في «واقعة الحُضن».. ما دور الجامعات تجاه -ما تراه- مخالفات أخلاقية من الطلاب؟
 
 

بعد معاقبة جامعتَي الأزهر والمنصورة اثنين من طلابهما بالفصل، على خلفية واقعة «فيديو الحُضن»، ثم التراجع عن تلك العقوبات لاحقًا، ثار النقاش حول ماهية الدور المنوط بإدارات الجامعات حيال ما تراه «مخالفات أخلاقية» يقوم بها طلابها؟ وإلى أي مدى يمكن للإدارات أن تتمسك بتنفيذ القوانين بحذافيرها، وصولًا لحد اتخاذ قرارات يراها البعض متعسفة، خاصة وإن كان في إمكانها أن تمارس دورًا أقرب للتوجيه، إن أصرت على أن ما قام به الطلاب يعد مخالفة؟

كان فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مطلع هذا الشهر، وتناقلته لاحقًا وسائل إعلامية، يُظهر أحد الطلاب يتقدّم لخطبة طالبة في كافيتريا بجامعة المنصورة، مقدمًا لها باقة من الورود ثم يتعانقا. قررت جامعة اﻷزهر فصل الطالبة، قبل أن تتراجع -بعد تدخل شيخ الأزهر- لحرمانها من حضور امتحانات الفصل الأول، وهو ما حدث مع الطالب من قِبل جامعة المنصورة، التي قررت فصله لعامين قبل أن تقبل تظلمه وتخفف العقوبة إلى حرمانه من حضور الامتحانات هذا الفصل أيضًا. وبالتزامن مع الأزمة انطلقت حملة للدفاع عن الطالبين تحت وسم: «#الحب مش جريمة»، وذلك لانتقاد تعسف إدارتي الجامعتين ضد بطلي الواقعة.

يقول محمود (19 سنة)، طالب الفيديو الذي فضّل الاكتفاء بذِكر اسمه الأول، لـ «مدى مصر»: «الموضوع من أوله واخد أكبر من حجمه.. بسبب الفيديو اللي انتشر على السوشيال ميديا، أنا مش عارف اللي حطوا الفيديو استفادوا إيه، فيه ناس مشكورين دعمونا، بس فيه ناس اتكلموا على الموضوع على سبيل التريقة والهزار، ولو كانوا مكاني ما كانوش قالوا كده».

في تفسيره للقرارين تجاه الطالبة، يقول المتحدث باسم جامعة «الأزهر» أحمد زارع لـ «مدى مصر» إن العقوبة الأولى التي صدرت استندت على قانون تنظيم الجامعات ولائحته التأديبية، وأن مجالس التأديب هي مجالس قانونية تصدر عقوبات وفقًا لسلطتها التقديرية. مضيفًا أن العقاب الرادع الذي صدر في البداية كان ناتجًا عما يصفه زارع بفعل مثّل «إهانة لمؤسسة الأزهر»، قاصدًا الحضن. ويستكمل موضحًا: «شيخ الأزهر هو رئيس مؤسسة الأزهر بما فيها الجامعة، ومن سلطته حتى إلغاء أي عقوبة تأديبية تصدرها الجامعة، لكنه فضّل أن يطلب من المجلس التأديبي إعادة النظر، وبالتالي على المجلس الاستجابة لطلبه».

من جانبها، ترى المحامية بمؤسسة «حرية الفكر والتعبير» فاطمة سراج، أن فصل طالبة الأزهر وطالب جامعة المنصورة لا يتناسب مع الفعل، خاصة أن ما قاما به هو فعل إنساني واجتماعي لا يخضع للجزاءات، ولا يجب اعتباره مخالفة، كما أن الطالبين لم يُمسك بهما متلبسين، بل كان العقاب مبنيًا على فيديو انتشر على «السوشيال ميديا»، معتبرة أن ما حدث هو سوء استخدام للقانون.

وتنصّ المادة 246 من قانون تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها والخاصة بنظام تأديب الطلاب على قائمة من المخالفات التي تستوجب العقاب، منها «كل فعل مخل بالشرف والكرامة، أو مخل بحسن السير والسلوك داخل الجامعة وخارجها». أما المادة 248 فتحدد العقوبات التأديبية ما بين التنبيه، والحرمان من امتحانات فصل دراسي واحد أو أكثر، والفصل المؤقت، وتصل حتى الفصل النهائي.

أما المادة 123 من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات المختصة بالمخالفات التي تستدعي عقوبات على الطلاب في الجامعات الحكومية، فهي تتشابه مع مثيلتها في قانون الأزهر أيضًا، فتنصّ على مخالفات من ضمنها «الأفعال المخلة بالآداب العامة وبحسن السيرة والسلوك داخل الجامعة أو خارجها مما يسيء إلى سمعة الجامعة»، وتتضمن العقوبات الواردة في المادة 124 من اللائحة أيضًا قائمة من العقوبات تبدأ من التنبيه والإنذار، والحرمان من الإمتحانات، وحتى الفصل المؤقت أو النهائي.

أما رئيس جامعة القاهرة السابق جابر نصار فيستنكر الغلو في معاقبة الطالبين، ويقول لـ «مدى مصر»: «عملوا من الحبة قُبة، وكان لازم التعامل مع الأمر من الأول بعقلانية، والحفاظ على سُمعة البنت». مضيفًا أن هناك ميل للفضائح والتشفي في التعامل مع الواقعة، حسب تعبيره.

فيما يرى المتحدث باسم «الأزهر» أن للجامعة سلطة على طلابها داخل وخارج الجامعة، قائلًا: «الطلبة ينتسبون لمؤسسة لها تقاليد وأعراف ويجب الالتزام بها». مضيفًا أن ما يحدد السلوك الحسن هو ما يُتفق عليه فيما يخص أعراف وتقاليد المجتمع. وبحسب رأي زارع، فإن ما حدث من الطالبة والطالب لا يجوز حتى لو كان ما يجمعهما خطوبة أو زواج، لأنه تصرف غير مقبول حدوثه في الشارع.

وفق ورقة بحثية أصدرتها مؤسسة «حرية الفكر والتعبير» في 2012، تحت عنوان «حق الطلاب في نظام تأديبي عادل ومنصف»، فإنه يتمّ «استخدام النظام التأدیبي في كثیر من الأحیان ضد الطلاب بشكل تعسفي». وقد اطلع «مدى مصر» على نسخة من الورقة التي وضعت قواعد تأدیب طلاب الجامعات بالأساس لتنظیم علاقتهم بإدارة الجامعة من ناحیة، ومن ناحیة أخرى لتنظیم علاقة الطلاب ببعضهم البعض داخل مرافق التعلیم العالي، وخلف ستار حمایة هذا المرفق وضمان سیر العمل به على نحو سلیم.

وتضيف فاطمة سراج لـ «مدى مصر» أن هناك قضايا تتولاها «حرية الفكر والتعبير» لصالح طلبة فُصلوا من جامعاتهم نتيجة لوقائع مماثلة، ورغم مرور سنوات على بعض هذه الحالات لم يحكم فيها بعد ولا يزال الطلاب مفصولين، بل هناك طعون على قوانين تنظيم الجامعات أمام الدستورية العليا ولم يفصل فيها بعد.

وبحسب فاطمة سراج، فإن «الجامعة مش المفروض تكون وصية أو ليها دور أخلاقي. لكن كل شوية بيحصل تدخل أكثر زي قرار أن يكون فيه كود لبس معين للطلبة، خصوصًا أن مصطلح المحافظة على الآداب والتقاليد الجامعية مطاط جدا».

فيما يضيف نصار: «يفيد بإيه التخفيف بعد الفضيحة.. بنت وولد غلطوا.. يدبحوا يعني!؟ ياما حصلت وقائع مماثلة في الجامعة، وكنّا بنبّه، أو بنستدعي أولياء الأمور وناخد تعهد، من غير فصل ولا فضايح». ورغم اعتبار نصار أن ما قام به الطالب والطالبة فعلًا مستهجنًا، إلا أنه ينتقد طريقة التعامل معه، فيرى أن هذا الفعل يجب أن يوضع في إطاره الصحيح حرصًا على سمعة ومصلحة مَن قاما بالواقعة.

ولم يتسن لـ «مدى مصر» التواصل مع الطالبة، فيما يشير محمود، الطرف الآخر في الواقعة، إلى أن المشكلات لم تنته منذ انتشار الفيديو، موضحًا أنه بخلاف التحقيق معهما، والقرارات الصادرة ضدهما، فقد توقف إتمام الخطوبة بسبب غضب أسرة الفتاة. ويقول: «الحمد لله إنها خلصت على قد كده، حرمانا من الامتحانات أحسن من فصل سنتين أو فصل نهائي، أما إحساسي بالظلم ده هاخليه لنفسي، مش هاعمل بيه حاجة بعد كل المشاكل اللي حصلت».

اعلان
 
 
هدير المهدوي