في انتظار شادي
مشاهد من جنازة ومراسم دفن والد المدون الساخر المحبوس شادي أبو زيد
 
 
 
شادي يودع جثمان والده - المصدر: مؤمن سمير
 

الارتباك والترقب كانا بطلي المشهد داخل مسجد النور بميدان العباسية بالقاهرة، عصر أمس الأحد، حيث تجمعت أسرة مدون الفيديو الساخر شادي أبو زيد المكلومة وعدد من الأصدقاء، لأداء صلاة الجنازة على الأب حسين أبو زيد، الذي توفي مساء السبت، بعد تدهور صحته في الأشهر الأخيرة. تأجلت صلاة الجنازة حتى موعد صلاة العصر، في محاولة من أسرة شادي ومحاميه لتمكينه من اللحاق بوداع والده، بعدما وافقت نيابة أمن الدولة العليا، بعد ساعات من وفاة الأب، على طلبهم بخروج الإبن المسجون لحضور الدفن والعزاء، وهو الطلب الوحيد الذي ووفق عليه، بعد طلبات عديدة بإخلاء سبيله مراعاة لحالة والده الصحية المتدهورة، وطلب أخير، قبل أسبوع تقريبًا، للسماح له بزيارة الوالد الذي يحتضر، لكن كل تلك الطلبات رفضت.

كانت قوة أمنية قد داهمت منزل شادي (25 عامًا)، في مايو الماضي وألقت القبض عليه بعد تفتيش المنزل والاستيلاء على بعض متعلقاته، ليبقى محبوسًا احتياطيًا منذ ذلك الحين على ذمة  عدد من الاتهامات الفضفاضة، مثل الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، في القضية 621 لسنة 2018، إحدى القضايا الرئيسية الجاري التحقيق فيها حاليًا، والتي يضاف لها متهمون جدد، وتضم أشخاصًا من خلفيات سياسية غير إسلامية، من بينهم المدونيّن محمد إبراهيم (أكسجين)، ومحمد خالد، والنشطاء شادي الغزالي حرب، وأمل فتحي، وعضو حركة 6 أبريل، شريف الروبي. لم يكن شادي أكثر من مدون فيديو ساخر، فنان كوميدي ضئيل الجسد قوي الحضور، ما يجعل السبب الحقيقي وراء اعتقاله المفاجئ مجهولًا حتى الآن.

جثمان والد شادي في طريقه إلى المقابر - المصدر: مؤمن سمير

في أقل من نصف ساعة انتهت صلاة الجنازة، وخرج الجثمان محمولًا على الأكتاف، والجميع يتساءل عن شادي، الذي لم يسمح له بعد بالخروج، سرعان ما تسابق الجميع للحاق بسيارة نقل الموتى في طريقها إلى مدافن الأسرة في باب النصر بمنطقة الجمالية بالقاهرة، ركضوا نحو سياراتهم وسط موجة صقيع تخللتها عاصفة ترابية حبست الأنفاس وحجبت الرؤية؛ وتركت الطقس متشابهًا في قسوته وغموضه مع مصير الإبن المسجون، وارتباك الأسرة وتقيدها في تحديد مراسم الدفن والعزاء في وداع أب راحل وانتظار ابن مفتقد.

رولا، أخت شادي تنتظره في المقابر - المصدر: مؤمن سمير

وصلت السيارات التي تحمل الأسرة والمعزيّن إلى مدخل المقابر في حوالي الساعة الرابعة مساءً. تجمع الأصدقاء والمحامون مع الأسرة، في انتظار وصول جثمان الأب وشادي. أثناء الانتظار زاد عدد المعزيّن، فهؤلاء الذين لم يسعفهم زحام القاهرة عصر بداية الأسبوع للحاق بالصلاة، توجهوا إلى المدافن مباشرة. كان من السهل رؤية بعض الوجوه المألوفة منذ ثورة يناير 2011 ضمن الحاضرين، هؤلاء الذين كانوا في ما مضى جزءًا من ميدان تحرير الثورة، وكان معظمهم لاحقًا جزءًا من سلسلة أحداث مؤسفة تلت تصاعد غلق المجال العام منذ 2011.

في انتظار شادي - المصدر: مؤمن سمير

كانت أعين الجميع معلقة على الطريق، يتداولون معلومات غير مؤكدة وغير رسمية عن مكان شادي، وعن موعد وصوله، يحاولون وسط القلق والحزن الاتفاق على بعض الترتيبات التي ستلحق وصول شادي، كالامتناع عن التجمهر حوله لمواساته حتى لا يستفزون الأمن، يمر الوقت ثقيلًا وباردًا وممزوجًا بالتراب والحزن. ربما لا يأتي شادي، وهو أمر تكرر مع مساجين آخرين، لم يُسمح لهم بالخروج في حالات مماثلة لدفن ذويهم، حتى حين صدرت من النيابات المختصة قرارات تسمح لهم بالخروج، بينما سُمح للبعض الآخر بدقائق معدودة فقط لتقبل العزاء في آباء أو أمهات رحلوا دون وداع أبنائهم، أو ربما رحلوا حزنًا عليهم.

الحرس يحرروا شادي من قيوده - المصدر: مؤمن سمير

بعد دقائق وصل الجثمان وتوجه الجمع للمقبرة، وبدأ تواتر أخبار غير رسمية «أنهم» لن يسمحوا له بحضور الدفن، وربما يسمحوا له فقط بحضور العزاء، المقرر إقامته مساء اليوم الإثنين، لتقرر الأسرة بعد دقائق دفن الأب المتوفي منذ يوم كامل، ويبدأ مشايخ المقابر في تلاوة أدعية الدفن، التي تنقطع بعد وقت قصير، فقد وردت أخبار جديدة أن شادي في الطريق.

في المقابر بدأت مرحلة جديدة من الانتظار، ولكنها طالت هذه المرة لأكثر من ساعتين، ظل العشرات من الأشخاص واقفين خلالها؛ لا مكان للجلوس حتى لكبار السن الحزانى على فقيدهم، وكل منهم يحاول حماية نفسه من الصقيع وموجات نشاط العاصفة الترابية، وعيونهم معلقة على الطريق المؤدية للمقبرة، أما الأب فبقي جثمانه في صندوق بجوار المقبرة، في انتظار الإبن الذي ربما يأتي ليلقي عليه السلام قبل وصوله إلى مثواه الأخير.

يخيم الليل والحزن والتوتر والغضب والتعب على الحاضرين، وتظهر البشائر الأولى لقدوم شادي حين يدخل أمين شرطة من قسم الجمالية بصحبة المحامين وبعض الأصدقاء، يعاين الطريق المؤدية للمدفن، يبحث عن «طريق آمن» لمرور المسجون، وعند خروجه يلاحقه عم شادي ليعطيه الجاكيت الذي يرتديه طالبًا منه أن يعطيه لشادي ليحميه من الجو الذي ازدادت برودته.

بدا الوقت وكأنه لا يمر، يزداد اليأس والتوتر بين الحاضرين، حتى تظهر قوة من أفراد وقيادات أمنية بالقرب من المقبرة، من بينهم قيادات بالأمن الوطني ومديرية أمن القاهرة، وضباط قسم شرطة الجمالية الذي تم نقل شادي إليه من محبسه في سجن طرة تحقيق قبل حضوره للمدافن. تقف القوة الأمنية عند أحد المداخل، والمعزون بالقرب منهما، والجميع لا يزالون في انتظار شادي.

المصدر: مؤمن سمير

أخيرًا، وقرابة الساعة السادسة يصل شادي. تدخله قوات الأمن من المدخل الخلفي للمقبرة، تجنباً للمرور وسط الحضور، يظهر الابن المحبوس احتياطيًا مرتديًا بدلة رياضية بيضاء لا تكفي لصد برودة شهر طوبة. يدخل محاطًا بحراسة مشددة، والقيود الحديدية في يده، يبدو تائهًا ومفجوعًا، يصحبه بعض أفراد الأسرة إلى الصندوق الذي يرقد فيه جثمان والده، ليسمح له بدقائق معدودة لوداعه، لم يفارقه خلالها أفراد الحراسة. تستكمل إجراءات الدفن، تتعالى بعض الأصوات المتوترة، وأخرى ساعية لتنظيم التزاحم حول شادي وحول المقبرة، وسط تصاعد أصوات بكاء تعكس قسوة المشهد بأكمله.

يتفاوض الأهل والأصدقاء مع قيادات القوة الأمنية للسماح لشادي بتلقي المواساة سريعًا من الحاضرين، يقف الابن على جانب الطريق، محاطًا بالحراسة التي لم تفارقه منذ وصوله، والتي سمحت بصعوبة لأخته ووالدته وبعض أفراد الأسرة بالوقوف بجواره في ممر أمني ضيق للغاية، يضع العم الجاكيت على كتف شادي، الذي يقف لتلقي العزاء سريعًا، دون وقت كافٍ لمواساة حقيقة أو لمشاطرة الحزن على مصابه مع أحبائه. تنهي قوة التأمين المشهد باصطحاب شادي لقضاء ساعتين في منزل أسرته قبل إعادته إلى محبسه. يرحل، يتفرق الحاضرون، ولا يبقى سوى البرد والحزن والمرارة.

اعلان
 
 
هدير المهدوي