لائحة جزاءات «الأخ الكبير» لدفن الإعلام

لم تكتف السلطة في مصر بشرعنة إخضاع وسائل الإعلام عبر تمريرها لقانون «تنظيم الصحافة والإعلام» الذي صدّق عليه رئيس الجمهورية في سبتمبر الماضي، ونقل مهمة السيطرة والتوجيه التي تمارسها جهات وأجهزة خارج إطار القانون إلى مجلس «شبه حكومي» منحه القانون سلطات واسعة جعلت منه «أخًا كبيرًا» يراقب ويفتش في النوايا ويفسرها حسب أهوائه، ويتخذ قرارات بالحجب والمنع والمصادرة، وفق تقدير رئيسه وأعضائه.

ذهب المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذي منحه القانون 180 لسنة 2018 هذه السلطات، إلى ما هو أبعد من مواد القانون، وأراد، أو أُريد له، أن يتحول إلى محتسب، «يتتبع ما ينشر ويفسره ويقرر توقيع جزاءات على ما يرى أنه مخالف»، فصاغ لائحة جزاءات تمهيدًا لتمريرها.

الغرامات المالية التي شملتها لائحة الجزاءات -والتي تصل إلى 500 ألف جنيه في بعض المخالفات وعقوبات الحجب، ومنع البث المؤقت والدائم للصفحات والمواقع والبرامج- لن تؤدي في القريب المنظور إلا إلى إغلاق ما تبقى من مؤسسات إعلامية لم تستحوذ عليها أجهزة الدولة بعد أن تثقل الغرامات كاهل مُلَاّكها، ويتجنبها المُعلن بسبب عدم انتظام بثها نتيجة الحجب المتكرر، إعمالًا لمواد القانون أو بنود اللائحة المقترحة.

«الأخ الكبير» مكرم محمد أحمد رئيس المجلس «الأعلى»، أعلن منذ أيام تحديه لكل مَن يتهم مجلسه بأنه يعتدي على حرية الرأي والتعبير، وأشار إلى أن لائحة جزاءاته المقترحة ما هي إلا أداة لضبط إيقاع المشهد الإعلامي، «نريد أن يشير هؤلاء إلى أخطائنا، أو يخبرنا عن أننا جُرنا على حرية الرأي، وأن يكون ذلك بوقائع.. لكن مَن يجلس ليصدر مخاوف من داخله لا أساس لها من الصحة ليس لنا علاقة بهم»، متناسيًا أن مجلسه وقع غرامة على «المصري اليوم» في أبريل الماضي، وقبل أن يكون هناك لائحة للجزاءات من الأصل، بل قبل أن يُقرّ القانون 180 لسنة 2018، لمجرد أنها نشرت في صدر صفحتها الأولى مانشيت «الدولة تحشد الناخبين في آخر أيام الانتخابات»، كما قرر مجلسه خلال العام المنقضي وقف بث أكثر من قناة إخبارية، ومنع إعلاميين من الظهور، دون تحقيق، ودون أن تكون هناك لائحة.

أعتبر محمد أحمد، في تصريحات صحفية نقلها موقع «التحرير» قبل أيام، أن اللائحة المقترحة التي أجازت لمجلسه توقيع غرامات مبالغ فيها ومنع نشر أو بثّ الوسيلة الإعلامية، لا تتعارض مع حرية الرأي والتعبير، وأشار إلى أن كل القرارات التي اتخذها مجلسه «تستهدف العودة إلى أسلوب المهنة».

شيخ الصحفيين الذي تضمنت لائحة جزاءاته بندًا «يجازي كل مَن استخدم ألفاظ واضحة وصريحة قد تشكل جريمة سب أو قذف بحق أحد الأفراد أو المؤسسات»، نصب نفسه واعظ المهنة ومعلمها الأول وقال في تصريحاته: «نقول.. لا تنشر أخبارًا أنت تعرف أنها كاذبة.. من فضلك تأكد من صحة الخبر.. لا تنشر شائعة على أنها خبر.. لا تخلط بين الرأي والخبر» داعيًا إلى التمسك بتلك المبادئ الأساسية التي تتعلق بطبيعة المهنة، مضيفًا: «لم نتجاوز ذلك إلى أي قرار سياسي.. ومَن يمتلك عكس ذلك نريد أن يواجهنا بما لديه، نحن نسمع اتهامات معممة وشعارات جوفاء نتمنى ونأمل أن نجد وقائع».

وشدّد مكرم على أن مجلسه لم يأتِ حتى يعاقب الناس، «إنما جئنا لنصنع صحافة جديدة حرة»، لافتًا إلى أنه «إذا كانت هناك بعض العقوبات في اللائحة الجديدة فإنها أقل العقوبات الموجودة بين لوائح تنظيم الصحافة في الغرب والشرق».

انتهت تصريحات مكرم، «الأخ الكبير.. ومسؤول وزارة الحقيقة التي أشار إليها جورج أورويل في رائعته 1984»، بحسب ما تداوله صحفيون ونشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، وربطوا بينها وبين تصريحات سابقة نشرت له إبان تمرير قانون تنظيم الصحافة قال فيها: «لما إحنا نحجب أحسن ما أي حد تاني يحجب، على الأقل هنراعي أسباب الحجب، وهنسأل وهنظبط وعندنا سمعتنا وشرفنا اللي لن يدفعنا للتواطؤ مع أحد، لأن لدينا ضميرا صحفيا، ولا ننتمي للسلطة التنفيذية، ومش بعد العمر ده كله هكون ضد الحرية».

«بعد العمر ده كله» الأستاذ مكرم حَشر في لائحة جزاءاته «قد»، وهو الحرف الذي يدخل على الفعل المضارع ويفيد الشك أو احتمال الوقوع، بحسب معجم المعاني الجامع، ما يعني أن رئيس المجلس الموقر، قد يجازي صحفي أو وسيلة إعلامية بالغرامة المالية أو الحجب المؤقت أو الدائم، لمجرد الشك أو احتمال ارتكاب جريمة السب أو القذف، وهو ما يفتح الباب أمام معاقبة المتهم دون أن تثبت التهمة عليه، بالمخالفة للمبدأ القانوني «المتهم برئ حتى تثبت إدانته».

يعلم الأستاذ مكرم ورفاقه، أن قانون تنظيم الصحافة والإعلام الجديد قَصر الغرامات على حالات بعينها، منها مخالفة شروط الترخيص وعدم نشر تصحيح الخبر الكاذب، ومع ذلك فرضوا الغرامات المالية في 7 مواد من اللائحة على ما يعتقدوا أنها مخالفات، ومنحوا لرئيس المجلس «وحده لا شريك له» سلطة الإعفاء من الجزاء الموقع أو الاكتفاء بما تمّ تنفيذه منه.

وكما تجاوزت لائحة مكرم قانون تنظيم الصحافة والإعلام، ووضعت عقوبات على جرائم منصوص عليها في قانون العقوبات، اغتصبت سلطة النقابات المختصة «الصحفيين والإعلاميين» في معاقبة أعضائها، بحسب ما تنصّ قوانينها، وأعطت للمجلس الأعلى الحق في استدعاء كل مَن يكون له صلة بموضع المخالفة التي يقدرونها بحسب ما جاء في المادة 13 من لائحتهم المقترحة.

وكما قنن قانون تنظيم الصحافة والإعلام الجديد، حجب المواقع الإلكترونية والصفحات الشخصية التي يتعدى عدد متابعيها 5000 متابع، شرعنت اللائحة المقترحة، حجب أو منع ظهور الصحفي أو الإعلامي أو أحد الضيوف، بدعوى «مخالفة الشرف الصحفي أو الإعلامي أو الأعراف المكتوبة أو ارتكاب مخالفة قد تشكل جريمة جنائية أو لاعتبارات الحفاظ على مقتضيات الأمن القومي بعد إجراء تحقيق».

بعد العمر ده كله.. «الأخ الكبير» مكرم محمد أحمد استخدم حرف «قد» للمرة الثانية في لائحة قد تمر، وقد تفرض على صحفيين غرامات مالية، وقد تمنعهم من الظهور الإعلامي، وقد تدفع ملاك المؤسسات لإغلاق صحفهم وقنواتهم بعد أن تستنفد ميزانياتهم في الغرامات المالية.

بعد العمر ده كله، مدّت لائحة الأستاذ مكرم حدود التجريم واستخدمت عبارات مطاطة مثل «الإساءة لمؤسسات الدولة أو الإضرار بمصالحها العامة، أو إثارة الجماهير، أو إهانة الرأي الآخر»، وهو ما يعني عدم الاقتراب بالنقد من أي مؤسسة أو وزارة أو هيئة أو حتى مصلحة حكومية، ومن ثم تفقد الصحافة دورها كحارس عام وعين للشعب على مؤسسات الحكم.

كما عاقبت اللائحة كل مَن ينشر أو يبثّ أخبارًا مجهلة المصدر، وهو ما يعني أن الصحفي لن ينشر إلا البيانات والتصريحات الرسمية، ويعلم الأستاذ مكرم أن أسطوات هذه المهنة من التابعي وأبو الفتح إلى هيكل ومصطفى أمين ومحمود عوض ومكرم محمد أحمد بنوا مجدهم على أخبار مجهلة المصدر بدأت بـ «قال مصدر موثوق، وعلمت الجريدة من مصدر رفض الكشف عن اسمه».

كما اخترعت اللائحة جريمة جديدة هي سب الشعب أو فئة منه، متجاهلة أن السب لا يكون إلا في حق الأفراد، ووضعت لهذه الجريمة المستحدثة غرامة تصل لـ 250 ألف، فضلًا عن منع بثّ أو نشر الصفحة أو الباب أو حجب الموقع الإلكتروني لفترة معينة وحجب الموقع الشخصي الذي يزيد متابعيه عن 5 آلاف لفترة محددة أو دائمة.

إجمالًا.. نُقل إلى الأستاذ مكرم ومجلسه الأعلى عبر قانون تنظيم الإعلام ولائحة الجزاءات المقترحة، الصلاحيات التي تمارسها بعض الجهات الآن على وسائل الإعلام خارج إطار القانون؛ بالتدخل وفرض الرقابة والوصاية، ووضع قائمة بالموضوعات الممنوع الاقتراب منها، ومَن يخالف سيتم مجازاته باعتباره خالف مقتضيات الأمن القومي أو قد يفهم المجلس أنه خالفها، أو استخدم ألفاظًا قد تشكل جريمة.

أخيرًا.. خالفت لائحة جزاءات المجلس الأعلى القانون رقم 180 لسنة 2018 الخاص بتنظيم الصحافة والإعلام، والقانون رقم 76 لسنة 1970 الخاص بنقابة الصحفيين، والمادة 71 من الدستور التي حظرت بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها، وجعلت الاستثناء فى زَمن الحرب أو التعبئة العامة، وبالتالي أصبح رفضها من حيث المبدأ فرض عين على كل مَن ينتمي إلى الجماعة الصحفية والإعلامية، والدخول في مناقشة موادها بغرض تخفيف الغرامات أو العقوبات هو نوع من العبث الذي يحاول البعض جرنا إليه.

لو تمّ تمرير لائحة جزاءات «الأخ الكبير.. مسؤول وزراة الحقيقة»، فقل على ما تبقى من إعلام خاص في مصر السلام، فلن يحتمل أحد من مُلَاّكه العمل تحت هذا السقف، أو قل السيف، وأتوقع ألا ينتهي العام إلا وقد سلم مُلَاّك ما تبقى من منصات إعلامية خاصة مفاتيح مؤسساتهم طواعية إلى السادة المُلَاّك الجدد الذين استحوذوا على معظم المنصات خلال الأعوام الأخيرة.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ