لماذا لا تحمينا منازلنا من البرد؟
 
 

ربما تكون ممَن يراجعون درجات الحرارة في الصباح كل يوم قبل مغادرة المنزل، خاصة في الأسابيع الباردة من الشتاء مثل الأسبوع الماضي، حيث تراوحت درجات الحرارة في منتصف اليوم بين 12 و15 درجة مئوية، ووصلت في ساعات المساء إلى 10 درجات، أما في الساعات المبكرة من الصباح فقد انخفضت إلى 6 درجات.

الإحساس بالبرودة خارج المنزل منطقي في فصل الشتاء، لكن ما يبدو غير منطقي هو الإحساس الدائم بالبرد داخل البيوت وأماكن العمل المغلقة، وأحيانًا بشكل متزايد عما هو الحال في المناطق المفتوحة.

يرجع أحمد زعزع، المعماري والباحث المتخصص في شؤون العمران، السبب في ذلك إلى مواد البناء المستخدمة في مصر قائلًا: «نحن نستخدم بشكل أساسي الطوب الأحمر والخرسانة. وكلاهما مثل الهواء، يوصّل الحرارة في كلا الاتجاهين دون قدرة على عزل المباني».

ويعتمد البناء في المناطق الباردة من العالم على وجود أنظمة مركزية للتدفئة، بالإضافة إلى طُرق متعددة لعزل جدران المباني عن البيئة الخارجية.

يشرح زعزع قائلًا إنه لكي تكون أنظمة التدفئة فعّالة، يجب أخذها في الاعتبار أثناء تصميم وبناء المباني، فيتمّ تمديد مواسير مياه ساخنة داخل الحوائط أو الأرضيات لتدفئتها، وتعمل على نظام مركزي يستخدم الطاقة الشمسية أو البخار لتسخين هذه المياه، أو تركيب أجهزة تدفئة في أماكن مختلفة من البيت أو المكتب تعمل بنظام مركزي مع إمكانية التحكم في درجة الحرارة بشكل منفصل.

ويتابع قائلًا إن هناك عدة طرق لعزل الجدران، منها استخدام قوالب طوب، بها تجويفات مستطيلة، في الحوائط الخارجية للمبنى بعرض 20-25 سنتيمترًا، ويتم حشو هذه التجاويف بمواد عازلة مثل الصوف الصخري أو الزجاجي، وهي تمنع تسرب الحرارة. وتشير بعض التقارير الاقتصادية إلى أن تكلفة هذه الطريقة من العزل تمثل نحو 2.5-3% من التكلفة الإنشائية للمبنى في المجمل.

هناك طريقة أخرى وهي بناء حوائط مزدوجة (بعرض 30-35 سنتيمترًا) بينها مادة عازلة سمكها 5 سنتيمترات، وهي تمنع تسرب الحرارة بشكل أفضل. وتصل تكلفة العزل في تلك الطريقة 9.5% من تكلفة إنشاء المبنى.

أما عن عزل الشبابيك، فيتم عن طريق استخدام لوحين من الزجاج مع تفريغ الهواء بينهما ليعمل الفراغ كعازل لمنع تسرب الحرارة.

ويقول زعزع: «المشكلة أن كل هذا غير موجود في مصر ومن الصعب تعديله في المباني القائمة بالفعل بعد تنفيذها، باستثناء تغيير الشبابيك».

فيما يقول المهندس المعماري زياد عامر: «لدينا مشكلات في الالتزام بما هو أبسط من ذلك. على سبيل المثال، الحوائط الخارجية لأي مبنى يجب أن يكون سمكها 25 سنتيمترًا. في معظم المباني لدينا، سواء التي يبنيها الأفراد أو الحكومة، يكون سمك الحوائط 12.5 سنتيمتر، وهو ما يقلّل من قدرتها على عزل المباني».

ويتابع: «في المناطق الرطبة، يجب أن يكون هناك عزل للمباني عن الأرض، حتى لا تتسرب الرطوبة من التربة إلى جسم المبنى مما يزيد من الشعور بالبرودة، وهو ما لا يحدث في معظم المباني في مصر».

خامات الأرضيات تزيد الأمر سوءًا، بحسب عامر الذي يقول إن البلاط والسيراميك والرخام والبورسلين هي مواد موصلة للحرارة بشكل عالي، مما يساهم في زيادة الإحساس بالبرودة على عكس الأرضيات الخشبية على سبيل المثال التي تعمل كعازل حراري.

وعمومًا، توجد طرق مختلفة لعزل المباني التي لم يجر عزلها أثناء التنفيذ وإن كانت أكثر تكلفة، حيث يتم كسوة المبنى من الخارج بأي من المواد العازلة حراريًا، مع تغطيتها بالحجر أو الألواح المعدنية. كما يمكن عزل المبنى داخليًا بعد التنفيذ عن طريق تركيب ألواح مصنوعة من لُب الخشب أو القصب أو أي مواد أخرى عازلة مباشرة على الحوائط من الداخل.

يذهب المعماري طارق والي، مدير مركز والي للعمارة والتراث، إلى نقطة أبعد في نقده للخامات المستخدمة في تصنيع مواد البناء في مصر: «المشكلة أننا نستخدم مواد مُصنعة، غير بيئية، وبعدين بنشوف نحل مشكلة عزل المنازل إزاي، مثل الأبراج ذات الواجهات الزجاجية على سبيل المثال والتي تحتاج إلى تكلفة هائلة لتدفئتها في الشتاء وتبريدها في الصيف، رغم أن الطبيعة بها مواد أفضل للبناء وقادرة على عزل المباني بشكل أفضل».

يطرح والي كمعماري مهتم بالهندسة البيئة بديلًا للمواد المُصنعة (الطوب الأحمر والخرسانة) وهي المواد البيئية مثل الحجارة أو الطوب الأخضر أو الطفلي. فيقول: «تجد أنه في اليمن كانوا يبنون منازل بارتفاع ثمانية وتسعة طوابق بالطوب الأخضر، فليس صحيح أننا غير قادرين على التوسع الرأسي في البناء إذا ما استخدمنا مواد بيئية، فضلًا عن أن علماء مواد البناء ومراكز البحوث قادرة بالطبع على تطوير المواد البيئية وتدعيمها بحيث تصبح أكثر صلابة وقوة».

يدعم زعزع ما يقوله والي: «بمجرد دخول أي من البيوت القديمة المبنية بالحجر، يمكن ملاحظة أنها أفضل في الشتاء والصيف من البيوت المبنية بالطوب الأحمر. لأن الحجر يعزل المباني بشكل أفضل، ويمكن استخدامه لبناء مبانٍ بارتفاع خمسة أو ستة طوابق».

يرى المعماريون البيئيون أن المشكلة ليست فقط في اختيار مواد البناء، ولكن في البيئة العمرانية بمجملها، أي في الأنماط السائدة لتصميم وبناء المباني.

يشرح والي تلك النقطة قائلًا واجهات المباني، على سبيل المثال، يجب أن تكون جهة الشرق مما يسمح بدخول أشعة الشمس لأكثر وقت ممكن خلال اليوم، فضلًا عن ضرورة وجود مسافات كافية بين المباني تسمح بتخلل أشعة الشمس للكُتل العمرانية.

اتباع نمط من البناء، يراعي العزل الحراري، ليس طوعيًا. فلدى كل بلد كود للبناء، وهو مجموعة كبيرة من المعايير القياسية المتعلقة بكل نواحي البناء والمواد المستخدمة به، غير أن درجة الإلتزام بما في ذلك الكود هي مسألة أخرى.

يحتوى كود البناء في مصر على قسم كامل عن عزل الحوائط والمواد المستخدمة في ذلك، كما تنصّ المادة (39) من قانون البناء رقم 119 الصادر سنة 2008 على ألا تُمنح أي تراخيص بناء إلا بعد التأكد من مطابقة التصميمات لـ «أكواد البناء المصرية» وهو الأمر الذي يقع ضمن اختصاص المحليات وأجهزة المدن الجديدة.

يشرح المعماري زياد عامر المشكلة قائلًا إن جهات الإشراف تمنح التراخيص على تصميمات المباني، ثم لاحقًا تفتش على المبنى نفسه، غير أن ما تركز عليه هو الحالة الإنشائية للمبنى مثل وجود أدوار غير مرخص ببنائها، أو الخروج عن خط التنظيم، أو وجود بروزات بالمبنى، مضيفًا: «لن يهتم أحد بوجود عزل للمنازل من عدمه. يهتم الموظفون فقط بما يمكن أن توقع جزاءات عليهم إذا ما لم ينتبهوا له».

تجاهل ضرورة عزل المباني يفسره والي بقوله: «إننا نتحدث هنا عن مشكلة اقتصادية بحتة، وسيبقى هناك سؤال لدى كل مَن يستثمر في المباني: هل ينفق المزيد من الأموال لعزلها بشكل جيد فقط من أجل شهرين في الصيف وشهرين آخرين في الشتاء؟».

يقول المهندس المدني الاستشاري عادل أبو طويلة إن الكثير من المباني الإدارية الجديدة الآن يتم عزل حوائطها من الداخل بألواح جبس أو خشب، كما تستخدم بعض المباني عزل خارجي عن مواد عازلة مضغوطة ومغطاه من الخارج بألواح معدنية أو زجاجية عاكسة، أو غيرها من طُرق العزل الخارجي. في كل الحالات تعمل هذه المواد على منع انتقال الحرارة من وإلى المبنى.

يفسر أبو طويلة هذا الاتجاه بالرغبة في خفض استهلاك الكهرباء المستهلكة للتدفئة أو التبريد، مضيفًا أن عزل أي مبنى يخفض فاتورة الكهرباء بما لا يقل عن النصف تقريبًا.

يشرح أبو طويلة قائلًا إنه على المدى القصير يرفع عزل الحوائط تكلفة البناء، إلا أن هذا الاختيار أكثر اقتصادية على المدى المتوسط والبعيد.

تبقى المشكلة في المباني التي يتمّ بنائها بغرض بيعها على صورة وحدات سكنية أو مكتبية بشكل فردي. يقول والي: «من  يبني مبنى بغرض تجزئته وبيعه يريد الطريقة الأرخص والأسرع في البناء، ثم يصبح المبنى لاحقًا مسؤولية شخص آخر».

ويضيف: «المشكلة أن هناك تيار سائد للبناء محليًا وعالميًا، الكل متأثر به. ومواجهته لا يمكن أن تتمّ بشكل فردي».

اعلان