«السفر بإذن الرئيس».. هل لسلطة السيسي حدود؟
 
 
السيسي يؤدي اليمين للفترة الرئاسية الثانية أمام مجلس النواب - المصدر: المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية(فيسبوك)
 

حالة من الجدل تسبب فيها قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أعطى رئيس الجمهورية حقًا حصريًا في إصدار «تراخيص بالسفر للخارج في مهام رسمية أو لأعمال تتعلق بالوظيفة»، لكل من رئيس مجلس الوزراء ونوابه و«وزراء الدفاع والداخلية والخارجية والعدل»، بالإضافة إلى «رؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية والأمنية ونوابهم» و«كل من يشغل وظيفة أو يُعين في منصب بدرجة رئيس مجلس الوزراء أو نائب رئيس مجلس الوزراء».

كما منح القرار، الذي نشرته الجريدة الرسمية، الإثنين الماضي، رئيس الوزراء سلطة الترخيص بسفر الوزراء -باستثناء الأربعة المشار إليهم- ونوابهم، والمحافظين ونوابهم، ورؤساء المجالس القومية والهيئات العامة والشركات القابضة والأجهزة التي لها موازنات خاصة، و«كل من يشغل وظيفة أو يُعين في منصب بدرجة وزير أو نائب وزير.. وكل من تكون له السلطات والاختصاصات المقررة للوزير المختص بمقتضى القوانين واللوائح».

اعتبر البعض القرار تغولًا من السلطة التنفيذية، ممثلة في رأسها (رئيسي الجمهورية والوزراء)، على استقلالية السلطتين التشريعية والقضائية وغيرهما من الجهات والهيئات المستقلة، فيما اعتبره البعض الآخر مجرد إعادة ضبط لقرار جمهوري موجود بالفعل (140 لسنة 1972) لتنظيم سفر كبار مسؤولي الدولة إلى الخارج.  

الدكتور صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري وعضو لجنة الخبراء العشرة لكتابة دستور 2014، قال لـ«مدى مصر» إن القرار لا يعدو كونه تنظيمًا لسفر كبار العاملين في الدولة في المهام الرسمية لاعتبارات إدارية ومالية، مضيفًا أن حصول المسؤولين على إذن بالسفر متعارف عليه في مصر والدول العربية منذ السبعينيات، وأن القرار الجديد للرئيس السيسي لا يختلف كثيرًا عن القرار الجمهوري للرئيس الأسبق محمد أنور السادات الصادر عام 1972 في ذات الشأن.

وكان القرار رقم 140 لسنة 1972، الذي ألغته المادة الثالثة من قرار السيسي، قد أعطى لرئيس الجمهورية سلطة منح تراخيص السفر للخارج للوزراء ونوابهم في المهام الرسمية «في حالات الضرورة القصوى، وبعد موافقة رئيس مجلس الوزراء»، فيما أعطى لرئيس الوزراء سلطة الترخيص بالسفر للخارج في المهام الرسمية لوكلاء الوزارات ورؤساء الهيئات والمؤسسات العامة وشركات القطاع العام ومديري الهيئات والمؤسسات العامة، «في حالات الضرورة القصوى».

هنا يلفت أحد نواب رئيس مجلس الدولة الانتباه إلى أن هناك «اختلاف جوهري» ما بين قراري السادات والسيسي، موضحًا لـ«مدى مصر» أن الأخير يُخضع رؤساء سلطات الدولة كافة وأجهزتها المستقلة للسلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، فيما يتعلق بالسفر للمهام الرسمية، بينما اقتصر  القرار الجمهوري للسادات على كبار العاملين في السلطة التنفيذية فقط.

وأشار نائب رئيس مجلس الدولة، الذي فضل عدم ذكر اسمه، إلى أن قرار السادات كان يخاطب السلطة التنفيذية فقط، وكانت سلطة الترخيص بالسفر بموجبه موزعة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، بينما قرار السيسي الحالي يجعل منه رئيسًا أعلى لكل السلطات وليس السلطة التنفيذية فقط، بعد إضافة «عبارة فضفاضة» تُخضع كل من يشغل في الوقت الحالي وظيفة بدرجة رئيس وزراء أو نائب رئيس وزراء أو سيُعين في المستقبل في تلك الوظيفة من خارج السلطة التنفيذية لسلطة رئيس الجمهورية في الترخيص بالسفر، وهو ما ينطبق مثلًا، بحسب المصدر، على شيخ الأزهر الذي يُعامل معاملة رئيس الوزراء من ناحية الدرجة الوظيفية والمعاملة المالية والبروتوكول، وكذلك محافظ البنك المركزي باعتباره يُعامل أيضًا معاملة نائب رئيس الوزراء من ناحية الدرجات والمعاملة المالية والبروتوكول.

وبحسب المصدر، قد يقع رئيس البرلمان، رأس السلطة التشريعية، تحت طائلة القرار الأخير، حيث تعامله المادة 35 من قانون مجلس النواب الصادر عام 2014، معاملة رئيس الوزراء ماليًا: «يتقاضى رئيس مجلس النواب مكافأة مساوية لمجموع ما يتقاضاه رئيس مجلس الوزراء».

من جانبه، قال الدكتور صلاح فوزي إن في القرار فقرة عامة لم تحدد نطاق تطبيقه، حيث أدرجت كل من يشغل وظيفة بدرجة رئيس وزراء أو نائب رئيس وزراء أو وزير أو نائب وزير، تحتاج إلى تفسير من الجهات المعنية لإدارات الفتوى التابعة لمجلس الدولة، لتوضيح ما إذا كانت تنطبق على شيخ الأزهر، مثلًا، أو رئيس مجلس النواب بوصفه منتخب وليس معين من الرئيس، من عدمه.

لكن نائب رئيس مجلس الدولة أكد أن القرار الجمهوري بصياغته الحالية، يخالف نصوص كثيرة في الدستور تتحدث عن استقلال السلطتين التشريعية والقضائية، والهيئات المستقلة مثل الأزهر، لافتًا إلى أن القرار يُخضع شيخ الأزهر لسلطة رئيس الجمهورية في الترخيص له بالسفر، رغم أن الدستور نص على كونه مستقلًا ويرأس هيئة مستقلة قائمة على كل شؤونها، ويُخضع القرار كذلك، بحسب المصدر، رئيس البرلمان بوصفه على درجة رئيس وزراء، ووكيليه وأمينه العام باعتبارهم يعاملون معاملة الوزير، لسلطة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء في الترخيص بسفرهم من عدمه، بالمخالفة للدستور الذي أوكل للبرلمان سلطة الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، ونفس الشيء بالنسبة للسلطة القضائية الممثلة في رؤساء الجهات والهيئات القضائية الخمسة (المحكمة الدستورية العليا، مجلس الدولة، القضاء العادي، النيابة الإدارية، هيئة قضايا الدولة) إضافة إلى النائب العام، ونوابهم الذين يعاملون معاملة وزير؛ جميعهم أصبحوا بموجب القرار خاضعين لسلطة رئيس الوزراء في الترخيص لهم بالسفر للمهام الرسمية، وهو ما يتعارض مع الدستور، بحسب المصدر.

اعلان