ضمان الحقوق والإصلاح السياسي

نشر الكاتب الصحفي ياسر رزق، رئيس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم مقالًا، يوم الأحد، 30 ديسمبر الماضي، في صحيفة «الأخبار»، بعنوان «عام الإصلاح السياسي الذي تأخر»، كشف فيه عن خريطة التحركات الخاصة بما أسماه «الإصلاح السياسي في 2019». وأشار رزق في مقاله إلى المبررات وراء الحاجة الملحة، من وجهة نظره لـ «إجراء تعديلات دستورية»، لافتًا إلى وجود مواد في الدستور الحالي تُعرقل التوازن المنشود بين السلطات في ظل نظام حكم اعتاده الشعب وتعود عليه رئاسيًا، فضلًا عن أن هذه المواد لا تراعي متطلبات مرحلة انتقال تعيشها البلاد، ولا يجوز أثناء اجتيازها، التماهي مع أحوال دول اجتازت تقلبات الثورات منذ قرون، إضافة إلى ضرورة إجراء هذه التعديلات؛ بسبب «القلق على مستقبل الحكم فيما بعد 2022، أي في أعقاب انتهاء مدة الرئاسة الثانية الحالية للرئيس عبد الفتاح السيسي».

وقد قال رزق عن ملامح التعديلات الدستورية التى يجب تعديلها، إن «هناك نسبة تقترب من 15٪ من مواد دستور 2014 البالغ عددها 247 مادة، تحتاج إما إلى حذف أو تعديل أو إضافة»، ضاربًا المثل بالمواد (18)، (19)، (21)، (23) المتعلقة بتخصيص نسب من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق على الصحة والتعليم والتعليم الجامعي والبحث العلمي.

وإن كان معظم حديثه يتوجه في ناحية تعديل المواد الدستورية المتعلقة بمدد رئاسة الجمهورية المادة (140)، وكذلك المادة (226) التي تمنع إجراء تعديل على النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، مؤكدًا أن هذا الأمر «يغل يد الشعب عن إجراء تعديل على دستور وضع هو مواده ونصوصه، وكأن الدستور كتاب سماوي منزل غير قابل للتعديل».

وإجمالًا فإن الكاتب يوجه القارئ نحو ضرورة تعديل الدستور بما يسمح بتعدد المدد الرئاسية، وكأن لا مناص من هذا الأمر، خصوصًا إذا ما انتهت الفترة الرئاسية الحالية دون تعديل، ما سوف ينتج على حسب قول صاحب المقال حالة من القلق لدى غالبية الشعب المصري.

ومن هنا يبدأ ردي أو تعليقي أو تعقيبي على هذا المقال، وليس لي أي تعليق بخصوص شخص صاحبه، فلكلٍ وجهة هو موليها، ولنبدأ من حالة القلق التي يستنتجها مستقبلًا، يصفها بأنها حالة تصيب جموع الشعب، وهنا أقول له: كيف تبين لك حقيقة هذه الجموع، وكيف اطلعت على رأيها المستقبلي، بعد نهاية الفترة الرئاسية الحالية، ومن فوضك للحديث باسم هذه الجموع؟

يا سيدي إن العلة الحقيقية في أمور ممارسة الديمقراطيات الانتخابية تتمثل في تفعيل إرادة الناخبين في الاختيار والترجيح، ومن ثم فإن حديثك باسمهم لا يمثلهم حقيقة، وذلك لضمان تفعيل إرادتهم حال حدوث الانتخابات، وليس بمصادرة رأيهم الأولي في شأن تعديل الدستور من عدمه.

ومن ناحية نظرية بحتة يعلمها القاصي والداني، فإن الدساتير حينما توضع أو تُصنع أو تُصاغ فإن أول الأمور التي تهم صانعيها هو بقاء هذا الدستور فترة من الزمن، لا تقاس في الغالب بمدتين للرئاسة، وإنما في الغالب تُقاس بمدى تمتع المواطنين بحقوق أكثر في المدونة الدستورية.

ولو عدنا إلى الوراء قليلًا وتحديدًا وقت العمل على صياغة هذا الدستور في النصف الثاني من عام 2013، وكيف كان العمل يتم داخل لجنة صياغة الدستور، وهي اللجنة المشكلة بموجب  القرار رقم 570 لسنة 2013، الصادر من الرئيس المؤقت عدلي منصور، ولم يتدخل أحد في صياغة الدستور من غير هؤلاء المشمولين بهذا القرار، فسيكون عمر هذا الدستور لا يتعدى أكثر من خمس سنوات. أقول لكم إن قيمة الدول تظهر في مدى احترامها لما هو مكتوب في دساتيرها، وخصوصًا إذا ما كان صناعة هذه المدونات قد تمت برضاء حكومي، وبقرار حكومي، وبتشكيل حكومي مرضي عنه، وإذا كانت خزانة الدولة غير قادرة على تحمل عبء الانتخابات الرئاسية، فهي أيضًا غير قادرة على تحمل تكلفة الاستفتاء على الدستور.

أما عن باقي المواد التي يستهدف الأستاذ ياسر رزق تعديلها، فإنني سوف أخص منها ما هو متعلق بحقوق المواطنين في الصحة والتعليم، وهو ما يعني تعديل المادتين (18) و (19) من الدستور، وبشكل أخص ما ورد فيهما من تخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي لا تقل عن 3% من الناتج القومى للصحة، 4% للتعليم. وإن كانت هاتان المادتان من أهم إنجازات ذلك الدستور، لكونهما ولأول مرة في التاريخ الدستوري المصري يتم تحديد نسبة من الناتج القومي للإنفاق على الصحة والتعليم، وإن كنت أرى أن الدولة لم تلتزم بهما من الناحية الواقعية، ولكن وجود هذين النصين يشكل ضمانة لصالح المواطنين الذين يتحدث عنهم أستاذنا /ياسر رزق، فهل هو يريد من تعديلهما مصادرة حقوق المواطنين، هو في ذات الوقت يخشى على الشعب من القلق في حالة خلو منصب الرئيس، أليس الأولى أن يكون سبب الخوف والفزع هو ضياع حقوقهم، أو إهدارها، أو حتى تقليصها.

ومن حيث أهمية التعليم في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية وبكل نواحي الحياة، فالتعليم هو أحد أهم المشاكل التي تتسبب في تقدم الشعوب أو تخلفها، فالطلاب هم مستقبل الشعوب، ولقد أدركت الدول المتقدمة أهمية التعليم فعملت على تطويره، واهتمت به حتى وصلت لمرحلة متقدمة فيه، ويلعب التعليم دورًا إيجابيًا وحيويًا في حياة كل من الفرد والمجتمع. ونحن نعلم جيدًا الحالة التي نحن عليها في ما يخص التعليم المصري، إذ أن أهم سبل علاجه تكمن في تخصيص جزء أكبر من موارد الدولة لتحسين الخدمات التعليمية، والبعد عن خصخصته بشكل تام، وخصوصًا في ظل الأحوال المعيشية التي يمر بها غالبية المواطنين حاليا.

أما الحديث عن الصحة، فيؤكد دستور منظمة الصحة العالمية على أن التمتع بأعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه هو أحد الحقوق الأساسية لكل إنسان، ويشمل الحق في الصحة الحصول على الرعاية الصحية المقبولة والميسورة التكلفة ذات الجودة المناسبة في التوقيت المناسب. وهذا من الأمور التي لم يتمتع بها الشعب المصري حتى الآن، فكلنا يعلم جيدًا حال المستشفيات الحكومية، وحال المرضى المصريين.

يا سادة إن الحديث عن تعديل الدستور، إن كان ذلك وقته، وظني عكس ذلك، يجب أن يتوجه إلى المزيد من الضمانات الحقوقية والحفاظ على موارد الوطن، والتي يجب أن نعتبر أن أهم موارد الوطن في قوته البشرية، ومن ثم وجب الحفاظ على مكتسباتها، بل وزيادتها بما يتماشى مع ما هو عليه الحال في الدول المتقدمة والآخذة في النمو.

أعلم جيدًا أن الدستور ليس كتابًا سماويًا مقدسًا، بل هو صناعة بشرية، ولكن لكل صنعة صناعها، ولكل وقت أذان، أما أمر الإصلاح السياسي، فنحن في كل وقت في حاجة إلى إصلاح سياسي، ولكنه يجب أن يوجه إلى مصلحة المواطنين أصحاب هذه البلاد.

اعلان
 
 
طارق عبد العال