تحديات على طريق تمويل منظومة التأمين الصحي الجديدة
 
 

تقترب الحكومة من تسوية خلاف مع قطاعات أعمال مختلفة حول مساهمتها في منظومة التأمين الصحي الشامل الجديدة، وذلك بعدما أبدى وزير المالية استعداد الحكومة ﻹعادة النظر في هذه المساهمة.

تغير الموقف الحكومي جاء بعد اجتماع عقده وزير المالية مع عشرات من ممثلي قطاعات اﻷعمال ومكاتب المحاسبة يوم الخميس الماضى، واستحوذ فيه هذا الخلاف على النقاش، حسبما نقلت صحيفة البورصة في تقرير حول الاجتماع.

وبحسب قانون التأمين الصحي الجديد، والذي أقره مجلس النواب في ديسمبر 2017، تلتزم كافة اﻷنشطة الاقتصادية بسداد 0.25% من إجمالي إيراداتها إلى هيئة التأمين الصحي، وهي الهيئة المسؤولة عن إدارة وتمويل نظام التأمين الصحي الجديد. ولا تُخصم هذه المساهمة من الضرائب المستحقة على هذه اﻷنشطة الاقتصادية.

بحسب مختصين، فإن مطالب الشركات قد تكون منطقية، لكنها تشير إلى عدم وضوح طريقة التطبيق العملي لمصادر تمويل التأمين الصحي الجديد، وذلك على الرغم من بدء تحصيلها بداية من العام المالي الحالي، وقبل شهور قليلة من تطبيق المرحلة اﻷولى من النظام، والمنتظر انطلاقها في يونيو القادم في محافظات القناة وسيناء.

كيف يتم تمويل التأمين الصحي؟

تشير التقديرات إلى أن تكلفة تطبيق منظومة التأمين الصحي الجديد بمراحلها الستة التي من المفترض أن تغطي كل محافظات الجمهورية بنهاية 2032، تصل إلى 600 مليار جنيه. بحسب القانون، تُقسم التكلفة بالتساوي على ثلاثة مصادر أساسية للتمويل:

1- اشتراكات العاملين وأصحاب اﻷعمال: بقيمة 200 مليار جنيه:

  • صاحب العمل يلتزم بسداد 3% من اﻷجر كاشتراك للعامل + 1% إصابة عمل.
  • العامل يلتزم بسداد 1% من أجره + 3% عن زوجته (إذا كانت لا تعمل) + 1% عن كل طفل.
  • أصحاب المعاشات: 2% من قيمة المعاش الشهري.

2- خزانة الدولة بقيمة 200 مليار جنيه: وتغطي اشتراكات الفئات غير القادرة في المجتمع، ويتم احتسابها بقيمة 5% من الحد اﻷدنى للأجور المعتمد.

3- المساهمة المجتمعية: بقيمة 200 مليار جنيه، وتتمثل في:

  • %0.25 من الإيرادات السنوية للشركات: تفرض على جميع الشركات العامة والخاصة بغض النظر عن حجمها، لصالح الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل.
  • %0.5 من قيمة مبيعات شركات الأدوية والأغذية وقيمة أعمال شركات المقاولات.
  • 75 قرشًا من قيمة كل علبة سجائر تُباع بالسوق المحلية، تزيد كل ثلاث سنوات بقيمة 25 قرشًا أخرى حتى تصل إلى 150 قرشًا.
  • %10 من قيمة كل وحدة مباعة من مشتقات التبغ غير السجائر.
  • 1000 جنيه عن كل سرير عند استخراج تراخيص المستشفيات.
  • من 1000 إلى 15 ألف جنيه عند استخراج تراخيص العيادات الطبية ومراكز العلاج والصيدليات وشركات الأدوية، وفقًا للقواعد والضوابط التي تحددها اللائحة التنفيذية عند التعاقد.
  • 20 جنيه عن كل عام عند استخراج أو تجديد رخصة القيادة.
  • بين 50-300 جنيه سنويًا عند استخراج أو تجديد رخصة تسيير السيارات حسب فئتها.
  • جنيه واحد يحصل عند مرور كل مركبة على الطرق السريعة التى تخضع لنظام تحصيل الرسوم.

يشير علاء غنام، مسؤول وحدة الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية والذي شارك في لجنة صياغة مشروع القانون، إلى أن مشروع القانون الذي اقترحته اللجنة وتقدمت به الحكومة إلى مجلس النواب حدد 11 نشاطًا اقتصاديًا تلتزم بدفع نسب مختلفة من أرباحها (وليس إيراداتها)، أغلبها نشاطات ملوثة للبيئة وتحصل على أحد أشكال الدعم من الدولة، مثل صناعة اﻷسمنت أو المبيدات أو غيرها، حسبما أوضح غنام. لكن مع وصول مشروع القانون إلى البرلمان، قرر النواب تعديل المادة المقترحة واستبدالها بالنص الحالي.

أدخل مجلس النواب تعديلًا يُرغم كافة الشركات واﻷنشطة الاقتصادية على دفع نسبة 0.25% من مجمل إيراداتها كمساهمة في التأمين الصحي. يشير غنام إلى أن وجهة النظر التي دفعت النواب ﻹدخال هذا التعديل هي المخاوف من أن ينعكس قصر المساهمة على صناعات محددة مثل الحديد واﻷسمنت على زيادة أسعار العقارات واﻹضرار بالحقوق الخاصة بالسكن.

لكن توسيع قاعدة الشركات أثار اعتراضات مختلفة. في ديسمبر الماضي، نقلت صحيفة المال عن مصادر لها أن اتحاد البنوك المصرية يسعى للحصول على موافقة وزارة المالية ومصلحة الضرائب على احتساب نسبة المساهمة في التأمين الصحي جزءًا من مصروفاتها، وبالتالي خصمها من الاستحقاقات الضريبية عليها.

الموقف ذاته أعربت عنه الشركات خلال اجتماعها مع وزير المالية يوم الخميس الماضي، حيث طالبت بخصم إسهاماتها من استحقاقاتها الضريبية، وإعادة تعريف ما يعنيه القانون باﻹيرادات «لاستبعاد اﻹيرادات غير الحقيقية الناتجة عن فروق العملة، وإعادة التقييم ومراعاة طبيعة إيرادات أنشطة معينة مثل نشاط البيع بالتقسيط والبيع بالعمولة وصناديق الاستثمار».

في تعليق له على الخلاف، طرح زياد بهاء الدين، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي اﻷسبق، أسئلة تسلط الضوء على غموض هذا الموقف، في مقال نشرته صحيفة الشروق أمس الثلاثاء. «هل يعنى هذا أن الشركات التى تقع فى محافظات لن تستفيد من التأمين الصحى إلا بعد سنوات طويلة ليست ملزمة بالدفع فورا؟ أم أنها ستدفع دون تلقى الخدمة؟ وكيف يكون رسما وهو مرتبط بحجم المبيعات السنوية وليس بحجم الخدمة التأمينية؟ وما العمل فى الشركات التى ستدفع ثم يتبين أنها حققت خسائر نهاية العام؟ وهل المبالغ المدفوعة قابلة للخصم من الوعاء الضريبى أم لا؟ وما الذي جرى لمبدأ وحدة الموازنة أصلا؟».

يتفق غنام وبهاء الدين على أن مطالب الشركات وقطاع اﻷعمال قد تكون منطقية لعدم اﻹضرار بنشاط القطاع الخاص وﻷن تحصيل هذه المساهمات بدأ بالفعل قبل البدء في تنفيذ المنظومة. وبحسب رأي غنام، فإن المخرج من هذه اﻹشكالية قد يكون احتساب النسبة على اﻷرباح وليس اﻹيرادات، أو الاستجابة لمطالب الشركات بخصمها من الضرائب.

لكن اﻷسئلة المتعلقة بتمويل منظومة التأمين الصحي تتجاوز الشركات والبنوك. يشير محمد جاد، الباحث الاقتصادي، إلى أن اعتراضات مجتمع الأعمال قد لا تكون الوحيدة من نوعها، حيث تفتقد قطاعات واسعة من الرأي العام المعرفة الكافية بتفاصيل القانون والاشتراكات الإلزامية التي يمكن أن يقتطعها من دخلهم، ولا نعرف بعد مدى تقبلهم لفكرة الاقتطاع من دخولهم بشكل إجباري في مقابل خدمة تأمينية.

بحسب رأيه، فإن عددًا من اﻷسئلة المثيرة للاهتمام تأتي مع بدء تنفيذ منظومة التأمين الصحي على رأسها مسألة خصم وتوريد الاشتراكات من الدخل المباشر، خصوصًا في حالات العمالة غير الرسمية، والمرأة غير العاملة التي يدفع عنها زوجها.

ارتفعت نسبة العمالة غير الرسمية في مصر إلى 50.5% من مجموع القوة العاملة في عام 2016، بحسب إحصائيات منظمة العمل الدولي. وبلغ عدد النساء المتفرغات ﻷعمال المنزل 17.8 مليونًا بنسبة 28.6% من إجمالي القوة البشرية القادرة على العمل، طبقًا لتقدير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. ولا يخضع هؤلاء لقوانين التأمين الاجتماعي.

تلزم المادة 41 من قانون التأمين الصحي «العامل لدى نفسه والمهني والحرفي من غير ذوي المرتبات المنتظمة ورب اﻷسرة غير الخاضع لقوانين التأمين الاجتماعي بسداد اشتراكه واشتراك الزوجة غير العاملة والتي ليس لها دخل ثابت ومن يعيش في كنفه من اﻷبناء والمعالين على هيئة دفعات نصف سنوية. لكن القانون ولائحته التنفيذية لم يوضحا طرق تنفيذ هذا الالتزام.

يضيف جاد أنه عندما طرح تفاصيل القانون بشكل عشوائي على بعض أبناء الطبقة الوسطى، موضحًا لهم أنه سيقتطع أموالًا إضافية من دخولهم لصالح منظومة التأمين الجديدة، لاحظ عدم رضاهم عن هذه الفكرة بسبب عدم ثقتهم في أن الدولة ستقدم فعلًا خدمة صحية ذات جودة. «سوء مستوى خدمات التأمين الصحي، والروتين المطلوب للحصول على الخدمة الصحية من تلك الهيئة، حصر نسبة المستفيدين منها في 25% فقط من الأُسر المصرية»، حسبما أوضح جاد في تقرير سابق نشره «مدى مصر».

يتفق بهاء الدين في مقاله مع الغموض المتعلق بطريقة تنفيذ القانون. بحسب وصفه، هناك «عدم وضوح اﻵليات التنفيذية لتأهيل وتجهيز الهيئات الثلاثة التى يمنحها القانون صلاحيات التمويل وتقديم الخدمات الصحية والرقابة، وعدم وضوح كيفية تطبيق القانون تدريجيًا فى مختلف المحافظات على مدى زمنى يصل ربما إلى خمسة عشر عامًا، وأخيرًا وليس آخرًا طبيعة الرسوم والضرائب التي يفرضها القانون من أجل تمويل التغطية التأمينية الشاملة للشعب كله».

ومع اقتراب موعد بدء تنفيذ المرحلة اﻷولى من النظام، فإن اﻹجابة عن هذه النقاط أصبحت أكثر إلحاحًا. يرى غنام أن مراجعة اللائحة التنفيذية وتعديلها أمر وارد. بحسب رأيه، فإن الهدف من اللوائح التنفيذية هو اﻹجابة عن اﻷسئلة وسد الثغرات التي تظهر عند تطبيق القانون.

ومع ترأس وزير المالية لهيئة تمويل التأمين الصحي، بموجب قرار تشكيلها الذي أصدره رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قبل أيام، يُفتح الباب أمام اﻷجابة على تحديات تطبيق نظام التأمين الجديد بحكم كونه الوزير المسؤول عن مصادر التمويل الحالية، بحسب رأي غنام، وبسبب خبرته الكبيرة في مجال الدراسات الاكتوارية اللازمة، بحسب رأي بهاء الدين.

لكن، وفي المقابل، يشدد غنام -ويتفق معه بهاء الدين- على ضرورة ألا تمثل هذه اﻷسئلة عقبة أمام تطبيق نظام التأمين الصحي الجديد أو سببًا في تأجيله.

اعلان
 
 
محمد حمامة