كرة قدم الكراهية.. هل يصنع الغلّ لاعبًا عظيمًا؟

في مطلع التسعينيات أُجريت دراسة واسعة على مجموعة من الأطفال من مختلف بلدان العالم. الهدف هو التعرف على طباع الإنسان الفطرية، والتجربة غاية في البساطة؛ سيُوضع كل طفلين في غرفة واحدة ثم يطرح على كل منهما خيارًا؛ هل تفضل أن يحصل كل منكما على قطعة من الحلوى أم أن تحصل على نفس القطعة ولا يحصل رفيقك على أي شيء؟

من ضمن 100 طفل، ذهب أربعة أطفال فقط للاختيار الثاني، ويُقال إن هؤلاء الأربعة كانوا: دييجو كوستا ولويس سواريز وزلاتان إبراهيموفيتش وكريستيانو رونالدو.

بأعشق جنونه

عادي، هناك أناس لا يستمتعون بالمكسب بقدر ما يستمتعون بخسارة الآخرين، وهناك آخرون يستمتعون بالمكسب ولكن متعتهم لا تكتمل دون تبجّح، وغيرهم لا يرون فارقًا بين الاثنين أصلًا، ويؤمنون أنه لا يوجد سيناريو واحد في الحياة يمكن أن يفوز فيه طرفان. أن تفوز يعني أن هناك مَن يخسر، بالتالي إن كنتَ الفائز الوحيد فلماذا لا تتبجّح؟

«غروره جزء من نجاحه»، «بأحبه عشان غلّاوي»، «دي جرينتا ورغبة في التفوق»، «بأعشق جنونه».. لا بد وأنك قد قابلت أحد هذه التعليقات عدة مرات. قبل مباراة تشيلسي في 2017 قال بوتشيتينو إن دييجو كوستا هو اللاعب الذي تكرهه عندما تلعب ضده وتحبه عندما تلعب معه، وهذا الرأي يعبّر عن قطاع ضخم من جمهور الكرة. في الواقع، هذا الرأي يعبّر عن قطاع ضخم من جمهور الكرة الأرضية عمومًا، لأن الحقيقة أن الكثيرين يحبون المغرورين والغلّاوية والمجانين، ويؤمنون أن هذه هي الطريقة المثلى للتعامل مع العالم، فقط عندما يلعب المغرورين والغلّاوية والمجانين للفرق التي يشجعونها.

زلاتان لمدافع سانت إيتيان: من أنت؟ أنا لا أعرفك.

في العقدين الأخيرين تحديدًا تغيّر العديد من الأمور، وهذه الأمور تحتاج لمجلدات لشرحها، ولكن الخلاصة أن الناس صارت تستغرب كراهية الكراهية لا العكس، لأن حشر العالم كله في مكان واحد كفيسبوك وتويتر له عيوب مثلما له مزايا، وإحدى هذه العيوب هي أن العالم سيستنفد كل شيء بسرعة، سيحطم كل التابوهات ويتمرد على كل القوالب في غضون سنوات ثم سيقتله الفراغ، وبعدها سيبدأ في التساؤل عما إذا كانت الكراهية حلوة ولا وحشة، وليه الحلو حلو والوحش وحش، وأصلًا يعني إيه حلو ووحش؟ أنا رأيي مثلًا إن الغرور حلو.. مش هي دي الديموقراطية بتاعتكم؟ إلخ.

لا بأس، العبث في أصول الأشياء كثيرًا ما يكون مفيدًا، وغربلة المعتقدات الراسخة بشكل دوري أمر ضروري، لأنها إن لم تنقّها من الشوائب فهي على الأقل ستذكرنا بصحتها والسبب خلف كونها معتقدات راسخة أصلًا. طبعًا هذا عندما يتم الأمر من منطلق الرغبة في الدراسة والتطوير والغربلة، وطبعًا في أكثر الحالات لا يتخطى الأمر الاستمناء الفكري؛ الحاجة للشعور بأنك توصلت إلى فكرة جديدة أصيلة، بينما في الحقيقة أنت لم تفعل شيئًا سوى التبول على فكرة أخرى قديمة بلا سبب.. الغرور حلو يا جماعة، الغرور حلو، والغش ذكاء، والضرب جرينتا، والرياضة بتتلعب عشان تدوس على وش المنافس وتقهره وتذله وتديله بالجزمة.. لسبب ما يصر الكثيرون أن هذه الفكرة المجنونة جدًا مميزة جدًا، مميزة جدًا ولم تخطر على بال بشر من قبل.

كيف وصلنا إلى هنا؟

ماذا كنّا نقول؟ آه.. دييجو كوستا ولويس سواريز وكريستيانو رونالدو وزلاتان إبراهيموفيتش. هذه مجموعة من أفضل لاعبي كرة القدم المعاصرة وبعضهم من الأفضل في التاريخ، ويمكنك بسهولة أن تصنفهم لمجموعتين؛ كوستا وسواريز في فريق الغلّاوية، ورونالدو وزلاتان في فريق المغرورين، والمشترك بين الرباعي هو كراهية الآخر والرغبة الدائمة في قهره والتقليل منه؛ القيمة التي يعتقد الكثيرون أن التنافس لا يصح من دونها.

السؤال هو؛ هل الأمر بهذا السوء؟ ألم يكن الغرور والغلّ جزءًا من نجاح كل منهم فعلًا؟

علميًا، لا يمكننا أن نقول أن هناك طريقًا واحدًا للنجاح. طبعًا الناس يحبون الحبّوب الذي يتعاون معهم ويخدمهم، وغالبًا تتكون لديهم رغبة في فعل المثل عند الاحتكاك بواحد من هؤلاء، ولكن هناك سبيل آخر غير اللطافة للوصول لما تريده، وهو أن تكون أنانيًا مغرورًا متعاليًا تكره الجميع وتحقّر منهم.

في الوقت الحالي لا يوجد ما هو أكثر من الدراسات التي تؤكد كل شيء وأي شيء. إن أردت إثبات أن شرب البيبسي بعد أكل الكرنب يزيد من فرصك في الحصول على فتاة أحلامك فستجد دراسة تؤكد ذلك، ولكن طبقًا لجلين جير، صاحب كتاب علم النفس التطوري، فإن المغرورين يملكون نفس فرص نجاح اللطفاء إن لم تكن أكثر، وذلك لخمسة أسباب رئيسة؛ أولًا، أنهم يشعرون بالأفضلية دائمًا حتى لو كانت زائفة، وثانيًا أن هذا يجعلهم أقدر على التعبير عن غضبهم إذا تطلب الأمر، ويجعل الآخرين أكثر تقبلًا لهذا الغضب، وثالثًا أنه من الصعب تغيير رأيهم.. طبيعي إن كنت تظن نفسك أفضل من الجميع فلن يوجد في الجميع مَن هو قادر على إثبات خطأك بالتبعية، وبالتالي تفوز في أغلب النقاشات والصراعات لأن لا أحد يملك نفس الحماس لإثبات صحة وجهة نظره، وهذا ما يُكسبك رابعًا، أن تكون فرد مسيطر اجتماعيًا ومنطقة نفوذه معروفة ومحددة لا يتجرأ عليها الكثيرون، وأخيرًا، والأهم على الإطلاق؛ أنك ببساطة أحمق، ولا تتورع عن تحويل أي صراع لمعركة شخصية، نادرًا ما تناقش الأفكار وتفضل استهداف الأفراد، وطبعًا هذه هي الطريقة الأسهل للفوز، لأنه إن كان الكثير من الأفكار غير قابل للاختراق بالمنطق، فإن كل البشر معيوبين ناقصين.

المشكلة في هذه النوعية من الدراسات أنها صارت مجبرة على التحرر من كل المبادئ الأخلاقية الأساسية قبل أن تُصدر نتائجها، لسبب واضح طبعًا؛ هو أنه مهما كانت ماهية المبادئ الأخلاقية الأساسية فهناك مَن سيقول إنها ليست مبادئ ولا أخلاقية ولا أساسية، لأنه يرى مثلًا أن ادعاء السقوط للحصول على ركلة جزاء في مباراة نهائي هو قمة الذكاء والاحترافية، والنتيجة أن مثل هذه الدراسات لا تفعل شيئًا سوى إخبارك بما هو حاصل بالفعل. المغرورون والغلاوية ينجحون لأن الجميع يتساهل معهم ويخشاهم، هذا أشبه بأن تضع لافتة تقول فيها إن المصعد معطل، ثم تصدر دراسة تؤكد أن جميع سكان العمارة يستخدمون الدَرَج.

تفريغ مساحات

كما لاحظت، لقد وصلنا لدائرة مفرغة. المغرورون والغلّاوية هم مجموعة من المتنمرين في واقع الأمر، وهؤلاء المتنمرين يجبرون المجتمع وجمهور الكرة وعلماء طب النفس على اعتبار الأخلاقيات مساحة محرمة بحجة أنها نسبية، وهي نسبية فعلًا في كثير من الحالات، ولكن هذه الحالات لا تتضمن الغرور وكراهية الآخر وإرهابه بأي شكل من الأشكال، هنا تنغلق الدائرة.

المشكلة أن هذا، إلى جانب أسباب أخرى، هو ما يخلق الفراغ القِيَمي الحالي، ويجعل الحديث عن الأخلاقيات في لعبة ككرة القدم، أو في أي مجال للتنافس عمومًا، محط للسخرية والسَف الدائم، وفرصة لاتهام المعترضين بأنهم مستغرقون في المثالية ولا يعيشون معنا على نفس الأرض، ومن هنا نشأت مصطلحات مثل الحَرَقان والشَبحَنة كتعبير عن هذه الحالة، التي يتم فيها جميع أنواع الخلط الممكنة لسبب وحيد هو تكريس نفس الحالة والحفاظ عليها، ومن لوازمها طبعًا ابتزاز أي صوت معارض بحجة أنه عايش الدور وبينَظَّر.

أحد أغبى أنواع هذا الخلط على الإطلاق هو الذي يحدث عندما تفرض نماذج مثل سواريز ورونالدو وكوستا وإبراهيموفيتش نفسها كأمثلة ناجحة، فيفترض الناس أن الغلّ والغرور وكراهية الآخر واللسان السليط من مستلزمات النجاح. أنا لا أحكم هنا على الرباعي الغلّاوي، ولا أقول إن أيًا منهم كان يجب أن يتحلى بمجموعة محددة من الصفات، لا أحد يستطيع أن يقول ذلك ما دام لم يمر بنفس التجارب والخبرات التي كوّنت شخصياتهم، وفي أي حال من الأحوال لن يوجد عالم بلا غلاوية ومغرورين، ولن توجد كرة قدم بلا مدعي إصابة ونرجسيين وغشاشين وحرامية، ولكن اعتبار كل ذلك من أسباب النجاح هو جنون بحد ذاته، ببساطة لأنه يهدم الأرضية المشتركة الوحيدة التي نستطيع الوقوف عليها.

كوستا لن يصبح مهاجمًا أفضل حينما يلقي برابيره على المدافعين ويلكمهم في كل مناسبة، ورونالدو لن يحصل على بالون دور إضافية إذا استطاع الوقوف أمام المرآة لثلاثة أيام متواصلة، وزلاتان لم يفز بدوري أبطال أوروبا في قصف الجبهة عندما قال لمدافع سانت إيتيان إنه لم يسمع عنه من قبل، والسقوط مع كل لمسة ودهس أقدام المدافعين وعض أكتافهم لن يزيد من حصيلة سواريز التهديفية آخر الموسم. هذه حقائق لا نحتاج لأي نوع من الدراسات لندركها. في الواقع، كل منهم حقق سجلًا رائعًا من النجاحات على الرغم من هذه الممارسات، لا بسببها.

لقطات دييجو كوستا القذرة

نحن لا نمسح البرابير

بصراحة، لفظة خلط ليست معبّرة عما يحدث هنا، ببساطة لأنه خلط متعمد، لا يوجد إنسان غبي كفاية ليستنتج أن ركل خصمك أو سبه أو البصق عليه سيقربك للفوز، لا يوجد إنسان غبي كفاية ليتخيل أن الغرور عظيم إلا إذا كان متنمرًا بدوره، و هناك آلاف الدراسات التي تؤكد أن هذه الصفات نتجت عن خلل في التعامل مع ما مروا به من أزمات.

الأزمات نفسها ليست مبررًا، تقريبًا كل عظماء كرة القدم مروا بظروف متفاوتة الصعوبة في بداية مسيرتهم، سيكون من الأسهل أن نذكر هؤلاء الذين لم يولدوا فقراء ولم يعانوا أثناء طفولتهم ولم يضطروا لترك المدرسة أو العمل في سن مبكرة. في كرة القدم لا يوجد أكثر من القصص البائسة، وزيارة سريعة لموقع Players Tribune ستخبرك بذلك.

ما يحدث عادة أن الكثيرين يخلطون بين العزيمة والإصرار من جهة والغلّ من جهة أخرى، والتركيز على هذه الأمثلة يظلم الباقين دائمًا، لأن هناك نماذج مثل كانتي وفان دايك تخبرنا أنه من الممكن أن تؤدي وظيفة صعبة للغاية -قائمة على الصراع أساسًا- بمنتهى الجدية والتصميم والنزاهة في ذات الوقت، وآخرين مثل سيلفا وإنييستا لم يحتاجوا للاستهزاء بخصومهم للتدليل على مهارتهم، ومهاجمين رائعين مثل أجويرو وكين لم يشعروا بالحاجة لإلقاء برابيرهم على المدافعين أو دهسهم لتسجيل عشرات الأهداف كل موسم.

أقذر لقطات لويس سواريز

القائمة طويلة فعلًا، طويلة لدرجة أنك تدرك أن الرباعي المذكور يمثل الاستثناء لا القاعدة، وما يشعرك بالعكس هو التشبيح الدائم الذي يناله هؤلاء من أنصار الفِرق التي يلعبون لها، القواعد الجديدة التي تستقر فقط لأنها تملك عددًا كافيًا من المؤيدين الذين قتلهم الفراغ وصاروا على استعداد للتطبيل لأي شيء ما دام جديدًا، ولو ظهر غدًا لاعب يتحرش بخصومه جنسيًا أثناء الركنيات لمدحوا فحولته وغيرته على الفريق. في الواقع كان هذا أسلوبًا متبعًا بين المدافعين اللاتين حتى وقت قريب، وغالبًا لا يزال كذلك.

كرة قدم الكراهية

طبعًا لا بد من الفقرة الروتينية التي نؤكد فيها أن هذا ليس درسًا في الأخلاق، وأننا نحترم كل الجماهير وكل اللاعبين على اختلاف أساليبهم، والحقيقة أن هذا ليس صحيحًا، هناك العديد من الآراء التي لا يمكن اعتبارها آراءً، ولا تستحق أي قدر من الاحترام، والحقيقة أيضًا أنك لا تحتاج أن تكون مثاليًا لكي تسمي الأشياء بمسمياتها، والاعتراض على هذه الممارسات لا يعني أبدًا أن فريقك مكون من مجموعة من الملائكة. سيلفا وكانتي وفان دايك وصلاح وكين ليسوا ملائكة قطعًا، ولهم سقطاتهم بكل تأكيد، ولكننا نحمد الرب أنها ما زالت تعتبر سقطات، وأنهم يعتبرونها كذلك بدورهم.

هذه هي مشكلة هذه النوعية من الأفكار، أنها تخلق الأزمة أولًا ثم تستخدمها لتبرير وجودها نفسه. الغش والغلّ والكراهية كانوا ولا يزالوا وسيظلوا جزءًا من كرة القدم، هذه حقيقة لا مفر منها تحت أي ظرف، حتى لو استُبدِل الحكام بروبوتات وأصبحت المخالفات تُحتسب بالليزر، لكنْ هناك فارق كبير وهائل بين التسليم بوجودها لأننا عاجزون عن تغييرها، وبين أن يتطور ذلك لتقبلها بحكم العادة، ثم نصل في النهاية للاحتفاء بها لدرجة اعتبارها من مقدسات اللعبة.

سواريز وكوستا وزلاتان ورونالدو ومن شابههم ليسوا مشكلة كرة القدم الوحيدة قطعًا، وربما لم يكونوا ليحققوا ما حققوه لو لم يقرروا عند لحظة ما أن يغيروا نظرتهم للعبة. حقيقةً لا أحد يعلم فعلًا، حتى الجزم بأنهم لاعبين عظماء من عدمه ليس محسومًا لأن هذه الممارسات، رغم انحطاطها، لا تسحب منهم إنجازاتهم. ما نعلمه فقط أن هناك العديد من الأمور التي جعلتهم عظماء، وتمرير شعلة الكراهية ليس من ضمنها بالتأكيد.

اعلان