وقائع محاكمة علانية للحمامة

مباني المحاكم صارت مجاورة لمباني السجون، لا محالة.  

لم يعد هناك أي رغبة في تشييد صروح للعدالة كمان كان في السابق، لم يعد هناك أي نية لبناء قاعات ذات طراز معماري جميل، إنها مجرد قاعات تمارس فيها أكبر أنواع العقوبات، عقوبات للمحكومين قبل تلاوة الحكم، عقوبات للزائرين إذا قرروا دعم المحكوم وعقوبات للعاملين في هذه المباني المدججة بالسلاح دائمًا وأبدًا. هنا نسحقكم بحق الله والوطن والقانون!

ذهبنا كما جرت العادة من أربع سنوات، هناك دائمًا سجين رأي، نعرفه أو لا نعرفه، إنه شخص يقع تحت سيطرتهم لسوء حظه، يتضامن معه من يستطيع أو ممن لا يزال لديهم القدرة علي التضامن، قليلين صرنا، ولكن هذه هي الحقيقة.

ندخل دائمًا عبر بوابات متعددة الأشكال والأحجام؛ الضخمة منها تُشهر الترحاب في وجهك لأنك في منطقة سجون طره، والمنخفضة تبلغك بضرورة أن يتضاءل حجمك كي تمر! ثم تسلم نفسك وأشياءك طواعية لكتيبة متنوعة من الضباط والشرطة النسائية والعساكر المجندين. في هذه اللحظة يمكن أن تلمح مفكرتك الشخصية في يد ضابط يقرأ فيها للبحث عن شيء غير قانوني! ثم تسلم لهم كل ما يريدون من حقيبة يدك وتدخل خالي الوفاض منخفض الرأس.

للوصول إلى قاعة المحكمة، تمر في أنبوبة معمارية تشبه ممرات الصرف الصحي  بفيلم «The third man» لكارول ريد وتمثيل اورسون ويلز، الذي صُور في شوارع فيينا عقب الحرب العالمية الثانية ومع بداية الحرب الباردة.

حين تمر في الأنبوب ربما تصاب بمشاعر عاصفة من نوع: مَن الذي أتى بنا إلى هنا؟ مَن الذي جعلنا نمشي كمعزيّن في جنازة لا تنتهي؟ مَن الذي حول كل أسراب الحمام إلى زواحف تنزح إلى خنادقها المظلمة في حيطة ورعب؟ كيف تحول الأمل إلى غاية بلهاء عديمة الجدوي؟ وكيف وصلنا إلى هنا يا كل مرتادي الحلم؟

وصلنا للبوابة الثالثة والأخيرة، عليك إظهار هويتك الجديدة التي تصرفها لك البوابة الثانية، الهوية الجديدة عبارة عن بطاقتين؛ الأولى مدون عليها المهنة، والثانية مدون عليها رقم الخزنة التي وضعت فيها أشياءك غير القانونية والممنوع دخولها إلى القاعة.

وصلنا أخيرًا.

من يدخل القاعة يجد نفسه فجأة أعلى مدرج ضخم جدًا. في أسفل المدرج وياللعجب توجد منصة القضاة.  تدرك على الفور أنها لم تكن سوى مدرج تعليمي لأمناء الشرطة، لكنها تحولت إلى قاعة محكمة. لا يمكن نسيان تاريخ الأشياء حتى بعد تبدلها، خاصة إذا كان الدور الجديد مستلهم من الدور القديم.

بطول المدرج تم اختراع القفص لإيداع المساجين أثناء نظر القضية، كل ذاكرتنا البصرية عن أقفاص قاعات المحاكم سوف تُمحي إذا نظرت إلى القفص الحديدي المغلف بعازل للصوت والتواصل الإنساني بشكل عام.

تعلم مئات وربما آلاف ممن يزورون هذا المكان في بلادنا لغة الإشارة، رغم امتلاك المتحدث والمتلقي حواس كاملة. لكن الصوت لا يصل والأذن لا تسمع، وتبقى عيوننا تفصص شكل المسجون المحشور داخل هذا القفص. هناك أشخاص لم نعد نرى وجوههم دون هذه التشابيك المعقدة، كم رأيت علاء عبد الفتاح داخل هذا القفص دون أن أستطيع تمييز طول شعره أو مدى تهذيب لحيته لأرى ماذا فعل الوقت به، فكرت مئات المرات كيف وقف علاء وهو يرانا جميعًا يكتشف من بعيد ليرصد التغييرات التي طرأت على الجميع، ربما لا يستطيع تفصيص وجوهنا أيضًا، يكمل خياله الباقي في الأغلب. كيف نمارس الحب تحت الحراسة، علينا دائمًا مراعاة أن كل كلمة نقولها سوف يشاركنا فيها عشرات الحراس.

***

في إحدى جلسات قضية إهانة القضاء، وقف علاء بعيدًا عن باقي المتهمين من خصومه السياسيين، وحين دخل المستشار محمود الخضيري الذي يعاني من أمراض مستفحلة، قفز علاء ليشارك في حمل الرجل الطاعن المسن داخل التخشيبة الفولاذية، جاهدت كثيرًا كي أتحقق من حركته داخل القفص وأرى المشهد الذي أربكني تمامًا.

كنت وكان علاء ممن عرفوا المستشار الخضيري وقت انتفاضة القضاة عام 2005، كان الرجل حينها رمزًا شامخًا تهز كلماته الجمعية العمومية لنادي القضاة، كان الخضيري خطيبًا بليغًا تؤجج كلماته الأذان، وتحترمه صنوف من القانونين البارزين. ولذلك حين هوت كلماته فوق رؤوسنا في عام حكم الإخوان لم نغضب فقط من الرجل، ولكنه أحزننا أيضًا، أعرف باليقين أنها المرحلة الرومانسية في علاقتي بالشأن العام في مصر، لم أكن حينها أدرك أن هذه هي السياسة ومذبح الرغبات والمصالح. فكرت وقلت إذا كنت ارتبكت بهذا الشكل وأنا خارج القفص، ماذا يشعر علاء الآن وهو يحمل ذراع الخضيري القاضي الجليل المتهم.

كانت ترتيبات جلسة النطق بالحكم على أحمد دومة واضحة جدًا، استنفار أمني يجعلونك تشعر به في كل حركة تقوم بها حتى إذا ذهبت للبوفيه للحصول على كوباية شاي في هذا الطقس البارد، سوف تحدث ربكة في القاعة حتى قبل بدء الجلسة، صمت ثقيل وحركة قليلة وكلمات تصطنع الثبات، حتى الدعابة صارت محفوفة بالمخاطر داخل هذه القاعة، عيون أفراد الشرطة الجالسين على كراسي القضاة مؤقتًا تراقب الجميع بشكل لا إرادي.

في هذه المرة كانوا حريصين على بناء ديكور منضبط في قاعة المحكمة، كانوا مصرين على أن يجلس المحامون في صف وحدهم، والصحفيون كذلك، وذوو القربى وأهل المتهم في مكان بعيد عن الصحفيين والمحامين.

أحد الضباط أمر أن يجلس عسكري مدجج بالسلاح في نهاية كل صف يجلس فيه الزائرون الداعمون، لكن ضابط آخر استشعر الحرج لأن العسكري يحشر الجالسين بصورة عجيبة، فقرر تعديل المشهد؛ أن يجلس طقم العساكر في صف وحدهم يفصلون بين صفوف الصحفيين والزائرين الداعمين. كنت كلما نظرت خلفي في محاولة للتحدث إلى أصدقائي أجد العساكر بيننا يشاركوننا الحديث بالإكراه.

في هذه المرة حدث أمر جديد أيضًا، وجدنا شخصًا يرتدي زيًا مدنيًا، يملك أكثر من جهاز محمول يجلس بيننا. أن تدخل قاعة معهد الأمناء بكل الأجهزة المحمولة، يعني أنك ضابط لا محالة. الضابط الذي ينظر إلينا في عناية وغرابة يتفحص الجميع ويجلس بيننا في ثبات، اندهشت من احتياجهم لوجود عنصر بيننا إلى هذه الدرجة، في لحظة شعرت أنه قادم من عالم كافكا، ربما يسجل الأنفاس حاليًا ليعيد ترتيبها على مكتبه في المساء حين يكتب تقريره عن عمله في هذا اليوم. عجيب أمر أفراد الشرطة السريين الذين يحبون التأكيد على أنهم ليسوا سريين.

وجدنا دومة بجسده النحيل الصغير، لم تكن المرة الأولى التي أراه خلف هذه القضبان، يحرك رأسه كثيرًا حتي يؤكد لنا تفاعله معنا حين نتحدث إليه، لا أعرف ما هي الكلمات المناسبة لنقولها لشاب أمضى خمسة أعوام من عمره القليل في السجن، وينتظره هناك عدد غير معلوم من الأعوام في هذه الحياة التي يعرف إيقاعها وكربها آلاف من المصريين الآن.

جلسنا جميعًا طبقًا للديكور المنضبط، وجاءت أكثر من رتبة لتتأكد من شكل القاعة ونحن بداخلها، أمر القاضي قواته الأمنية بإدخال جميع الذين أتوا لدعم دومة وهو يستقبل أعوام إضافية من السجن، تفاءل البعض من هذه الخطوة، ولكن الجميع أدرك بعد ذلك الحقيقة. لم تكن هناك هدنة، حتى لو انهزمت الحشود، ولم يتبق منها سوى هذه المجموعة التي لا تزال تعلن عن وجودها بكل بجاحة وإصرار بل ويأتون لهذا المبنى السابق الوصف، ويتعرضون لكل الإجراءات المذلة، وفي النهاية يريدون دعم سجين قررت الدولة مرارًا أنه سوف يكون عبرة لهم ولطيشهم وجنونهم وأيام شعرت فيها الدولة المصرية بالخطر والتهديد. لم تنس الدولة ما جرى وإن نسينا نحن.

***

بدأ التوتر،  الشرطة تُنهي حضورها اللافت على المنصة بعد الاطمئنان على سلامة وضع الميكروفونات ووضعنا كجمهور ينتظر الخبر. دخل القضاة بالأوشحة الرسمية، هتفت نورهان حفظي -زوجة دومة- في أذني «بالأوشحة يا رشا».

بدأ المستشار محمد شرين فهمي في تلاوة الحكم مستهلًا بالآية القرآنية (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ)، ثم بدأ في استعراض الجهد القانوني الكبير الذي بُذل من أجل صدور هذا الحكم؛ أكثر من 30 جلسة متعاقبة، والمئات من أوراق القضية، وشهود ومرافعات، ثم انتقل القاضي إلى تصنيف الأعمال الوطنية، ووصف ما جرى بعد ثورة 25 يناير -هكذا وصفها بكل دقة- من عمليات فوضى وتخريب واندساس أمثال المتهم وسط المواطنين الذين خرجوا لمطالب فئوية وعفوية، ثم بدأ القاضي يسرد على أسماع الحضور المستهدف من هذه الديباجة؛ نحن، كيف جرت وقائع أحداث مجلس الوزراء المتهم فيها دومة.

جلسنا جميعًا صامتين وهو يتلو علينا الأحداث التي عشناها نحن، قال لنا إن المعتصمين أصروا على استفزاز أفراد الشرطة لتقع الاشتباكات وأن المتظاهرين هجموا على أفراد الشرطة وأحدثوا بهم إصابات، وقطعوا الطرق وحاولوا مهاجمة مجلس الشعب، وأخيرًا حرق المجمع العلمي. لم يتحدث القاضي عن شهداء مجلس الوزراء على الإطلاق، ووقائع تعذيب المتظاهرين داخل مجلس الشعب، والبلاغات المقدمة ضد ضباط بعينهم في تلك الوقائع.

سمعنا كل كلمة إلى حدود الطرش تقريبًا.

أثناء عرض الاتهامات، اقتحمت حمامة قاعة المحكمة فجأة، أغلب ظني أن عددًا لا بأس به من الحضور تعلق ذهنه بحركة الحمامة وسط صمت القاعة المدججة بالسلاح، بينما صوت القاضي يملأ القاعة وحده. لا شريك له سوى حركة الحمامة.

ظلت الحمامة تتأرجح في سقف القاعة. أعتقد أن بعض الحضور من الداعمين لدومة رأى في الحمامة خلاص جيد مما نسمعه عن ذكرى قتلنا المشروع في الشوارع؛ عن أيام المذبحة؛ صورة الشيخ عماد قتيلًا؛ لحظة اقتحام الميدان صباحًا وعساكر الدرج يسحبون فريستهم علي الأسفلت. وكل منا يملك دفتره الخاص عن وقائع مجلس الوزراء في شتاء 2011. الحمامة تنقر هنا وهناك.

ظلت الحمامة لثوان، ربما دقائق، ربما خرجت كما دخلت، ربما لم يلحظها دومة من قفصه، أتمنى أن يكون رآها مثلنا. ربما نقلت إلينا توتر الأجهزة الأمنية من حركة طائر أهوج فوق قاعة وقورة. من الذي سمح لها بالدخول والوقوف فوق المنصة بهذه السهولة؟ لم تحصل الحمامة على بطاقة هوية، لم تمر من البوابات الثلاث بعد التفتيش، لم تجلس في مكانها المحدد في القاعة طبقًا للديكور، يا للمهزلة.

النهاية الكافكاوية لهذا الحدث الجلل هو أن يخرج أحد الضباط سلاحه ويقتل مجموعة منا بالخطأ أثناء اصطياد الحمامة المزعجة بتهمة إهانة القضاء. ولا يقلق، سوف تشهد نفس القاعة على براءته من قتلنا بالخطأ لأنه كان يحمي الوطن والعدالة.

النهاية الحقيقية لأحداث اليوم لا تقل مأساوية عن قتل الحمامة وقتل بعضنا معها، حيث حكمت المحكمة أن يظل المتهم أحمد دومة في السجن 15 عامًا فقط، فالمحكمة كانت تطمح إلى عقابه أكثر من ذلك، لكنها رحمة القانون!

وفي لحظة الانهيار الهستيري للحضور عقب الحكم، كان دومة يوزع نظراته على الجميع، يحاول طمأنة من لطمهم الحكم حتى اختفى داخل القفص، بلعه الحراس، وخرجنا نحن عبر الأنبوب مرة أخرى، يحملنا نزفًا من الدموع، نزفًا من الصمت.

ربما أفلتت الحمامة سالمة من هذه القاعة.

لكننا لم نفلت بعد.

اعلان