بينما تستمر حقوق الإنسان على رادار الولايات المتحدة.. زيارة بومبيو إلى القاهرة تركز على التعاون الإقليمي
 
 

اجتمع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو مع الرئيس عبدالفتاح السيسي ووزير الخارجية سامح شكري، أمس، الخميس، في القاهرة، قُبيل إلقاء خطبته حول دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

وتمحورت خطبة بومبيو في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في أغلبها، حول إدانة سياسة إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في منطقة الشرق الأوسط، والتي أدت إلى تقلص الدور الأمريكي وأفسحت المجال للدور الإيراني في المنطقة.

وصل بومبيو إلى القاهرة مساء أول أمس، الأربعاء، في محطته الثالثة في إطار جولته بالشرق الأوسط بعد زيارة الأردن والعراق. وتوجه وزير الخارجية الأمريكي إلى البحرين، صباح اليوم، الجمعة، ويتجه بعد ذلك إلى الإمارات العربية المتحدة، وقطر، والمملكة العربية السعودية، وعُمان، والكويت، في إطار جولته بالمنطقة.

وفي لقائه مع السيسي، أكد بومبيو على «التزام واشنطن بالشراكة الإستراتيجية مع مصر»، بحسب بيان أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية. وشدّد بومبيو كذلك على «أهمية حماية حقوق الإنسان والدور الحيوي الذي يلعبه المجتمع المدني».

وفي مؤتمر صحفي مشترك ظهيرة الخميس، أكّد كل من بومبيو وشكري على أهمية العلاقات الإستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة، ولكنهما لم يكشفا سوى القليل عن فحوى المحادثات.

ووفقًا لمصادر دبلوماسية في «واشنطن» و«القاهرة»، فإن هدف مصر الرئيسي من المحادثات التي جرت هو تهدئة أية مخاوف لدى الإدارة الأمريكية بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مصر، مع التركيز على القيمة الإستراتيجية لمصر بوصفها أحد حلفاء الولايات المتحدة وشريكتها في الحرب على الإرهاب. ولقد خفف حكم إحدى محاكم القاهرة ببراءة العاملين في بعض المنظمات الأهلية، ومن بينهم مواطنون أمريكيون، من ضغوط «واشنطن» على مصر، إلا أن الغضب العالمي بشأن مقتل جمال خاشقجي أدى إلى تصاعد مخاوف الإدارة الأمريكية إزاء الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان من جانب حلفائها. ويرجح أن تكون القضايا الإقليمية أحتلت مكانها على جدول أعمال بومبيو، ومن بينها الموقف المصري من سوريا، وتشكيل حلف «الناتو العربي»، والحصار على قطر.

علاقة مصر بـ «واشنطن»

«نحن نعلم أن أغلب أعضاء الإدارة الأمريكية يقدّرون الأوضاع المصرية إلى حد بعيد، فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب، ولكننا نعلم بالطبع أن هناك بعض أعضاء الكونجرس الذين يحاولون الضغط على مصر من خلال الإدارة الأمريكية، ولهذا سنشرح لـ بومبيو ما نفعله وما يدور في أذهاننا» قال دبلوماسي مصري لـ «مدى مصر».

ومع سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلس النواب الأمريكي، تزايدت احتمالات إخضاع علاقة «واشنطن» بـ «القاهرة» لمزيد من التدقيق، خصوصًا بشأن قضايا حقوق الإنسان.

في الأسبوع الماضي، وجّه النواب الديمقراطيون انتقادات لاذعة لمصر بسبب سجلّها في مجال حقوق الإنسان، وأصدروا مشروع قانون بتقليص المساعدات العسكرية السنوية التي تبلغ 1.3 مليار دولار، مع تخصيص مبلغ مليار دولار فقط كجزء من حزمة إنفاق أكبر لعام 2019. ولكن مشروع القانون الذي يقتطع 300 مليون دولار من المساعدات الأمريكية لمصر توقف في مجلس الشيوخ، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، في انتظار شهادة من وزير الخارجية بأن مصر تتخذ خطوات لتعزيز «الديمقراطية وحقوق الإنسان»، وكذلك «الإصلاحات اللازمة لحماية حرية التعبير والحق في تكوين الجمعيات والتجمع السلمي، ومن بينها تمكين المجتمع المدني والمنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان ووسائل الإعلام من العمل دون تدخل، وإطلاق سراح السجناء السياسيين»، بالإضافة إلى «إجراء تحقيقات في حالات القتل خارج القانون والاختفاء القسري، وملاحقة مرتكبيها قضائيًا»، وغيرها من التدابير.

ومع ذلك، يتضمن مشروع القانون حق وزير الخارجية في التنازل عن الشهادة استنادًا لدواعي الأمن القومي، ما يسمح لبومبيو بتمرير المعونة دون الحاجة إلى الإدلاء بشهادته، وهي الخطوة التي اتخذها وزراء خارجية سابقون مرارًا وتكرارًا.

«هناك بعض النقاط التي يتوجب علينا شرحها تفصيلًا، ولكنني أعتقد أن علاقتنا إجمالًا مع الولايات المتحدة مستقرة في الوقت الراهن، حتى إن اعترفت بأنها ليست على المستوى الذي توقعناه عند انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب» قال المصدر الدبلوماسي المصري.

ووفقًا للمصدر نفسه، فإن «النقاط» التي يتعين على مصر توضيحها تشمل: «الخطوات التي اتخذتها القاهرة لتحقيق الديمقراطية في إطار الأولويات الوطنية المتعلقة بالأمن والاستقرار».

وأحد القضايا الرئيسية التي تهدد العلاقة بين البلدين على مدى السنوات القليلة الماضية هي القوانين المصرية المُقيدة لحرية عمل منظمات المجتمع المدني، وإدانة 43 عاملًا في تلك المنظمات في 2013، من بينهم مواطنون أمريكيون، بتهمة الإضرار بالأمن القومي، فضلًا عن إغلاق أربع منظمات أمريكية تعمل في مصر.

وكانت محكمة في القاهرة قد أصدرت حكمًا ببراءة جميع المتهمين الـ 43 الشهر الماضي. وفي نوفمبر الماضي، شرع السيسي في تعديل قانون منظمات المجتمع المدني المثير للجدل. وامتدحت «واشنطن» هاتين الخطوتين.

«ترحب الولايات المتحدة ببراءة موظفي منظمات المجتمع المدني الأمريكية الذين أدينوا بالخطأ بتهمة العمل على نحو غير سليم في مصر. ونحن ندعم بقوة مبادرة الرئيس السيسي لتعديل القانون المصري لمنع أي انتهاكات مستقبلية للعدالة» هذا ما ورد في بيان صحفي لوزارة الخارجية الأمريكية، عشية زيارة بومبيو إلى القاهرة.

من جهة أخرى، قال مسؤول أمريكي لـ «مدى مصر»: «ظلت تلك القضية على جدول أعمال المحادثات الثنائية بين مصر والولايات المتحدة، ويبدو أن النقاش انتهى حولها بشكل جيد».

ومع ذلك، فإن مقتل جمال خاشقجي على يد عملاء سعوديين داخل قنصلية بلاده في تركيا يعني أن حلفاء الولايات المتحدة، ومن بينهم مصر، يجب أن يتعاملوا بحرص مع قضايا حقوق الإنسان، بحسب تصريحات مصدر أمريكي لـ «مدى مصر».

وأضاف المصدر، أن جريمة القتل أثارت حملة من النقد ضد العلاقات الوطيدة بين البيت الأبيض وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وأوضحت الإدارة الأمريكية لحلفائها في الشرق الأوسط رغبتها في تحاشي المزيد من التعقيدات مع الكونجرس حول قضايا الحريات وحقوق الإنسان في الدول العربية.

ووفقًا للمصدر نفسه، من المحتمل أن يكون بومبيو قال لنظرائه في «القاهرة» إن أحكام البراءة وتعديل قانون المجتمع المدني «ليست نهاية الطريق الذي يجب أن تقطعه مصر، إن أرادت تجنُب الانتقادات في الكونجرس ووسائل الإعلام الأمريكية».

و قال مصدر مطلع في «واشنطن» إن القاهرة تُخطئ إن اعتقدت أن قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان لن تُطرح أثناء المحادثات بين مسؤولي البلدين، والسبب ببساطة هو لأنها مطروحة على جدول أعمال المُشرعين ومراكز الأبحاث في الولايات المتحدة، وهم يمارسون الضغوط على إدارة ترامب لإظهار مزيد من الحزم مع حلفائه في القاهرة بشأن تلك القضايا.

وأثناء المؤتمر الصحفي الذي عقد يوم الخميس، لم يُجب بومبيو على نحو مباشر عند سؤاله عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر، وهل تطرقت المحادثات إلى قضية السجناء الأمريكيين أم لا، واكتفى بالقول: «إننا نتحدث حول مجموعة كبيرة من قضايا حقوق الإنسان في كل مرة نجتمع فيها».

قضايا إقليمية

وقالت عدة مصادر دبلوماسية لـ «مدى مصر» إن قضايا حقوق الإنسان كانت مطروحة على مائدة المحادثات بكل تأكيد، ولكن الموضوع الرئيسي الذي يجب أن تتمحور حوله تلك المحادثات هو القضايا الأمنية والإقليمية.

وأضافت المصادر، أنه فضلًا عن مناقشة الحرب المستمرة ضد المُسلحين في سيناء، من المتوقع أن بومبيو أبدى اهتمامًا خاصًا بالوضع في سوريا وإيران واليمن.

وفي الشأن السوري، رجح مصدر دبلوماسي مصري تأكيد مصر التزامها بالسياسة الأمريكية بشأن عدم التورط مع نظام الأسد، وكذلك أن يشرح الجانب المصري لبومبيو ضرورة «تهدئة الأمور قليلًا».

في ديسمبر الماضي، أعلن ترامب عن اعتزام الولايات المتحدة الانسحاب من سوريا، ولكنه تراجع هو ومستشاريه عن هذا الإعلان في الأسابيع الأخيرة.

يقول مصدر دبلوماسي مصري، إن «الأمريكيين يقولون إن قضيتهم الرئيسية في الشرق الأوسط هي عزل إيران وإذا كانوا يرغبون القيام بذلك، ونحن على ثقة في رغبتهم تلك، فيجب ألا يتوقعوا دعم الدول العربية بينما تزيد إيران من رقعة تواجدها في سوريا».

من جهة أخرى، من المتوقع أن تكون محادثات بومبيو اختبرت الدور «المُحتمل» للدول العربية في ضمان أمن واستقرار سوريا، ليس بمناوئة الوجود الإيراني فقط، ولكن كذلك من أجل التصدي للعمليات العسكرية التركية التي أثارت خلافًا واضحًا بين «واشنطن» و«أنقرة». ولقد ألمح مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، في وقت سابق من الأسبوع الجاري، إلى أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع عملية تهدف إلى القضاء على المقاتلين الأكراد المتحالفين مع الولايات المتحدة في سوريا.

وقال مصدر مُطلع في الحكومة المصرية إن لدى القاهرة «بعض الأفكار» حول ما يمكن أن تفعله بـ «التنسيق مع دول عربية أخرى» لمساعدة سوريا على العودة إلى المسار الصحيح. ولكنه يعتقد بأن هذه «الأفكار» لا تشمل أي وجود عسكري طويل الأمد أو موسع للقوات المصرية في سوريا.

وأوضح المصدر أن «ما يدور في ذهننا هو أكثر صلة بدور يلعبه خبراء من أجل تعزيز الأمن في سوريا مع دعم محتمل لعملية سياسية يمكن أن تؤدي إلى تشكيل لجنة صياغة الدستور التي طال انتظارها، وبعدها إجراء انتخابات رئاسية».
وأضاف  المصدر أن مصر كانت «تعارض بوضوح عددًا من الأفكار التي طرحتها الولايات المتحدة حول شكل من أشكال التواجد العسكري العربي على المدى الطويل في سوريا».

من جهة أخرى، رجّح مصدر دبلوماسي في «واشنطن» أن يكون بومبيو ناقش إمكانيات تشكيل التحالف الأمني ​​في الشرق الأوسط، والذي يصفه مسؤولو البيت الأبيض بـ «الناتو العربي». سيضم التحالف السياسي والأمني ​​الجديد الولايات المتحدة والدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن، لمواجهة توسع إيران في المنطقة. وفي كلمته يوم الخميس، طالب بومبيو تلك الدول بـ «اتخاذ الخطوة التالية في ترسيخ التحالف».

وأشار المصدر إلى «إنهم يخوضون مناقشات صعبة في الوقت الراهن، نظرًا لحساسية الوضع بين قطر [عضو مجلس التعاون الخليجي] وعدد من الدول العربية».

في يونيو 2017، فرضت أربع دول –السعودية والبحرين ومصر والإمارات العربية المتحدة- حصارًا بريًا وبحريًا ضد قطر، لاتهامها بدعم الإرهاب، وهي تهمة نفتها قطر بشدة.

ومن المتوقع أن تكون قطر قضية رئيسية، وليست هامشية، على جدول أعمال جولة بومبيو في الشرق الأوسط، بحسب المصدر الأمريكي، الذي أضاف أن بومبيو سيطالب الدول الأربعة بتهدئة الموقف من أجل فرض مزيد من العزلة على إيران، وتخفيف الأعباء الأمنية الأمريكية في المنطقة.

تستضيف قطر أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، وقالت مصادر عربية وأمريكية مُطلعة إن «واشنطن» رفضت كافة الاقتراحات السعودية والإماراتية بنقل القاعدة إلى الأراضي السعودية.

بوجه عام، أشارت مصادر إلى حالة من الرضا بين مصر والولايات المتحدة عن مستوى العلاقات الثنائية، لكن لا تلوح مؤشرات حول زيادة نطاق التعاون بينهما، خصوصًا إن لم تحرز علمية السلام بين إسرائيل وفلسطين برعاية ترامب تقدمًا، وإذا استمر توقف ترتيبات «الناتو العربي» بسبب الخلافات حول دور قطر.

اعلان
 
 
أسمهان سليمان