية». وقفنا نسرق النظر من بعيد، محاولين تجاوز الشباب، ليظهر في نهاية الطريق محمود حميدة وجميل راتب، يستعدان لتصوير أحد المشاهد، وبينهما شاب بلحية خفيفة، يعطي توجيهات ويتحرك كثيرًا.

شارع في حلوان كما ظهر في فيلم «عفاريت الاسفلت»

الشارع نفسه الذي ظهر في فيلم «عفاريت الأسفلت»، يناير 2019. ويظهر في نهايته مدخل الجنينة اليابانية - المصدر: بسام مرتضى

كان أسامة فوزي يُخرِج أحد مشاهد فيلمه الأول «عفاريت الأسفلت» (1996)، من كتابة الروائي والسيناريست، المنفي اختياريًا، في هذه الشوارع مصطفى ذكري. وقفنا نتابع، قبل أن نجري سريعًا للحاق بالمدرسة، محملين بالأساطير، عن المشهد الذي رأيناه. نحكي لكل مَن نشاهده، بثقة، العالم بكل تفاصيل السينما، ونتفق أن نذهب جميعًا بعد اليوم الدراسي للاندساس في موقع التصوير.

حملنا معنا المغامرة للمدرسة، حملنا بداية خيط الحدوتة.

بعد المدرسة توجهنا في تجمهر، ولكننا لم نجد شيئًا. عادت المنطقة لسكونها، ولكن ظل التصوير أسطوريًا. في الأيام اللاحقة، زميل يحكي محاولة مداهمة طلبة «صلاح سالم الثانوية» للتصوير ليلًا بجوار «الكبريتاج»، مدرس يحكي أن التصوير يحدث في المنزل الملاصق له، في شارع خسرو باشا، في مركز شباب غرب حلوان. زميل آخر يحكي أن خاله صادف التصوير في موقف السرفيس بجوار مقهى البرازيل، وآخر يقسم أن أخيه الأكبر شاهد ليلى علوي هناك، ليلى فاتنة التسعينيات الملونة. في الأغلب كانت هذه الواقعة تحديدًا أسطورية بالكامل، أو اختلط الأمر على الأخ الاكبر بين ليلى وبين الفاتنة الملونة الأخرى منال عفيفي. وظلنا نسمع القصص، ونلملم الخيوط، محاولين تحديد خريطة تحركاتهم، لمقابلتهم مجددًا، لكن دون جدوى.

محمود حميدة في مشهد من «عفاريت الأسفلت، في موقف السرفيس، ووراءه قهوة البرازيل

الموقف وخلفه القهوة، يناير 2019 - المصدر: بسام مرتضى

سنة على الأكثر، وكان الفيلم متاحًا على شرائط «الفي إتش إس»، بعد فترة قصيرة من نزوله دور العرض السينمائي. من المشاهَدة الأولى تنتبه للتأثير الكبير للمكان على الحدوتة، لدرجة أنه يشبه لحد بعيد أساطير سُكّانها عن تصويره، في قالب درامي يشبه الأسطورة، يعتمد على بناء ألف ليلة وليلة الدائري، لكنها ليالٍ حلوانية تمامًا. اللقطات تشبه كل صبيحات حلوان الهادئة، يعكّرها فقط أصوات سعال المدخنين الخارجين للشوراع. خليط من الرجولة و«البرنسة» والاستعراض الجسدي الرجالي والنسائي، مع خسة وتواطؤ، يفيض من تحت الأبواب، ومن خلف شراعات المنازل. هذا ليس فيلمًا اجتماعيًا عن الفقراء، وعن الطبقة، أكثر ما يهمه الخوض في تعقيد هذه العلاقات. فيلم عن الخطيئة القدرية، عن التواطؤ، الذي يخلقه -جغرافيًا- المكان، وتشابكه الطبقي. حلوان في صورة أسطورية، تشبه حكايات الأسطى محمد المزين (حسن حسني) عن الشاعر الموصلي الذي فضّل قطع رقبته عن قطع لسانه، بعد خديعة عشيقته، الجارية مزنة.

عالم بصري يتحرك بين اللونين الأزرق والأسود، والإضاءات المنزلية الخافتة، والشوارع المحملة بشبورة دائمة؛ تجعل الأبطال يتحركون بشكل فاتن وساحر. صبغة سحرية تسيطر على كل لحظة وتفصيلة وجملة حوار، لدرجة جعلتني أتحرك في الشارع أبحث عن أبطاله، فصادفتُ الأسطى رينجو (عبد الله محمود) بشعره الناعم وجاكتته الجلد وملامحه المطحونة وعينه الوقحة، التي تحمل معها دموع المحب، في انتظار اكتمال تحميل ميكروباصه. شاهدتُ حلزونة (ماجد الكدواني) المختل عقليًا، المُقيم في الموقف، شاهدتُ انشراح (سلوى خطاب) الجملية المحرومة من الخطيئة، المليئة بالغضب، التي تسمع صرختها تزلزل ليالي حلوان الصامتة، وبعدها صوت سعال الأسطى سيد (محمود حميدة). أجساد منهكة تتهاوى، ممتلئة بالرغبة.

تعلقتُ بالفيلم تعلٌّق جعلني أنا وأصدقاء المدرسة نكرر عادة حِميدة وجميل في المشهد الختامي للفيلم المخزَّن في الذاكرة. نسير ووراءنا «الجنينة اليابانية»، نأكل البرتقال، ونرمي القشر في الشارع، من خلفنا، حالمين باللحظة التي ستضع الحبيبة قدمها على الرخام الأحمر في شباك بالدور الأرضي المشابه لبيت جدي، نميل على قدمها ونقبلها، فنميّزها من رائحة مياه الورد، فننطق بقصيدة الموصلي «برودة الرخام تنفذ في الأجسام».

مشهد من «عفاريت الأسفلت»

سنوات أربع مرت منذ الافتتان الأول، حتى علمنا أن لمصطفى ذكري وأسامة فوزي فيلمًا جديدًا في القاعات؛ «جنة الشياطين» (2000). تحرَّكنا من حلوان في اتجاه سينما «أوديون»، ودخلنا القاعة الصغيرة، التي تحوّلت في سنوات أخيرة وحتى العام الماضي، لسينما «زاوية»، وجلسنا مع خمسة آخرين، فقط، في السينما نشاهد الفيلم.

دعاية فيلم «جنة الشياطين» وقت نزوله دور العرض، عام 2000

صدمة لكل شيء توقعناه، صدمة جديدة من حيث الشخصيات والسرد، شخصيات عالم سفلي لا تعرف مكانه بالتحديد، ولا زمانه، لكنه مصنوع بحرفية مُلفتة، طبل القُماراتي الأشهر، الجثة المتنقلة التي تحاول عائلته استرداد جثمانه لدفنه بالشكل اللائق بمنير رسمي الموظف المحافظ، قبل أن يتحول لطبل البلطجي الصعلوك. رحلة الجثة في هذا العالم السفلي مع بوسي ونونا وعادل، في العربة المتهالك أبوابها، صوت أنفاسنا تكاد تنقطع في السينما، من الغرابة والدهشة، فنانون يشكلون ويخلقون شخصيات ودراما، في الفراغ حرفيًا، ويستخدمون كل التفاصيل، وبدون أي خلل درامي  يمكن أن ينبع من هذا الفراغ.

سِن طبل المطلية ذهب. التابوت الزان. الصور الشخصية تحت زجاج المكتب في مشهد الغسل. الضفدع في التابوت. وأبواب السيارة التي تُغلَق على ركابها في أحد المشاهد، ولا تستجيب لمحاولات الفتح، ومحاولة أبطال الفيلم كسرها بأجسادهم، لأنهم لا يطيقون الأسر. نهاية الرحلة في سيارة بلا أبواب، يتبادلون القبلات العنيفة، مع حركة الكاميرا البانورامية المركبة في مشهد الفينالة، حتى تنقلب الصورة، وتستمر السيارة في النفق حتى النهاية. درس فني تخرج منه صامتًا ومبهورًا وغير قادر علي مواصلة حياتك، كما دخلت، قبل أقل من ساعة ونصف فقط.

في منزل رفيق المدرسة الثانوية وقتها باسم مصطفى ومدير التصوير حاليًا، يجلس أخوه الأكبر طالب معهد السينما والمخرج الآن محمد مصطفى، يناقشنا في الفيلم، ويفسّر لنا مشاهد وتفاصيل معينة، بعدها يناولنا عددًا من مجلة «الفن السابع»، والتي كانت تصدرها شركة البطريق لمحمود حميدة، ومنتجة الفيلم. يتصدر الغلاف صورة من الفيلم ومكتوب بالأسفل بالفونت الكبير «هكذا صنعنا جنة الشياطين».

غلاف مجلة الفن السابع

في العدد مقالات وشهادات مع الصُنّاع، وصور لحميدة مع طبيب الأسنان وكواليس خلع أسنانه من أجل دوره بالفيلم. يحكي أسامة ومصطفى عن مراحل الصناعة، عن المجهود المبذول في صُنع المشاهد، عن رواية البرازيلي جورج أمادو «الرجل الذي مات مرتين»، المقتبس منها الفيلم، مع كثير من التشويه -على حد وصفهما، عن السببية والقصدية في كل حركة كاميرا، وفي كل قرار يخص الصناعة. كانت المرة الأولى في حياتي التي أشاهد فيها فيلمًا،  ثم أعلم بشكل تفصيلي كيف صُنع، عن السحر المصنوع والمدروس، عن أجرومية [قواعد النحو] الفيلم السينمائي. ولأول مرة أستقر على أنني أريد أن أعمل بهذه الصنعة، لن أكتفي بمقعدي كمشاهد، أريد أن أكون أسامة فوزي.

بعد ثلاثة أعوام، نزلتُ للعمل مساعدًا في مشروع فيلم لطالب معهد السينما وقتها المخرج إسماعيل حمدي. يصور الفيلم باسم صديقي، ويأخذني أخوه محمد مساعًدا معهم في الإخراج. كنت محبطًا لعدم نجاحي في اختبارات دخول المعهد. في امتحان الورشة، وهي مرحلة لاحقة على الامتحانات النظرية، التي تصفي العدد النهائي للمتقدمين العشرين، يجري اختيار ثمانية منهم لدخول قسم الإخراج، على مدار خمسة أيام تدريبات ونقاشات عن السينما.
وقتها سُئلت عن مخرجي المفضل، كانت الإجابة حاضرة بسهولة؛ أسامة فوزي. عاد السؤال: لماذا؟ حاولتُ الحكي برومانسية عن حلوان وشخصيات «عفاريت الأسفلت». أثناء التحضير النهائي لتصوير فيلم إسماعيل، حكى لي أنه قبلي بأربعة أعوام، وفي امتحانات دخول المعهد، عندما سُئل عن أفضل مخرج مصري، كانت إجابته أسامة فوزي أيضًا.
وعندما سُئل لماذا، قال: علشان شوارعي
– بس كل المخرجين شوارعية يا إسماعيل.
ـ لا كلهم مثقفين عاملين شوارعية، انما أسامة شوارعي صح.
ضحكنا يومها وبدأنا التصوير في شوارع حلوان. وظلت كل لقطة تُصوَّر في هذا المشروع بمثابة تحية للشوارعي الذي لم نلتقٍ به، تحية لمَن ألهمنا العمل في هذه الصناعة، لأسامة فوزي.

شارع في حلوان - المصدر: بسام مرتضى

في 2017، في الدورة الأولى لمهرجان «الجونة السينمائي»، وفي شوارع مصنوعة ومزخرفة شبه الشوارع، داخل مدينة مغلقة ومسوَّرة  شبه المدن، كنتُ أتنافس على منح الإنتاج لتنفيذ مشروعي التسجيلي الطويل المتوقف منذ مدة، وكان إسماعيل بدوره حاضرًا، يحاول البحث عن متحمس لتمويل فيلمه الروائي الطويل الأول المتعثر منذ سنوات. وكان هناك أيضًا أسامة عضوًا لإحدى لجان تحكيم الأفلام.

قابلتُه وحكيتُ له كل شيء، ابتسم بخجل، وأرجع أغلب الفضل لشريكه السابق مصطفى ذكري، ضحكنا سويًا، واحتفل معنا، بودٍ صافٍ بمشاريعنا. ثم أخبرنا متحمسًا أنه يجهز للعودة، بمشروع فيلم مشترك مع مصطفى؛ «أسود وردي» المحبوس منذ سنوات لظروف إنتاجية. بعدها بعام، حاول أسامة، في الدورة الثانية للمهرجان، أن يشترك بمشروع فيلمه هذا، في نفس مسابقة المِنح، ولكنه رُفض ولم يتمّ اختياره.

منذ شهور، أثناء  فعالية عروض أفلام يوسف شاهين المرممة، قابلتُ الزميلة المخرجة عايدة الكاشف، والتي تعمل على مشروع تسجيلي طويل تحاول الانتهاء منه منذ سنوات. تحكي لي أنها  برفقة مدير التصوير عبد السلام موسى يعملان على فيلم أسامة فوزي الجديد كمنتجين فنيين، وأن لديهما الأمل في أن يتحرك الفيلم للأمام، وأن هناك خطة زمنية بالفعل للبدء في التصوير.

حكينا وقتها عن أفلامنا المتعطلة، وعن ظروف الإنتاج، عن السوق وعن المنتجين القدامى والجدد، عن أزماتنا نحن كصُنّاع في إدارة العملية الإنتاجية وتوقعاتنا منها، عن فُرص الإنتاج المشترك الأجنبي، عن المنح والتنافس على مبلغ صغير هنا وآخر هناك، عن سنوات موت المشاريع بين أيدينا، عن طاقتنا اليومية المتناقِصة في التنقل بمشروع فيلمنا ومحاولة بيع فكرته، عن «البتشنج» والسوق والكلمات المفتاحية والعرض والطلب، عن عُقدنا الشخصية والتشكك المستمر بداخلنا حول  قراراتنا الفنية وموهبتنا من الأساس، عن عجزنا الشديد ومهارتنا المحدودة، رغم كل هذا النقاش حول كسر العملية الإنتاجية النمطية وخلق مناخ بديل. نقاش لا يقطعه إلا التأمّل في مشروع أسامة المعطل، في الملهم الأول صاحب الأفكار الإنتاجية المختلفة والمغامرة والرؤية السينمائية الطموحة والتقدمية. لم يكن متوقعًا أبدًا أن يكون أسامة معنا هنا في هذه الورطة. ليس منصِفًا ولا منطقيًا أن يقف أسامة، في نهاية الخمسينيات من عُمره، بأربعة أفلام فقط، لن يتحمل أسامة كل هذه الألعاب الذي نمارسها كمخرجين يحاولون إنهاء أعمالهم الطويلة الأولي أو الثانية.

في 8 يناير 2019  فوجئنا بخبر صغير منشور علي الإنترنت، يعلمنا بوفاة المخرج المصري أسامة فوزي. أيام تمر، ويظل الغضب وحده يسيطر.

الغضب من  صنعة الأفلام نفسها، غضب لا يتوارى وراء الحزن، ولا تداويه ذكرى سحر أفلامه، غضب من صنعة لم يكن في أيامه الأخيرة يتفاءل إطلاقًا بمستقبلها، ولكنه ظل يحاول ويأمل، ولكني لم أظن يومًا أن غضبي من الصناعة يأتي بسبب مَن فتنني بها في عنوانه «كيف صنعنا جنة الشياطين». كيف يعيش إبراهيم الموصلي يا أسامة دون لسانه؟

اعلان
 
 
بسام مرتضى