«تشويش».. وإرباك المشهد الذكوري
مراجعة لثلاثة عروض من فعاليات «تشويش»
 
 
 
من عرض «موت ليلى»
 

على مدار أسبوع ، من 6 إلى 12 نوفمبر الماضي، أقيمت فعاليات «تشويش» برعاية معهد «جوته» المركز الثقافي الألماني بالقاهرة؛ وهي فعالية فريدة من حيث التنظيم والمحتوى. حيث يقوم القيم/ة ببرمجة محتوى مرتبط بصلة ما بالتوجه العام للفاعلية، وهو إحداث تشويش نسوي، إرباك المشهد/ المجتمع  الذكوري، ربما.

ضمّت الفعالية أكثر من شكل فني وثقافي: عروض أدائية، حوارات، محاضرات، أفلام، معارض بصرية/ تشكيلية. وهذا أمر فريد في تنظيم الفعاليات الفنية في مصر والمنطقة العربية في حد ذاته، لأن الفعاليات التي تتخطى النوع الفني ما زال يعد أمرًا غير مألوف في الأوساط الفنية.

قُدمت العديد من العروض الأدائية/ المسرحية في «تشويش»، وسأقوم هنا بتحليل ثلاثة عروض أدائية عربية فيها، استنادًا على ا لمحتوى والشكل، الذي تبناه كل عرض، وما قاله عنه صانعاته وصانعوه.

«في مكاني».. أميرة شبلي

من عرض «في مكاني» لـ أميرة شبلي

«في مكاني»، عرض راقص مصاحَب بخلفية بصرية، عبارة عن مقاطع فيديو لسيدات تونسيات من أعمار مختلفة، وكلهن ناشطات نسويات. يبدأ العرض برقصة منفردة بسيطة من أميرة، ثم يلي ذلك عرض لمقاطع فيديو لسيدات يرتدين ملابس سوداء بخلفية تصوير بيضاء، وأمامهن على طاولة ليمون أخضر وسكين، ويجاوبن على أسئلة وُجهت لهن، ونحن نسمع فقط الإجابات. وكانت الأسئلة، حول متى تعرّضن لعنف جنسي أو انتهاك، ومتى اكتشفت كل منهن الفرق بين الأنوثة والذكورة. يحكين بينما تنتقل الكاميرا ما بين وجوههن وأيديهن، في مشاهد متتالية، تحمل تقريبًا نفس المحتوى، بأداء غير محمّل بتأثر درامي أو بمشاعر.

بعد ذلك، تقوم أميرة برقصة ختامية، مفرداتها أقرب للرقص الشرقي، وتبدو كرقصة مرتجلة ليست مرسومة كيروغرافيًا. يلي ذلك مشاهد للسيدات واقفات مستندات إلي جدار يحاولن الرقص.

تقول أميرة عن عرضها في كتيب الفاعلية:

«أنا صورة من صورهن. تمثُّل من بين عدة تمثلات لنساء مختلفات. وإن كان حضوري على الركح [المسرح] ماديًا، وحضورهن افتراضيًا، فلست سوى انعكاسًا وتقاطعًا بين ما عشته وما عاشتهن. رسمنَ بحضورهن، أصواتهن، ملامحهن، وبأجسادهن، هويات اتخذت منها شركاء في الأداء، ومصدر إلهام للكتابة الدرامية، والكيروغرافيا. في رحلة من التساؤلات المتواصلة، تلتقي فيها، وعدد نقاط التماثل والاختلاف، بما تتحمله من نبش في ماضي الذات، ذاتي وذواتهن، تسطع الأسئلة المفاهيمية الكبرى، حول ماهية المذكر والمؤنث، الحدود الفارقة بين النساء والرجال، حول التفاوتات واللامساواة بيننا. أردت رسم صورهن، فرسمت صورتي من خلالهن، تعقيدات هويتي، مسألة الجندرية والثقافة والانتماء. حكايات تمتزج وتتعايش على الركح.. فيديو، موسيقى، مؤثرات صوتية، وجسد يكتب إيقاع الحركة».

هذه الكلمات القوية لوصف عرضها «في مكاني» لم تُترجم، في رأيي الشخصي، بالشكل الأمثل لجماليات نسوية مكثفة، فكان السرد العام لعرضها تقليديًا ومتوقعًا، بالإضافة لوقوعه في هنات دلالية، حيث أن الرقصة الأخيرة، الشرقية، لا تعكس بالضرورة، في رأيي، موقفًا أو خطابًا نسويًا قويًا، وإنما يمكن أن تُقرأ كتكريس لرقة النساء وهشاشتهن، كما هو راسخ في الوعي الجمعي العربي الذكوري. ربما تعطي دلالة أخرى للمتلقي الغربي، ولكن هذا ربما يوقعها في فخ آخر، وهو النظرة الاستشراقية للجسد الأنثوي العربي.

بالإضافة إلى أن مقاطع الفيديو التي تم اختيارها، والتي تحكي بها النساء اللاتي شاركن في هذا المشروع وكلهن ناشطات نسويات، عن تعرضهن لعنف جنسي، كانت بدون ربطها بالرجال، وكأن هؤلاء الرجال من كوكب آخر، أو أن الرجل عنصر دخيل  في منظومة العنف الجنسي، أو أن هذه ظاهرة في الماضي، وانتهت، كأن الحديث عن هذه الحوادث وكأنها حوادث طبيعية كالزلازل.

« بابا… تعا لعندي».. فرح برقاوي

عرض أدائي أقرب إلى المحاضرة. وعروض المحاضرة هي نوع من العروض القائم على التقديم السلس أو العلمي المنهجي لموضوع ما/ حكاية ما، بلا أي تأثيرات درامية، أو شكل مسرحي به سينوغرافيا أو رسم حركة. ويكون غالبًا مدعم بوثائق صوتية أو فيديو أو فوتوغرافيا. نجحت فرح تمامًا في خلق نص محكم ومكثف حوى فكرتها، وصراعها الجندري، والهوياتي، فهو عرض ذاتي جدًا، عنها، كأنثى عربية، تنتمي لعائلة فلسطينية عاشت بين أكثر من بلد عربي.

تسرد لنا فرح علاقتها مع أبوها الدكتور/ الطبيب عبدالرحمن من خلال تسجيلات الكاسيت التي كانت تتواصل بها معه، حينما كان يعمل بالأردن، وتعيش هي وأمها بسوريا، أو من خلال تسجيلات ألعابها الطفولية، هي ووالدها، وهما يتبادلان الأدوار، مرة كمذيعة وضيف، ومرة كمذيع وضيفة.

النص ذاتي جدًا حول هذه الشابة التي تعود لتجمع مقاطع من حياتها لتتعرف على كيف كانت علاقتها مع والدها الفلسطيني، المثقف، المنتمي إلى فصيل سياسي ثوري تقدمي. ومن خلال تفكيك هذه العلاقة تصرّح بوضوح عن تناقض ما كان يدعو له من حرية، وتحديدًا خطابه الداعم  لنساء أخريات، وتعامله معها كأنثى. لقد كان مرتبكًا وربما كان مغلولًا بالتقاليد الذكورية الراسخة، فالنظرية دومًا ليست كالتطبيق.

هناك جفوة في علاقة فرح بأبيها، وبما يمثله أيضًا تياره من المثقفين الفلسطينين الرجال. يظهر صوت أم فرح في التسجيلات، وهي تلقنها كطفلة صغيرة بضع كلمات تقولها لأبوها، في شريط الكاسيت الذي سيصله ربما مع أحد الأصدقاء.

تحاول أن تطوع كلمات فرح الصغيرة التي تتعامل مع الأب وكأنه الصديق الخيالي، وليس الأب، فهي لم تدرك الوجود المادي له. هو «بابا نويل» يرسل هدايا وأشرطة كاسيت مسلية. وهي أيضًا تريد أن تشتري له هدايا كالتي يرسلها هذا البابا الطيب، ولا تدرك أنه لا يرسل هدايا، وإنما يقوم برعايتها ماديًا، ولكن الأم هي من تقوم بكل شيء.

بطفولتها، أدركت أن بابا عبد الرحمن، صديقهما  الخيالي، الذي يعيش بعيدًا، مفككًا في صور فوتوغرافية، وشرائط كاسيت؛ يجب إعادة بنائه .

تتمثّل قوة هذا العرض في أنه عرض سيرة ذاتية، قائم على تكثيف محكم لقضية فرح الشابة النسوية مع تجسد الضد الذكوري، في شخصية أبوها، على مدى تاريخ علاقتهم. هذا التجسد الذكوري لم يشمل عنفًا ما، ولكن رصد ارتباكًا لجيل من المثقفين العرب، رسّخ مع الزمن تكريسًا لامتيازات ذكورية، ونفاقًا مجتمعيًا، عند هذا الجيل.

«موت ..ليلى».. علي شحرور

يبدأ العرض بتكبيرات العيد في منتصف عمق المسرح، في آخر نقطة. يقف موسيقيان وبينهما راقص خلف سيدة مسنة نعرف بعد ذلك أنها ندّابة (المعددة بالعامية المصرية). نراها تجلس على كرسي كبير ذو طابع غربي كلاسيكي، كرسي فوتييه. العرض هو استعراض لطقوس الندب اللبنانية، الشيعية تحديدًا.  بَنى شحرور العرض على التنويع بين الندب والعتابا (الزجل اللبناني)، حول موضوع الموت والشهادة.

يقول علي عن العرض:

«احتفال تحييه ندّابة وراقص، وموسيقيَّون. إنها قصة تُنسَج خيوطها من بيوت عتابا، ومرثيّات، وزغاريد النسوة، من نوى واشتياق لأجساد التحمت بالتراب. يستند العمل على احتفالات الشهادة والموت البطوليّ، مستعينًا بمواد مغنّاة ومرثيّات شعريّة توثّق الموروث الثقافيّ شبه المنقرض، مقاربًا علاقة الجسد بالدين وطقوسه المتحوّلة، ونوعيات الحركية المحلية الناتجة عنه».

ووفقًا لهذا الوصف، فنحن نستعد لحالة طقسية جمالية فقط حول مفهوم الشهادة والموت في المجتمع اللبناني، وربما الجنوب تحديدًا. ليلى هي ندابة، وليست ممثلة أو مؤدية. وهذا خلق مستوى آخر لعرض «موت ليلى». هذا العرض المحكم، جماليًا، بجماليات وصور مسرحية حداثية تنتمي للمسرح التجريبي أو الحداثي العربي: القطع البسيطة للديكور، مساحة الخشبة الفارغة، الاهتمام بالتصاعد الدرامي للراقص؛ بتلبسه حالة طقسية تصاعدية، والموسيقى أيضًا دائمًا في تصاعد (كريشندو). كل هذه الحيل الدرامية هي حيل تعد الآن جماليات مسرحية نخبوية وغرائبية في المسرح المعاصر.

تحتفي العروض المعاصرة بهدم تلك الطقسية أو الهالة المزيفة، ولكن وجود ليلى كندابة حقيقية/ محترفة جعلها تكسر تلك اللوحة المتقنة جدًا، رغم محاولاتها أن لا تفعل ذلك، فصوتها ما زال يأتي من المقابر، أو من البيوت. مهما تدربت سيتهدّج صوتها، أو يظهر وهي تصدح بالندب أنه لا هواء كافٍ في صدرها،  فتلتقط أنفاسها في ثانية لتكسر هذا الطقس المنمق المعد جيدًا.

أما في البناء الدرامي للعرض فقد قام المخرج والمصمم بوضع مشهد وثائقي في بداية العرض، ففي بداية العرض تقترب ليلى من الجمهور وتقوم بسرد قصة قصيرة عنها وعن زوجها، وعن قصة تعارفهما، وكيف تزوجا رغم رفض الأهل، ثم تنتقل للحظات الموت والفقد وكيف ندبت كل الأحباء والديها وأختها وابنها وزوجها.

يعتبر «موت ليلى» عرضًا يتناول إشكالية محورية الرجل/ الذكر في المجتمع اللبناني، وتحديدًا في المجتمع البسيط الفقير الشيعي؛ فكرة استشهاد الحسين المركزية، وتبني فقه الشهادة لدى المواطنين اللبنانيين المحتكين بالعدو الإسرائيلي، ثم الآن تطور مفهوم العدو ليتسع ويشمل العدو الداعشي/ لتكفيري/ السلفي/ السني، ربما أراد بتقديم هذا العرض، أن يقول كل ليلى هي تحيا فقط بالموت؛ موت أحد الشهداء، ليلى تزف الشهداء بندبهم ورثائهم، وبيوت العتابا، وبالتالي هي تحافظ على هذه الطقوس الظالمة لها، فهي ليس لها دخل في قرار الشهادة، هو واجب، وهي تحيا حول هذا الذكر الشهيد. وربما أيضًا يطرح رمزية الشهادة في لبنان، وعبادة الشهداء في كل فصيل سياسي وديني (سني- ماروني- شيعي- درزي)، ولكن كل هذه التأويلات تُفهم بفهمنا سياق الواقع اللبناني.

لم يتخذ المصمم أي موقع يحاول الصراع مع المنظومة الذكورية القائمة على الشهادة، بل خلق عرضًا عاطفيًا جميلًا عنها، فستظل ليلى تموت وتحيا مع شهدائها.

تقترب العروض الثلاثة من فن الأداء (performance art) أكثر من المسرح، وهذا منحهم الكثير من الحرية في طرح القضايا النسوية التي يعالجونها، والثلاثة عروض متنوعة من حيث موقع المرأة، محور الطرح الفني. «في مكاني» كانت النسويات في الفيديو تمثلن شريحة من النساء التونسيات، وفي «بابا.. تعا لعندي» هناك فرح وجيلها الشاب ويمثل العرض صراعًا ذاتيًا لإحدى ممثلات هذا الجيل من النسويات، أما «موت ليلى» هفقد عبر عن شريحة النساء غير الناشطات أو المثقفات نسويًا، هن فقط على فطرتهن وقويات.

اخترت هذه العروض الأدائية من الفعالية للحديث عنها. أما بالنسبة لفعالية «تشويش» ككل، فهذا النوع من الفعاليات يتطلب عند القيام بتناوله بشكل نقدي أن نضع في اعتبارنا الزمان والمكان الخاصين به. بشكل شخصي، رأيتُ «تشويش» في حد ذاتها، عرضًا أدائيًا، متعدد الوسائط والخشبات، عرضًا حداثيًا نخبويًا، لا يثير حساسيات مع السائد، ولا حتى يجذب انتباهه، عرضًا أدائيًا، به أفكار عديدة، ولكن يختار جمهوره بعناية، ويجمعهم في فقاعة كبيرة تفاعلية. وبالتأكيد هذا التوصيف ليس تقليلًا من أثره، إنما محض توصيف لهذا الأثر في السياق الأكبر، وهو المجتمع الثقافي القاهري.

اعلان
 
 
عادل عبد الوهاب