أشباح أسامة فوزي
 
 
مشهد من «جنة الشياطين»
 

بعد رحلة سينمائية تضمنت أربعة أفلام فقط، رحل المخرج أسامة فوزي في الثامن من يناير الجاري. خلال هذا المشوار القصير لم يعمل إلا مع اثنين فقط من كتاب السيناريو، مصطفى ذكري في «عفاريت الأسفلت» (1996) و«جنة الشياطين» (1999)، وهاني فوزي في «بحب السيما» (2004) و«بالألوان الطبيعية» (2009)، ومع مدير تصوير واحد، طارق التلمساني.

في حالة التعاون الفريد بين ذكري وأسامة، الذي نتج عنه فيلمين من أكثر أفلام السينما المصرية تفردًا، كنّا أمام مجموعة من العلاقات المعقدة والمتشابكة والمربكة التي جسدها المخرج الراحل بكل التفاصيل التي تجعلك تتعاطف وتتألم وتتشابك مع كل هذه المشاعر المركبة، بنت بيئتها، وبنت طبقتها، المتسامحة مع تعقيداتها، عكس ما تبدو من خارجها.

في عوالم هذين الفيلمين تتشابك العلاقات ما بين البساطة والتعقيد. هي عوالم في حب الصعلكة والتحرر والـ«فككان» والمزاج، نلاحظ فيها الجهد الحثيث بينه وبين ذكري في بناء الـ«كاركتر بروفايل» أو «ملف الشخصية»، ثم يأتي تفرده في الجزء الأكثر حسية وإنسانية في صناعة الفيلم، وفي عمل المخرج تحديدًا، وهو تحويل هذه الشخصيات أو الملفات إلى ملامح من لحم ودم ومشاعر على شاشة السينما، باختيار وإدارة الممثل، والعمل على توجيهه لـ«يلبس» روح الشخصية.

المخرج الشبح

تتجلى عبقرية أسامة فوزي في تجسيد الصعاليك أو الشوارعية على شاشة السينما المصرية، كصعاليك وليس كشخصيات من الطبقة الفقيرة. هم صعاليك فقط. سواء كـ«عفاريت الأسفلت»، سائقو ميكروباص خط حلوان/ التحرير، أو صعاليك في جنة خاصة بالشياطين.

ويصادف أنه بعد مرور أكثر من 20 عامًا على إخراج أسامة لفيلميه، أن تلك الفئة التي تتعامل مع الشارع كبيئة لها، تطلق على نفسها اليوم «الأشباح». شخصيات الفيلمين ليسوا من أبناء الطبقة الدنيا، الذين تستكشف السينما حياتهم، ولا هم أناس فقراء تحاول إظهار معاناتهم. هم صعاليك حقيقيون، لا يحملون على عاتقهم قضية، ولا يلقون خطبًا طويلة عن قيم الشرف والأمانة، التي يتمسكون بها رغم ظروفهم الصعبة، على غرار الشخصيات النموذجية التي يذخر بها أرشيف السينما المصرية.

أشباح أسامة فوزي أشباح حقيقية وتلقائية. فأسامة لا يقوم بمراقبة، ومن ثَم محاكاة، عوالم ما لصناعة فيلم عنها، ولكن عوالم أفلامه نابعة منه هو، ومن إحساسه بها. لا أتخيّله مثلًا يجلس مع سائق ميكروباص ليسأله عن حياته، ومن ثم يوجّه ممثلينه على أساسها، بل ينفخ الروح في شخصياته من روحه هو، المتورطة في حب الصعاليك والمنفلتين من الأُطر. لا يرى شخصياته بأبعاد أحادية، بل كل شبح أو صعلوك في أفلامه لا يشبه الآخر، فهم ليسوا نفس الكاتالوج، ولكن لكل واحد منهم روح ودم يخصانه.

في «عفاريت الأسفلت» مثلًا يدرك أسامة الاختلاف بين الشبح الـ«ألفا ميل» مثل الأسطى سيد، والشبح التابع كالأسطى رينجو، وفي «جنة الشياطين» يدرك الاختلاف بين «نونّا» و«عادل» بوعي وإدراك لكيف تُدار العلاقة بين هؤلاء الأشباح، ومساحات القوة والضعف والحقوق والواجبات غير المكتوبة، التي يحفظها الأشباح عن ظهر قلب كدستور يحدد العلاقة. يفهم أسامة هذا جيدًا، وهو ما يجعله ليس مجرد مخرج شارع، بل مخرج «شوارعي»، أو في قول آخر مخرج «شبح».

هذا ما جعل أسامة فوزي أكثر اختلافًا عن بقية جيله، أو حتى الجيل السابق له من مؤسسي واقعية الثمانينيات في السينما المصرية، مثل محمد خان وعاطف الطيب. فرغم أن هذا الجيل خرج بكاميرات السينما إلى الشارع، إلا أنهم لم يكونوا مخرجين «شوارعية»، ولكن أقرب لفنانين مثقفين  حملوا كاميراتهم إلى شوارع القاهرة، رصدوا تلك الشخصيات، وهذا لا يقلل من حرفية وفنية هؤلاء المخرجين المهمين، ولا ينفي عن أسامة تهمة الثقافة، وإنما هو مجرد اختلاف في طبيعة تناول كل منهم للفن.

هذا الاختلاف ندركه ببساطة عند مقارنتنا مثلًا شخصية «السائق» كما ظهرت في «عفاريت الأسفلت» عند أسامة، وكما ظهرت في بعض أفلام المرحلة السابقة عليه. ففي «سواق الأوتوبيس» لعاطف الطيب هناك حسن (نور الشريف) الذي يعاني دراما أسرية، ومشاكل اقتصادية، ويدور الفيلم حول صراعه للبقاء شريفًا رغم كل الظروف. وفي «طائر على الطريق» لمحمد خان، هناك فارس (أحمد زكي)، سائق  سيارة بيجو بين الأقاليم يتورط في دراما، في إطار رومانسي، يتخللها اكتشاف خيانة زوجية ومحاولات قتل. أما سائقو أسامة فوزي فهم صعاليك أشباح، لا يدور الفيلم عن دراما يكونون طرفًا فيها، بل عنهم هم أنفسهم، عن أمزجتهم ومشاعرهم، وكيف يديرون حياتهم اليومية. كاميرا أسامة فوزي تكون من داخل مجتمع الأشباح لترصد أرواحهم، وليست كاميرا توضع لترصد الشارع نفسه، وشخصيات تمر من خلاله.

أشباح أسامة فوزي يتأرجحون بين العدمية المفرطة وحب الحياة المفرط أيضًا. «الأسطى سيد» مثلًا في «عفاريت الأسفلت» شخص نُزهي، مزاجنجي، ابن نكتة وابن سوق وابن اللحظة، متعدد العلاقات، مع سيدات من طبقات متفاوتة، حياته مليئة بالتشابكات مع باقي أفراد أسرته، أو زملائه بموقف الميكروباص، ومع كل هذه التعقيدات لا نجد دراما، أو للدقة دراما مبالغ فيها. قد تكون الدراما هي تصالح الجميع مع الدراما في حيواتهم.

لهذا يختلف أشباح وصعاليك أسامة فوزي عن أشباح الجيل الذي سبقه وعن الأشباح الجديدة في السينما المصرية، فالأشباح في السينما اليوم ليسوا صعاليك وإنما أقرب للبلطجية، هم رجال مفتولو العضلات، شخصيات مشغولة بإبراز القوة وليس التمتع بالحياة، في خلطة من الجبروت والعنف والمخدرات وأيضًا الشهامة تحت رقابة الضمير، في استحضار مبتذل لشخصية فتوة الحارة في السينما المصرية، وربما أكبر الأمثلة على ذلك، أفلام محمد رمضان. كل هذا يجعل أشباح أسامة فوزي هي الأكثر أصالة في آخر عقود السينما المصرية.

عوالم أسامة فوزي

في صناعة السينما الاحترافية بشكل عام والسينما المصرية تحديدًا؛ الوقت يساوي المال. لا يوجد مجال للتجريب أو للشطحات الفنية لصنّاع الأفلام، وهذه معلومة عرفها أسامة فوزي جيدًا، بسبب كون والده هو المنتج جرجس فوزي، وأخوه هو المنتج هاني فوزي. مع هذا لم يلتزم أسامة فوزي بتلك المعايير، ربما هذا ما أدى لقلة إنتاجاته السينمائية. تشعر أنه يصنع أفلامًا لمزاجه الخاص، بل يصنعها ليهرب تحديدًا من هذه المعايير، أي معايير. أفلام أسامة بالأساس هي أفلام في حب الصعلكة، في صحة المزاج، وفي كره القيود. لذا تتأرجح أفلام أسامة بين عالمين؛ عالم الأشباح الحرة، وعالم آخر مقيد بأعراف دينية ومجتمعية.

جاء فيلمه الأول «عفاريت الأسفلت» في عالم خالص من الأشباح، بانسجام مخيف ما بين الشخصيات وعالمها، فيلم رائق في حب العفاريت المنطلقة على الطريق.

«أبويا كان دايمًا يقولي اللي يخاف على نفسه قوي كدا يبقى راجل خسيس» (الأسطى عبدالله أبو سيد)

وفي فيلمه الثاني «جنة الشياطين»، هرب الأستاذ منير رسمي (محمود حميدة) من عالمه البرجوازي المحافظ المقيّد والممل، ووظيفته ومركزه الاجتماعي، لعالم أكثر رحابة من وجهة نظره، ليتصعلك في الشوارع، حتى بعد موته يرفض أن يموت بالبدلة والكرافت.

«احنا الليلة دي لازم نسهر مع بعض سهرة الوداع ولا انت ناوي تقضيها في الصندوق الخنقة دا». (نونا صاحب طبل)

أما في فيلميه الأخيرين، تهرب شخصيات أسامة أيضًا من عالم متزمت خانق لعالم آخر، ولكن هذه المرة ليس عالم الأشباح ولكن عالم الفن، وإن كانا يبدوان مختلفين تمامًا، ولكنهما يتفقان على تحدّي العوالم المحافظة.  

في «بحب السيما»، فيلم أسامة الثالث، تتجسد المحافظة في شخصية عدلي، الرجل المسيحي المتدين، الذي يعتبر السينما من المحرمات، ويخيم على البيت هذا الظل الكئيب للتزمت، وهناك ابنه الذي يحب السينما كعالم حر آخر يهرب فيه من واقعة الكئيب، وكذلك هناك زوجته نعمات (ليلى علوي) التي تهرب برسم لوحات، وهو ما يكشفه مفتش الوزارة للأنشطة الفنية ممدوح يوسف (زكي فطين عبدالوهاب) الرسام الشيوعي الذي اعتقل بسبب أفكاره، ولكنه ظل يحلم بالحرية سواء داخل السجن أو خارجه، ويخرج ممدوح هذه اللوحات الفنية المكبوتة داخل شخصية نعمات.

«إحنا ما اتخلقناش عشان نبقى موظفين، إحنا اتخلقنا عشان نطير مش نزحف على ضهرنا زي الدود» (الرسام ممدوح يوسف)

أما فيلم أسامة الرابع والأخير «بالألوان الطبيعية» فتأرجحت شخصياته بدورها بين هذين العالمين. الشخصية الرئيسية في الفيلم علي (كريم يوسف)، يختار كلية الفنون الجميلة ليتبع حلمه ويصير رسامًا، هاربًا من رغبة أسرته في أن يدرس الطب.

«خايف من إيه، خايف الناس تشوف جروحك، لما تطلع اللي جواك هتعرف نفسك على حقيقتها هتكتشف إنك إنسان تاني غير اللي كنت تعرفه، غير اللي حواليك صوروه لك. لكن طول ما أنت كابته بيتعبك، مقيدك، ومانع حاجات مهمة، يمكن عبقرية، إنها تطلع للنور. انت عامل زي بقية الناس في مجتمعنا قافلين على نفسهم وفاكرين إن هي دي القشرة اللي بتحميهم و هي في الحقيقة بتسجنهم» (دكتور نعيم)

اعلان
 
 
أحمد رحال