بعد تراجع التضخم.. هل انتهت الأوقات الصعبة واقترب الرخاء؟
 
 

تراجعت معدلات التضخم في أسعار المستهلكين في ديسمبر من العام الماضي ﻷقل مستوى لها في سبعة أشهر، بحسب البيانات الرسمية -الصادرة الأسبوع قبل الماضي- لتنهي عام 2018 بأخبار قد تبدو سعيدة. واعتبر البنك المركزي هذا التراجع دليلًا على نجاح سياساته الرامية لكبح التضخم، إلا أن نظرة متمعنة لأسباب هذا التراجع لا تسمح بالكثير من التفاؤل بشأن قدرة الاقتصاد على الحفاظ على استقرار الأسعار، خاصة مع اقتراب تنفيذ الحكومة لخطتها بتحرير أسعار الطاقة، بالإضافة إلى احتمال أن تمتد هذه الخطة لتشمل تحرير أسعار جميع السلع المدعمة مثل الأسمدة والغاز والغذاء المدعم.

وفي هذا السياق، أوجز «مدى مصر» أهم النقاط حول تطورات معدل التضخم وأسبابها، وما قد تؤول إليه خلال العام الجاري، من خلال علاقتها بأسعار السلع المتذبذبة مثل الخضراوات والفاكهة، والسلع الأخرى المدعمة، بالإضافة لأسعار الفائدة البنكية.

التضخم العام والأساسي

أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في 10 يناير الجاري، عن تراجع معدل التضخم العام إلى مستوى 12% سنويًا في ديسمبر  الماضي مقابل 15.7% في نوفمبر. في حين سجل التضخم الأساسي الذي يصدره البنك المركزي المصري معدلًا سنويًا قدره 8.3% مقابل 7.9% في الشهر السابق.

ويرصد مؤشر التضخم العام معدل الزيادة في أسعار سلة من السلع والخدمات خلال فترة زمنية معينة، ويعلن الجهاز المركزي للإحصاء بانتظام المؤشر السنوي الذي يقيس شهرًا من العام الجاري مقارنة  بالشهر نفسه من العام السابق، أما الشهري فيقيس كل شهر مقارنة بالسابق عليه من العام نفسه. أما مؤشر التضخم الأساسي فيرصد مستوى ارتفاع أسعار سلة السلع والخدمات نفسها -في فترة زمنية معينة- بعد استبعاد السلع التي تتحدد أسعارها إداريًا، مثل الوقود، والسلع التي تشهد أسعارها تذبذبًا كبيرًا كالخضراوات والفاكهة.

وكان البنك المركزي، الذي تستهدف سياسته النقدية تحقيق استقرار في مستويات الأسعار، أعلن أنه يستهدف خفض معدل التضخم إلى مستوى يتراوح بين 10% و16% في المتوسط خلال الربع الرابع من عام 2018، وهو ما نجح في الوصول إليه بحسب البيانات المعلنة حيث بلغ متوسط معدل التضخم العام نحو 15.1% في الربع الرابع؛ من أكتوبر إلى ديسمبر.

ويظهر الشكل التالي تطور معدلات التضخم العام والأساسي خلال العام الماضي، ويتضح منه اتساع الفجوة بين المعدلين في أكتوبر الماضي الذي شهد ذروة ارتفاع المعدل العام خلال 2018، الذي بلغ وقتها 17.67%، مقابل التضخم الأساسي الذي بلغ 8.85%. ويمثل هذا الاتساع بين المعدلين توجهًا استمر منذ مايو 2018، الذي تطابق فيه المؤشران.

المصدر: البنك المركزي المصري

يرى محمد أبو باشا، نائب رئيس قطاع البحوث ومحلل الاقتصاد الكلى في المجموعة المالية «هيرميس»، أن هذه الفجوة الواضحة بين معدلَي التضخم العام والأساسي تعود في المقام الأول إلى تراجع تأثير رفع أسعار الطاقة في منتصف العام على أسعار مختلف السلع والخدمات.

وأوضح أبو باشا لـ «مدى مصر» أن «التضخم الأساسي يستبعد تأثير أسعار الطاقة باعتبار أن أسعارها محددة إداريًا.. وبالتالي فاستقرار معدل التضخم الأساسي في النصف الثاني من العام الماضي في الوقت الذي واصلت فيه معدلات التضخم العام ارتفاعها حتى شهر أكتوبر 2018 يدل على ضعف تأثير رفع أسعار الطاقة على معظم السلع والخدمات التي تضمها سلة التضخم الأساسي». مضيفًا أن «هذا التأثير الضعيف لأسعار الطاقة يعود إلى تراجع قدرة المنتجين على تمرير ارتفاع التكلفة بشكل مفاجئ إلى المستهلك النهائي خشية تراجع الطلب بعد زيادات الأسعار المتوالية نتيجة ارتفاع التكلفة بدءًا من منتصف عام 2016 [الذي شهد تمرير ضريبة القيمة المضافة وخفض دعم الطاقة و تحرير سعر الجنيه]».

لماذا انخفض التضخم؟

يعود الجانب الأكبر من التراجع في معدل التضخم العام  في ديسمبر 2018 إلى انخفاض أسعار معظم بنود الأغذية والمشروبات مثل الخضراوات والفاكهة واللحوم والدواجن والأسماك.

وبحسب نشرة البنك المركزي الشهرية لتحليل التضخم، فإذا «انخفضت أسعار الخضراوات والفاكهة الطازجة بمعدل بلغ 22.27% و1.61% على التوالي، ليساهما مجتمعين بنسبة سالبة بلغت 3.39 نقطة مئوية في المعدل الشهري للتضخم العام. وقد انخفضت أسعار الطماطم للشهر الثاني على التوالي بعد ارتفاعها لمدة أربع أشهر متتالية، لتساهم بنسبة سالبة بلغت 1.48 نقطة مئوية في المعدل الشهري للتضخم العام. كما انخفضت أسعار البطاطس بعد ارتفاعها لمدة تسعة أشهر متتالية، لتساهم بنسبة سالبة بلغت 1.78 نقطة مئوية في المعدل الشهري للتضخم العام».

ويظهر الشكل التالي كيف تراجع التضخم الشهري العام استنادًا فقط إلى تراجع أسعار الخضراوات والفاكهة في الأساس، بعد فترة من ارتفاع واضح في أسعارها، وهو ما أرجعه البنك المركزي في نشرته فقط إلى «عوامل موسمية». فكما استند ارتفاع معدل التضخم الشهري العام في شهر سبتمبر 2018 في الأساس إلى ارتفاع أسعار الخضراوات والفاكهة، تراجع أيضًا في ديسمبر الماضي استنادًا إلى تراجع أسعار الخضراوات والفاكهة.

المصدر: نشرة البنك المركزي الشهرية لتحليل التضخم

ويرى أبو باشا أن التذبذبات الكبيرة في أسعار الخضراوات والفاكهة هو أمر تقليدي ومعتاد عمومًا في الاقتصاد المصري، وربطت شركة «شعاع» لتداول الأوراق المالية في مذكرة بحثية لها -اطلع «مدى مصر» على نسخة منها- بين هذا التذبذب وبين معدل التضخم موضحة أن «تقلبات معدلات التضخم مرهونة بتقلبات البند الأكثر ثقلًا في المؤشر وهو الأغذية والمشروبات».

ماهي إمكانيات البنك المركزي في كبح التضخم؟

ويقول أبو باشا إن «البنك المركزي استخدم أدواته النقدية، مثل سعر الفائدة البنكية والتحكم في معدلات السيولة في السوق، في كبح الطلب على نحو نجح عبره نسبيًا في وقف ارتفاع معدلات التضخم بعد الموجة التضخمية الكبيرة التي أعقبت تحرير سعر الجنيه».

وكان معدل التضخم العام قد بلغ ذروته في يوليو 2017، متجاوزًا 33%.

وقال أبو باشا إن «البنك المركزي حاول التمسك قدر الإمكان بمعدلات فائدة حقيقية موجبة [معدل الفائدة بعد خصم معدل التضخم بما يمثّل التعويض الذي تشكله الفائدة لأصحاب المدخرات عن تراجع قيمة مدخراتهم بسبب التضخم]، وهو ما يدعم كبح الطلب بطبيعة الحال، في ظل ما يمثّله من إغراء لأصحاب المدخرات بإيداع أموالهم في البنوك بدلًا من إنفاقها».

وكان البنك المركزي قد أعلن في بيان لجنة السياسة النقدية في  ديسمبر الماضي، أنه يستهدف خفض المعدل السنوي للتضخم العام إلى 9% (مع هامش للزيادة أو النقصان 3%) في المتوسط خلال الربع الرابع من عام 2020.

ويوضح الشكل التالي تطور مستويات الفائدة الحقيقية في الفترة الممتدة من بداية عام 2016 وحتى نهاية عام 2018، ويظهر تراجع معدل الفائدة الحقيقية مع ارتفاع معدلات التضخم بشدة في أعقاب تحرير سعر الجنيه في نوفمبر من العام الماضي بالرغم من أسعار الفائدة المرتفعة وقتها، قبل أن تعاود أسعار الفائدة تعافيها في 2018 مع التراجع النسبي في معدلات التضخم.

المصدر: شركة  «شعاع» لتداول الأوراق المالية

وبحسب مذكرة قدمتها شركة «مباشر» للخدمات المالية لعملائها، قبل أيام، فإن «وتيرة انخفاض التضخم في مصر (..) قد تحفز البنك المركزي المصري لإتباع سياسة مخالفة لغالبية التوقعات من خلال الاتجاه لتخفيض أسعار الفائدة في توقيت مبكر أكثر مما يتوقعه الجميع». مضيفة أن البنك المركزي سواء استمر في تثبيت أسعار الفائدة أو فاجأ السوق بتخفيض فوري و تدريجي في أسعار الفائدة، فإن الأمر المؤكد هو أن اتباع البنك لسياسة نقدية توسعية [في إشارة لأسعار الفائدة المنخفضة التي تمثل تشجيعًا للاستثمار] من خلال مواصلة برنامج تخفيض أسعار الفائدة «هو مجرد مسألة وقت».

وعلى كل حال، فقد «نجح أداء البنك المركزي في كبح الطلب نسبيًا، لكن على صعيد العرض فالأمر يقع خارج اختصاص البنك المركزي وأدواته بطبيعة الحال»، بحسب أبو باشا الذي أوضح أن الاقتصاد الحقيقي متمثلًا في حجم الإنتاج لم يشهد متغيرات يمكنها أن تؤثر إيجابًا على مستويات التضخم، موضحًا: «لا توجد أي مستجدات تذكر على صعيد الإنتاج الزراعي تدعم العرض من الخضراوات والفاكهة التي تمثل المحرك الرئيسي لمعدلات التضخم».

كما أن المتغيرات على صعيد سعر الجنيه تظل شديدة التأثير على معدل التضخم في مصر، على حد قول أبو باشا «في ظل عدم وجود متغيرات إيجابية على صعيد الميزان التجاري».

ولا زال الميزان التجاري المصري يشهد خللًا كبيرًا، إذ لم يتجاوز حجم الصادرات 25.8 مليار دولار تقريبًا مقابل واردات قيمتها 63.1 مليار دولار تقريبًا في عام 2017/2018، بحسب بيانات البنك المركزي المصري.

رياح حكومية معاكسة

تتوقع «شعاع» أن يستمر التضخم في تسجيل معدلات منخفضة لكن فوق الـ 10% خلال الربع الأول من العام الحالي؛ من يناير إلى مارس، وذلك بشرط «عدم وجود مفاجآت حكومية قريبًا». مضيفة في مذكرة بحثية أن «هذه الهدنة التضخمية قد تتوقف مع تحريك أسعار البنزين 95 في أبريل بشكل طفيف، تليها تخفيضات الدعم المتوقعة بحلول يونيو 2019 لباقي درجات الوقود وهي الأكثر تأثيرًا على التضخم بطبيعة الحال».

فيما ترى «مباشر» للخدمات المالية في مذكرة أخرى أن الحكومة المصرية في طريقها لتنفيذ «حركة تحرير شاملة لجميع أسعار السلع المدعمة، وقد تشمل تلك الحركة أسعار الأسمدة والغاز، وربما تُطال حتى أسعار الغذاء المدعم شاملة الخبز المدعم (..) لذلك فتوقعاتنا ليست محصورة في تحرير أسعار الوقود [وهو المعلن من الحكومة بالفعل] بل تمتد لتشمل تحرير أسعار جميع السلع المدعمة بالكيفية التي تضمن سعر سوقي واحد لكل سلعة لذلك فتحرير الأسعار يشمل أسعار الكهرباء [و هي معلنة بالفعل من الحكومة] وأسعار الغذاء بما فيها الخبز [مما يعني إلغاء بطاقات التموين كليةً] وأسعار الأسمدة وأسعار الغاز». مضيفة أن «تلك الإجراءات من المتوقع لها أن تسبب ضغوط تضخمية».

اعلان
 
 
بيسان كساب