مستقبل العمل كما تراه منظمة «العمل»: سياسات تضمن اتخاذ البشر لا الخوارزميات للقرارات النهائية
ملصق دعائي لمنظمة العمل الدولية بمناسبة مئويتها
 

دعت منظمة العمل الدولية إلى إعادة النظر في بيئات العمل وطُرق تكييفها بما يتوافق مع التطورات الهائلة التي تشهدها طبيعة اﻷعمال على ضوء التطور التكنولوجي الكبير والتوجه إلى اقتصاديات أكثر مراعاة للبيئة، وذلك في تقرير صدر أمس، الثلاثاء.

التقرير أصدرته اللجنة الدولية حول مستقبل العمل، والتي تأسست في 2017 بتكليف من منظمة العمل الدولية، حيث عُقدت نقاشات ثلاثية اﻷطراف تجمع الحكومات وأصحاب اﻷعمال والمنظمات العمالية في أكثر من 110 دولة لبدء عمل اللجنة، بهدف إعداد تقرير حول ضمان مستقبل للعمل يضمن فرص عمل كافية ومستدامة للجميع.

وترأّس اللجنة رئيس الوزراء السويدي ستيفان لوفين، ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، وعضوية عدد كبير من الباحثين والجامعيين ومسؤولي منظمات المجتمع المدني من مختلف أنحاء العالم.

يأتي التقرير بمناسبة احتفال منظمة العمل الدولية بالذكرى المئوية لتأسيسها، ومن المفترض مناقشة التقرير خلال مؤتمر المنظمة والمقرر عقده في يونيو 2019. ودعا التقرير المنظمة إلى إعادة تعريف معاييرها بما يتفق مع التصور الجديد لشكل العمل في المستقبل.

يشير التقرير إلى ارتفاع تكلفة التطور التكنولوجي على سوق العمل. بحسب إحصائيات ينقلها التقرير، تتوقع قرابة 50% من الشركات أن تؤدي اﻷتمتة [التشغيل الآلي] إلى الحد بعض الشيء من قوتها العاملة بدوام كامل بحلول 2022. لكن اﻷشخاص الذين يفقدون وظائفهم في عملية الانتقال هذه «قد يكونون أقل تأهبًا لاغتنام فرص العمل الجديدة».

كما أن التوجه إلى اقتصاديات أكثر مراعاة للبيئة سيؤدي إلى فقدان الملايين لوظائفهم، وخلق مجموعة جديدة من الوظائف. «يُقدر أن يؤدي تنفيذ جدول أعمال باريس بشأن المناخ إلى فقدان قرابة 6 ملايين من الوظائف على الصعيد العالمي وتحقيق مكاسب قدرها 24 مليون وظيفة»، بحسب التقرير.

وإلى جانب التحديات الجديدة، هناك تحديات ما زالت قائمة فيما يتعلق بسوق العمل. طبقًا للتقرير، يعيش 300 مليون عامل في فقر مدقع، وهو عدد وصفه التقرير بأنه «مذهل». كما أن «كثيرين جدًا يعملون لساعات طويلة على نحو مفرط ويلقى الملايين حتفهم كل سنة بسبب الحوادث المرتبطة بالعمل»، باﻹضافة إلى «تفاقم مخاطر الصحة العقلية بسبب ضغوط أماكن العمل»، وانخفاض حصة الدخل القومي العائدة إلى العمل، والفارق الكبير في أجور النساء والتي تقل عن أجور الرجال بنسبة 20%.

التقرير دعا أيضًا إلى اتباع منهج جديد لتناول سؤال العمل في العصر الحديث، «يضع الناس والعمل الذي يضطلعون به في صميم السياسة الاقتصادية والاجتماعية وممارسة اﻷعمال».

حدد التقرير ثلاثة محاور أساسية ﻹعادة النقاش، تتمثل في الاستثمار في المقدرات البشرية، والاستثمار في مؤسسات العمل، والاستثمار في العمل الدائم والمستدام.

فيما يتعلق بالمحور اﻷول، طالب التقرير بتعزيز  الحماية الاجتماعية، والانتهاء من برنامج عمل تحويلي من أجل المساواة بين الجنسين، ودعم الناس خلال عمليات الانتقال.

كما طالب التقرير بوضع نظام لاستحقاقات التدريب من خلال إرساء نظام للتأمين ضد البطالة بعد إعادة تصميمه، أو صناديق اجتماعية تسمح للعمال بالحصول على إجازة مدفوعة اﻷجر للمشاركة في التدريبات.

وأوصى التقرير بإنشاء صناديق وطنية للتعليم والتدريب في البلدان التي يعمل فيها معظم العمال في القطاع غير المنظم، ووضع برنامج لتحقيق المساواة بين الجنسين، باﻹضافة إلى «ضمان حماية اجتماعية شاملة من الميلاد إلى الشيخوخة بما يُتيح فرصة التحرر من الخوف وانعدام اﻷمن»، خصوصًا وأن نصف سكان العالم ما زالوا يفتقدون الحماية الاجتماعية من أي نوع.

وفيما يخص مؤسسات العمل، دعا التقرير إلى ضمان حقوق العمال اﻷساسية في أجور معيشية كافية، وحدود ساعات العمل، وأماكن عمل آمنة وصحية.

واعتبر التقرير أن التكنولوجيا تعمل على «طمس الخط الفاصل بين وقت العمل والوقت الخاص بما قد يسهم في تمديد ساعات العمل»، داعيًا الحكومات ومنظمات أصحاب العمل ومنظمات العمال ﻹيجاد طُرق جديدة لتطبيق الحدود القصوى المحددة لساعات العمل على نحو فعّال. كما دعا إلى اتباع نهج يظل بموجبه الذكاء الاصطناعي «تحت إشراف اﻹنسان»، بما «يضمن أن يتخذ البشر القرارات النهائية التي تؤثر في العمل» وليست الخوارزميات.

وعلى صعيد الاستثمار في العمل الدائم والمستدام، دعا التقرير إلى برنامج عمل يركز على اﻹنسان في مجالي اﻷعمال والاقتصاد، تحويل الاقتصادات لتعزيز العمل اللائق والمستدام، ووضع حوافز لتعزيز الاستثمارات في المجالات الرئيسية التي «تعزز العمل اللائق والمستدام». وتطرق  إلى الاقتصاد الريفي حيث ما زال يعمل أكثر من عاملين من أصل كل خمسة عمال في العالم، يعيش كثير منهم تحت خط الفقر. وطالب التقرير باتخاذ تدابير عاجلة، وتشمل تعزيز حقوق حيازة اﻷراضي وتمكين المرأة وتحسين سُبل الوصول إلى الائتمان والتأمين واتخاذ تدابير لتحديد أسعار عادلة ومستقرة في مجال الزراعة لكفالة اﻷمن الغذائي، وتعزيز سُبل الوصول إلى طاقة نظيفة ومتجددة ومعقولة التكلفة في المناطق الريفية.

وأصدر التقرير عددًا من التوصيات لمنظمة العمل الدولية بمنح أولوية قصوى للتحديات الرئيسية التي تطرحها التغييرات في العمل، وإنشاء مختبر للابتكار بشأن التكنولوجيات الرقمية التي يمكن أن تدعم العمل اللائق، و«توسيع نطاق أنشطتها ليشمل أولئك الذين ظلوا على مر التاريخ مستبعدين من العدالة الاجتماعية والعمل اللائق لا سيما مَن يعملون في الاقتصاد غير المنظم».

اعلان

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن