بعد انتهاء المهلة الدستورية.. أين اختفى مشروع قانون إنهاء ندب القضاة؟
 
 

انتهت مساء الخميس الماضي مهلة الخمس سنوات التي ألزم الدستور، الصادر في 18 يناير 2014، مجلس النواب بأن يقوم خلالها بإصدار قانون لإنهاء ندب القضاة وأعضاء الجهات والهيئات القضائية لدى السلطتين التنفيذية والتشريعية، وقصر ندبهم إلى الجهات واللجان القضائية والإشراف على الانتخابات.

ورغم ذلك، لم يصدر البرلمان أي قانون في هذا الشأن، وبالتالي لم تتخذ الجهات والهيئات القضائية أي إجراءات لإنهاء ندب قضاتها إعمالًا للدستور، ما أثار تساؤلات عن مصير القانون، وما إذا كان سيواجه مصيرًا مشابهًا لقانون العدالة الانتقالية الذي ألزم الدستور البرلمان بإصداره خلال دور انعقاده الأول، ولم يفعل حتى دور الانعقاد الرابع الحالي.

كبير الباحثين بالأمانة العامة لمجلس النواب كشف لـ «مدى مصر» أنه حتى الآن لا توجد نية داخل البرلمان لإصدار قانون ندب القضاة، لافتًا إلى أنه خلال الأشهر الماضية، كان الحديث عن القانون يدور في إطار تعطيل إصداره أطول فترة ممكنة، أو إقرار قانون يسمح باستمرار الأمين العام لمجلس النواب، المستشار أحمد سعد الدين، في منصبه، وعدم إنهاء ندبه وعودته إلى عمله الأصلي بمجلس الدولة، على اعتبار أن وظيفته سياسية بدرجة وزير، وكذلك بالنسبة للأمين العام المساعد، ونواب الأمين العام ومساعديه من المستشارين الذين جاءت أغلبيتهم من مجلس الدولة، وكذلك الحال بالنسبة للمستشار القانوني الخاص برئيس البرلمان، وهيئة المستشارين بالأمانة العامة للمجلس، التي يزيد عدد أعضائها على 60 مستشارًا، إلى جانب المستشارين القانونيين الذين يعملون بشكل مستقل مع لجان البرلمان المختلفة، بحسب المصدر.

ويحظر الدستور في المادة 186 منه، ندب القضاة، كليًا أو جزئيًا، إلا للجهات وفي الأعمال التي يحددها القانون، بما يحفظ استقلال القضاء والقضاة وحيدتهم ويحول دون تعارض المصالح، ويلزم في المادة 239 مجلس النواب بإصدار هذا القانون متضمنًا «إلغاء الندب الكلي والجزئي لغير الجهات القضائية أو اللجان ذات الاختصاص القضائي أو لإدارة شئون العدالة أو الإشراف علي الانتخابات، خلال مدة لا تتجاوز خمس سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور» في 18 يناير 2014.

من جانبها، أكدت النائبة نادية هنري على أن قانون ندب القضاة يواجه نفس مصير قوانين العدالة الانتقالية، والإدارة المحلية، ومفوضية التمييز، لأن الحكومة والبرلمان تحالفا ضدها، وتجاهلا الإلزام الوارد بمواد الدستور بإصدارها، على حد قولها، مضيفة لـ «مدى مصر» أنها سلمت الأمانة العامة للبرلمان في 21 نوفمبر الماضي، مشروع قانون لتعديل قوانين الجهات والهيئات القضائية، لإلغاء الندب لغير الجهات القضائية، وقعه 63 نائبًا، غير أنه رئيس البرلمان لم يحله إلى أيٍ من اللجان المختصة حتى الآن، مشددة على أنها تقدمت بسؤال إلى رئيس البرلمان في نهاية ديسمبر الماضي، بشأن أسباب عدم إحالة المشروع، وما إذا كانت الأمانة العامة قد تدخلت لحجب المشروع عن مكتب المجلس (رئيس المجلس ووكيليه) أم لا، غير أنها لم تتلق ردًا من رئيس المجلس، علي عبد العال، حتى الآن.

وأوضحت النائبة أنه بالتزامن مع تعطيل مقترحها، يفرض مكتب البرلمان حالة من الغموض بشأن ما إذا كان البرلمان قد تلقى من الحكومة مشروع قانون خاص بتنظيم قواعد الندب من عدمه، مشيرة إلى أن وزارة العدل سبق وأعلنت عن إرسالها لمشروع القانون للبرلمان نهاية أكتوبر الماضي، ورغم ذلك لم يُحل رئيس البرلمان المشروع إلى اللجان المختصة، ولم تطالبه الحكومة في المقابل بسرعة إقراره تنفيذًا للدستور.

في المقابل، قال المستشار محمد عيد محجوب، مساعد أول وزير العدل، لـ «مدى مصر» إن مشروع قانون قواعد تنظيم الندب، موجود حاليًا داخل قطاع التشريع بوزارة العدل، للرد على ملاحظات مجلس الدولة. إلا أنه لم يوضح ما إذا كانت الوزارة قد أرسلت مشروع القانون للبرلمان، أم أنها تنتظر ملاحظات مجلس الدولة عليه قبل إرساله.

تتعارض تصريحات مساعد الوزير مع ما أعلنته الوزارة في 24 أكتوبر الماضي، عن انتهائها من إعداد قانون لتنظيم حظر ندب القضاة فى الجهات الحكومية، وإرساله إلى مجلس النواب.

كبير الباحثين بالأمانة العامة لمجلس النواب اعتبر أن حالة الغموض الحالية مقصودة لتفويت فرصة إصدار القانون، لافتًا إلى أن لجنة الإصلاح التشريعي، وتحديدًا لجنة التقاضي والعدالة المنبثقة عنها برئاسة الوزير السابق لشؤون البرلمان، مجدي العجاتي، سبق وأعدت القانون منذ تشكيلها في نهاية عام 2014، ضمن قائمة ضمت 12 قانونًا ألزم دستور 2014 بإصدارها، وسلمتها إلى وزارة العدل من وقتها، لتتخذ إجراءات إصدارها، سواء بإرسالها إلى مجلس الوزراء لمناقشتها والموافقة عليها ورفعها إلى رئيس الجمهورية لإصدارها قبل وجود البرلمان، أو لرفعها للبرلمان ابتداءً من يناير 2016، غير أن الوزارة أبقت قانون ندب القضاة في أدراجها حتى نهاية أكتوبر الماضي، أي قبل المدة الإلزامية لصدور القانون بأربعة أشهر فقط.

وأعلن قسم التشريع بمجلس الدولة، في 22 نوفمبر الماضي انتهائه من مراجعة مشروع قانون تنظيم الندب، الذي تسلمه من مجلس الوزراء في الثامن من الشهر نفسه، وإرساله ملاحظات على المشروع للحكومة، متضمنة توصية بتعديل غالبية مواد مشروع القانون الـ 11؛ لتضمنها مخالفات دستورية عدة، وخصوصًا المادة الثانية من القانون التي تضمنت، وفقًا لمذكرة قسم التشريع التي حصل «مدى مصر» على نسخة منها، حظر ندب القضاة أو أعضاء الجهات والهيئات القضائية، للعمل كمستشار أو خبير أو بأي صفة كانت في أي وزارة أو محافظة أو هيئة أو مصلحة حكومية أو أي جهة إدارية أيًا كان مسماها القانوني أو مصلحة حكومية أو أي جهة إدارية أيًا كان مسماها القانوني، أو أيٍ من شركات القطاع العام، أو قطاع الأعمال العام، أو أي شركة من الشركات المملوكة للدولة، أو التي تساهم الدولة، أو إحدى هيئاتها أو شركاتها في رأسمالها.

وهي الصياغة التي اعترض عليها قسم التشريع، و أوصى مجلس الوزراء بتعديلها لمخالفتها مع الدستور، على سند أن صياغة تلك المادة بطريقة تعدد الجهات التي لا يجوز الندب إليها، يترتب عليه إغفال بعض الجهات التي لا تدخل في ما عددته هذه المادة من جهات وأعمال لا يجوز الندب لغيرها، وهو ما يفسر بحسب قسم التشريع على أنه إجازة للندب للجهات وفي الأعمال التي لم يرد ذكرها، ومن بين تلك الجهات: المجالس النيابية والمجالس القومية والهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية أو الندب للجهات الدولية والمؤسسات الجامعية وغيرها من الجهات والأعمال، مشددًا على ضرورة تعديل النص ليتضمن تكرار ما جاء في المادة 239 من حظر الندب لغير أربع جهات على سبيل الحصر.

وخصت الفقرة الأخيرة من المادة الثانية من قانون الحكومة رئيس الوزراء بتحديد مجالات الندب لإدارة شؤون العدالة بقرار منه، بناء على اقتراح وزير العدل، وهو ما اعتبره القسم مخالفًا للدستور؛ لتعارضه مع استقلال القضاء، فضلًا عن كونه يفتح الباب أمام الحكومة -ممثلة في رئيس الوزراء ووزير العدل- لإدراج أعمال تنفيذية يجوز ندب القضاة إليها، تحت عنوان إدارة شؤون العدالة.

وقالت النائبة نادية هنري إن الكثيرين داخل البرلمان والحكومة يقفون أمام إصدار قانون منع ندب القضاة لغير الجهات والأعمال القضائية، بما يتسبب في عدم تفرغ القضاة لإنفاذ العدالة من ناحية، واستمرار معاناة موازنة الدولة بسبب المرتبات التي يحصل عليها القضاة المنتدبين لدى الحكومة والبرلمان، والتي تعادل أضعاف مرتباتهم من الجهات والهيئات القضائية، لافتة إلى أنها تقدمت، الشهر الماضي، بسؤال إلى وزيرة التخطيط، تطالبها فيه بالكشف عن عدد المستشارين المنتدبين في الجهات والهيئات والوزارات الحكومية وما يتقاضونه من رواتب، غير أنها لم تجب عن السؤال حتى الآن.

وكان وزير مجلس النواب، المستشار عمر مروان، قد قال في حوار تليفزيوني في 31 ديسمبر الماضي، إن قانون تنظيم ندب القضاة لن يلغي ندبهم للجهات الحكومية، ولكن ينظمه.

اعلان