حول «السترات الصفراء» وتحاشي السياسة

«هذه الحركة ليست سياسية» أو «نحن فقط مجموعة من المواطنين» تلك هي العبارات التي تردّدت في الوقفات الاحتجاجية التي نظّمتها «السترات الصفراء» والتي اجتاحت فرنسا منذ 17 نوفمبر 2018.

كان قرار الحكومة الفرنسية في زيادة أسعار الوقود الذي اندرج في إطار ضريبة جديدة من أول الأسباب التي أطلقت شرارات الغضب في صفوف المحتجّين. وسرعان ما تراكم ذلك مع عدد من الأسباب الأخرى وأدّى إلى تصاعد كل هذا الغضب. وتعبيرًا عن ذلك، فقد استخدم المتظاهرون وسائل متنوّعة شملت عمليات إغلاق الطُرق والمحلات الكبرى والمصانع والمشاركة في مظاهرات وصلت أحيانًا الى حدّ إحداث أعمال الشغب في العاصمة وغيرها.

رغم الاهتمام الواسع الذي حظت به المواجهات وأعمال التخريب في باريس من طرف الإعلام، لا تزال عمليات إغلاق الطُرق، وغيرها من أكثر أشكال الاحتجاج استخدامًا. ولا تقتصر جغرافية الاحتجاج على العاصمة بالرغم من أهميتها كمكان رئيسي للسلطة المركزية، بل ما ميّز هذه الحركة هو انتشارها المتزامن في الأرياف والضواحي، وأخيرًا في المدن.

اللاّ سياسة على أرض الواقع

أحدثت الصفة «اللاّ سياسية» لهذا الحراك ضجّة وقد شكّك البعض فيها وذكروا إمكانيّة تدخل أيادٍ خفيّة لحزب معيّن في تنظيم الاحتجاجات خاصّة بسبب انتماء بعض المشاركين المساهمين في انتشار الحركة على شبكة الإنترنت إلى أحزاب يمينيّة متطرّفة. ولكن بعد انطلاقها أصبح واضحًا إن تأثير الأحزاب على التحركات كان ضعيفًا. في الحقيقة وعلى الرغم من المشاركة الفردية لبعض المتحزبين والنقابيّين في أوائل الاحتجاجات، فإن المنظمات السياسية والنقابية قد تردّدت في اتخاذ موقف واضح يخصّ تضامنها مع الحركة. وينطبق ذلك خاصة على النقابات والنشطاء التقدميين الذين خشوْا الالتزام بقضية لم يتمّ توضيح أهدافها وقيمها. كما رفضوا فكرة التظاهر جنبًا إلى جنب مع بعض المجموعات الرجعية التي لم تتردد طويلًا في انضمامها للحركة. بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الحركة كانت التجربة الكفاحية الأولى لعدد كبير من المنخرطين فيها. وقد أصرّوا على هذه الصفة اللاّ سياسية لإدماج مصالحهم ضمن قضية مشتركة مع الأغلبية، وليأكّدوا استقلاليتهم ورفضهم لاقتران هذه الحركة براية حزب ما.

حتى الآن، فإنّ هذا الطابع اللّا سياسي الذي اِجتمع بالارتباك الايديولوجي والتظاهرات الضخمة وغير المتوقّعة قد منع توجيه الحركة إلى جهة محددة ،كما أعاق حلّ الأزمة التي أثارتها. إذ فشلت أساليب المفاوضات والقمع الشديد، الذي لم تشهده البلد منذ سنوات، في حلّ الأزمة. لم يتمّ استخدام العنف إلا بعد مرحلة أولية من الانتظار ذلك لأن هؤلاء المحتجّين يمثّلون نوعًا جديدًا من النشطاء. بمعنى أنهم ليسوا شبيهين بالنشطاء المعارضين الذين اعتادت الحكومة على قمعهم، وإنما هم يتكوّنون من «الأغلبية الصامتة» التي تعتمد عليها الحكومات عادة لتبرير سلطتها بمنطق «الصمت علامة الرضا». ولهذا السبب أيضًا، كانت التغطية الإعلامية إيجابية بصفة عامة في بداية الحملة، قبل اتساع التحرك ومطالبه. في هذا الإطار، اتخذت الحكومة إجراءات أمنية مشدّدة وعنيفة أفضت إلى عدد كبير من الإيقافات، والإصابات الخطيرة التي أدّت لوفاة امرأة. كما أنّه تمّ منع مجموعة من التظاهرات عن طريق إيقافات استباقيّة وتشديد الحضور المفرط لقوات الأمن في بعض المدن.

ترجع خلفيات رفض تدخل التنظيمات السياسية إلى أسباب مختلفة منها الأسباب الاستراتيجية بحيث تمثّل الصفة اللّا سياسية حجّة لإقناع الجماهير بالالتزام في الحركة. وحسب ذلك المنطق، فإن غياب الطابع السياسي للحركة يمنح نوعًا من اليقين بأن القضية تخصّ الأغلبية، وإن المصالح الفردية لا تتنافى مع مصالح الشعب بحيث أن التحرّر من قيود الالتزامات السياسية يضفي للحراك نطاق أوسع من الانقسامات السياسية التقليدية. كما يرى البعض أن المحافظة على استقلالية الحركة وخفض إمكانيّة تعريفها كتيار محدّد هو ما يردع الحكومة عن استعمال ذلك كوسيط لتشويه الحركة، ولإنهائها عن طريق المفاوضات والتجاهل. وكانت تلك الأسباب المحرّك الأساسي للإنكار الشديد لمحاولات إضفاء صبغة يمينية أو يسارية على الحركة.

ولا سيما أن عدم منح الثقة للجهات السياسية أو النقابية قد يرجع إلى الاعتقاد بأن هذه المؤسسات لن تكون كُفئًا للدفاع عن مصالح الشعب، أذ أنها لا تهتمّ إلا بمصالحها الخاصة كما أنها لم تبرز أية فعالية لممارسة الضغط على الحكومة في تجارب سابقة. وقد برز ذلك من خلال قلّة المكاسب وفشل التحركات الاجتماعية ضد سياسات التقشف التي طبّقتها الحكومة في السنوات الأخيرة رغم الإضرابات والمظاهرات الضخمة. مثلما كان الحال بالنسبة لإضراب عمال شركة السكك الحديديّة في أبريل الماضي والذي امتد خلال ربيع 2018، والتحركات التي وقعت عام 2016 ضد تغيير قانون العمل الذي شمل إلغاء بعض الامتيازات التي كانت تحمي العمال.

كما يمكن تفسير نقص الثقة في التنظيمات السياسية عن طريق أزمة أعمق تشمل عملية التفويض بحدّ ذاتها. من الأسباب التي أعاقت توجيه الحركة من طرف الحكومة والمعارضة هي غياب مسؤولين عنها يملكون الصلاحيات اللازمة للمفاوضة.

خلال تطوّر الحركة تمّ اختيار بعض المندوبين، ولكن ذلك لم يمنحهم الصلاحيات الكافية للمفاوضات مع السلطات، أو حتى كناطقين رسميين هذا لأن الكثير من المشاركين لم يعترفوا بتعيين هؤلاء الممثلين أولًا بسبب نقص الشفافية في التعيين، ثم بسبب انخراط البعض منهم في أحزاب سياسية وبالتالي محاولتهم الركوب على الحركة. وأخيرًا بسبب الرفض المطلق من قِبل المحتجّين لأن يفتك زعيم ما بكفاحهم، وبالتالي فإن الكثير من المندوبين قد استقالوا، أو رفضوا المفاوضات مع الحكومة بسبب ضغط المحتجّين، أو خوفًا من ردود أفعالهم. وحين دعا بعض المندوبين إلى عدم التظاهر تمّ تجاهل طلبهم من قِبل المتظاهرين ما يدلّ على فشلهم في التأثير على الحشود.

في سياق تطوّر هذه الحركة، تضاعفت المطالب من أجل العدالة الاجتماعية ومشاركة الشعب في المؤسسات الديمقراطية وإصلاح الدولة، كما برزت مطالب تدعو للإطاحة بالحكومة. في الحين نفسه أصبحت الحواجز ومفترقات الطُرق المحتلة في جميع أنحاء البلد ساحة عامة للتعبير وللنقاش بين المشاركين حول وضعهم الاقتصادي والتهميش الذي يعيشه البعض. كما نَما في صفوفهم الوعي بقدرتهم الجماعية على حلّ مشاكل الاقتصاد التي يواجهونها بصفة فرديّة عادةً.

إضافة إلى ذلك فإن شبكات التواصل الاجتماعي قد لعبت دورًا كبيرًا على مستوى التنظيم والتنظّم. ولكن يبقى ميدان الحواجز ومفترقات الطُرق الفضاء الأساسي فيما يخص أغلبية اتخاذ القرارات. ولم تُسجّل الشعارات التي كُتبت على اللافتات حضورًا كبيرًا إنّما تمت كتابتها على السترات الصفراء نفسها بالحبر الدائم ما جعل منها وسيلة تعبير فردية. مثّلت اللقاءات والنقاشات المباشرة أول تجربة في اتخاذ القرارات الجماعية لدى أشخاص لم يعتادوا عليها خاصة بسبب العزلة والانقسام في المجتمع. ويبرز هنا الاختلاف الواضح بين هذا الشكل من الفضاءات الذي سَمَحَ بالنقاش بين المحتجين، وبين شكل المظاهرات التقليدية، كالمسيرات مثلًا، التي لا تمكّن عادة من حدوث هذا النوع من التبادل.

وبسبب قوة يقينهم في شرعية مطالبهم، لا يتردّد المحتجّون في استخدام جميع الوسائل اللازمة لتحقيق أهدافهم، ومنها الوسائل غير الشرعية إن اقتضى الأمر ذلك، دون أن يكون هناك وعي بالقانون الذي يخترقونه. وبعبارة أخرى، فإنهم يستنكرون في خطاباتهم استخدام العنف، ولكنهم -في الوقت نفسه- يصرّون على أنه لا بديل لهم للاحتجاج بسبب فشل الطُرق الشرعيّة، واعتبار أن الحكومة ووسائل الإعلام لا تُبدي أهمية تجاه الاحتجاجات الملتزمة بالقانون. إضافة إلى ذلك، فإن المواجهات العنيفة التي حدثت في العاصمة، وخصوصًا في شارع الشانزليزيه قد حظت باهتمام واسع من طرف وسائل الإعلام العالمية، عِلمًا بأنها كانت نتيجة للمنع من التظاهر في شارع الشانزليزيه وقرب قصر الإليزيه الرئاسي. وردًا على ذلك، وعلى العنف الشديد الذى مارسته قوات الأمن لتفريق المتظاهرين، يوم السبت؛ الأول من شهر ديسمبر، لم يتردّد عدد منهم في استعمال وسائل وقاية دون الاكتراث بالقانون الذي يعتبر هذه الوسائل كأسلحة. وبالفعل، فقد ارتدى عدد من المتظاهرين أقنعة واقية لتحمل الغاز المسيل للدموع وخوذات تحميهم من ضربات وإطلاق المقذوفات المتنوعة من طرف الشرطة. فتصاعدت الاشتباكات يومها وبسبب استحالة الوصول للقصر الرئاسي، تفرّق المتظاهرون وشهدت الأحياء البرجوازية المجاورة عددًا من أعمال التخريب.

جدير بالملاحظة أن قبل هذه الحادثة كان رأي معظم «السترات الصفراء» تجاه رجال الأمن إيجابيًا، ويواصل الكثير منهم لوم الحكومة باعتبارها المسؤول الوحيد الذي أمر بالقمع. والدليل على ذلك مطلبهم بزيادة تمويل الشرطة وهتافهم في عديد من المناسبات «الشرطة معنا». من الواجب التذكير أنه مقارنة بذلك كانت التحرّكات الاجتماعية السابقة على «السترات الصفراء» تردّد شعار «كلنا نكره الشرطة». ولذلك فإن سبب هذا التباين يرجع الى الصفة اللاّ سياسية والغياب الأيديولوجي وعدم تعرّض «السترات الصفراء» للقمع سابقًا.

ما الذي تريده السترات الصفراء؟

ليس من السهل الإجابة على هذا السؤال. ومن الممكن لأنّ حتى قائمة المطالب لا تكفي لتفسير أسباب هذه الحركة. خاصّة وأنّه قد برزت العديد من القوائم التي تنصّ الواحدة تلو الأخرى على مطالب متعدّدة ومختلفة. تضمّ هذه المطالب -بصفة عامّة- إلغاء الضريبة الجديدة على الوقود التي أشعلت الغضب العام، كذلك تدعيم القدرة الشرائيّة (الزيادة في الأجر الأدنى، تخفيض أسعار الكهرباء والغاز، الزيادة في أجر التقاعد) وتحسين الخدمات العامّة التّي اندثرت، خاصة في المناطق الريفية، بسبب سياسات التقشّف كالبُنية التّحتيّة في مجال الصّحة ووسائل النقل وحتّى المطالبة بزيادة تمويل قوّات الأمن والقضاء.

على عكس الصورة النمطيّة التي نشرتها الحكومة ووسائل الإعلام عن تناقض المطالب التي شملت في آن واحد تخفيض الضرائب ومزيد من الإعانات من قِبل الدولة، تضمّ المطالب نوع من العدالة الضريبية. منها إعادة الضريبة على الثروة التي ألغتها الحكومة سنة 2017، والتي كانت تحقّق للدولة ما يتراوح بين 3.2 و4 مليار يورو وإلغاء قانون الإعفاء المرتبط بالشركات الكبرى. وكذلك نصّت المطالب على ضرورة تطبيق إجراءات عاجلة من أجل حماية البيئة، لكن احتجاجًا على استغلال هذه الحجة من طرف الحكومة لتطبيق الضريبة على الوقود. بينما تستفيد الكثير من الشركات، ومنها شركات الطيران وشركات نقل البضائع وغيرها، بإعفاء الضرائب على الوقود بطريقة جزئية أو كلّية.

يخص عدد كبير من هذه المطالب المجال السياسي للتحديد من الامتيازات المالية التي يحظى بها النواب ولإعلان «الجمهورية السادسة»، ولكن دون تقديم أيّة تفاصيل عن هذه الجمهورية. كما أصدرت مطالب تهدف إلى إصلاح مؤسسات الدولة وتدعو لاتّخاذ إجراءات تمكّن الشعب من المشاركة فيها عن طريق استفتاء المبادرة الشعبية الذي يمكّن عددًا معيّنًا من المواطنين من إقامة استفتاء في حالة طلبه. قد تبدو هذه الفكرة في ظاهرها وسيلة كفيلة بالمساندة الديمقراطية. ولكن -في آخر المطاف- يبقى الاستفتاء مجرّد استطلاعًا للرأي ولا يساوي قرارًا بذاته، وتبقى سلطة اتخاذ القرارات بين أيادي أعضاء الحكومة والبرلمان. والأمثلة الدالّة على عدم تطبيق نتائج الاستفتاء متعدّدة حين يختلف رأي الشعب مع مشروع الحكومة كما حدث في فرنسا واليونان حيث لم يتمّ تطبيق نتائج التصويت ضد اتفاقيات الاتحاد الأوروبي: رغم رفض المنتخبون مشروع دستور الاتحاد الأوروبي عام 2005 تمّ تصديق إجراءاته الرئيسية في 2007. كما أُجبرت الحكومة اليسارية في إطار أزمة الدين الحكومي اليوناني على تطبيق سياسة التقشف وفقًا لبرنامج التكييف الهيكلي الأوروبي وخلافًا لنتائج الاستفتاء الذي يعارضه. وفيما يخصّ الدعوة إلى نظام جديد، أو إلى إعلان «الجمهورية السادسة» فهي ترمز إلى الرغبة في تغيير الوضع الحالي، ولكن بدون مشروع بديل للمؤسسات أو الأوضاع الاقتصادية التي تشكل الأزمة الحالية.

تشمل المطالب أيضًا تحسين ظروف استقبال اللاجئين ومنحهم الحق في العمل على الفور من جهة، ومن جهة أخرى فهي تدعو إلى طرد المهاجرين الذين تمّ رفض طلب لجوئهم، وفرض إدماج الأجانب في المجتمع، وتأسيس مخيّمات للمهاجرين في جميع أنحاء العالم إلى أن يُمنحوا ترخيص لّجوء. رغم أنّ هذه المطالب لا تخالف سياسة الحكومة الحالية، فإن إدماجها يدلّ على التأثّر بأفكار اليمين التي تمثّل فكرًا شائعًا في المجتمع. ولكن من الصعب تأكيد تأثيرها الحقيقي في الحركة، خصوصًا في إطار الصورة المشوّهة التي تنشرها شبكات التواصل الاجتماعي والتي تحرّف حقيقة الأحداث. على سبيل المثال فقد انتشرت دعوة، في إطار الحركة، من أجل منع مصادقة فرنسا على اتّفاقية «مراكش للهجرة»، وهي مبادرة من الأمم المتحدة بهدف التعامل مع المهاجرين بشكل أفضل. لكن الاتفاقية غير مُلزِمة للدول، ورغم الضجة الكبيرة التي أثارها هذا النداء فإنه في آخر الأمر لم يجد الكثير من الآذان الصاغية، ولم تُبد «السترات الصفراء» اهتمامًا كبيرًا فيما يخصّ هذه المسألة.

ورغم الجانب الإبداعي، يظهر أن البعد اللّا سياسي هو الذي ساهم في انتشار هذه الحركة، والتي أفضت إلى واحدة من أكبر الأزمات السياسية في تاريخ فرنسا المعاصر. وقد أسفر ذلك عن تناقض فيما يخص الخيال والأفق السياسيّين. وبالفعل، فإنّ أغلبية المطالب تتبنّى المنظور السياسي الهيمني من خلال رؤية تقليدية، وحتى مبتذلة على مستوى الاقتصاد والعلاقة بين الحكومة والشعب.

بعبارة أخرى، فقد أدّت أشكال الارتياب وعدم الثّقة بالمؤسسات السياسيّة وبالسياسيين إلى حركة مستقلة عنهم، ويظهر ذلك في التنظيم الذاتي والذي كان أساسيًّا في عمليّات بناء وتنظيم واستمرار هذا الحراك. إلا أن المطالب -في آخر المطاف- تعود إلى دعوات لإصلاح هذه المؤسّسات نفسها من الداخل وللتعديل النسبي فيما يخصّ توزيع ميزانية الدولة دون الإيحاء أو التّشكيك في أسباب التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية. يوجد غياب واضح للإشارة إلى المؤسسات المالية والشركات، خاصة الشركات الرأسمالية، في قائمات المطالب وأن ذِكرها لا يتمّ إلا على هامش الخطاب. فهناك تجاهل فادح لمسؤوليّتها في الاقتصاد العالمي وكأنه لا تأثير لها فيما يخصّ الوضع الاقتصادي وسياسات التقشف التي تُطبّق في الكثير من الدول في العالم. وعلى سبيل المثال، فقد قام المحتجّون بنقد الأجور الجسيمة التي تُمنح لأصحاب الشركات الكبرى دون استنكار طريقة العمل الاستغلالية التي يشهدها الاقتصاد الرأسمالي.

لا فائدة من إنكار الأحداث المؤسفة التي وقعت في إطار حركة «السترات الصفراء» ضد زوج وزوجه، ومرأة محجبة، أو ضد مهاجرين وغيرها من الأحداث التمييزيّة التي لا تُحصى. ولكنّ ذلك لا يمثّل لُبّ الحركة خاصّة لأنها فرصة للنقاش ولتحديها بالحجج، أو بالفعل كما حدث في عدّة مناسبات بطرد متطرّفين يمينيين عنصريين والتعبير الواضح عن رفض جميع أشكال التمييز. يساهم الطابع المفتوح لهذه الحركة في تبادل المواقف والأفكار حول مسائل متنوعة، كما يمثل بصفة عامة بيئة مواتية للمبادرات السياسية الجديدة.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّه قد انضمّ إلى جانب «السترات الصفراء» العديد من طلاب المعاهد ومجموعات تطالب بالعدالة الاجتماعية في الأحياء الشعبية، وللاعتراض على العنف الذي تمارسه القوات الأمنيّة وخاصة مقتل عدد من السُكّان ذوي الأصول الأجنبية والذين تقدّموا بمطالب خاصّة بهم والتي ساهمت في زيادة صمود المحتجّين. لاشك أن عواقب الحركة تعتمد على هذا النوع من التطوّرات ضمن «السترات الصفراء» أو في علاقتهم مع محتجّين آخرين.

السترات الصفراء ومفهوم «الاقتصاد الأخلاقي الشعبي»

كيف يمكننا فهم هذه المطالب التي تقرن فكر العدالة الإجتماعية والمنطق المحافظ من ناحية، وتمزج الديمقراطية الراديكالية مع المطالبة بحلول تقليدية ضعيفة تصل لحد الرجعية من ناحية أخرى؟ ألا يمثّل غياب الأيديولوجية انسياقًا في تيّار الأيديولوجيّة السائدة بأسرها؟

اعتمد بعض المحللين (1) في تفسيرهم للمبادئ والرؤية الظاهرة في الحركة على مفهوم الاقتصاد الأخلاقي الشعبي (Moral Economy) والذي وضعه المؤرخ إدوارد بالمر تومبسون (Edward Palmer Thompson) وهو مَن  درس الصراعات الشعبيّة بين القرن الثامن عشر والتاسع عشر.. أي في أوائل العصر الحديث، وذلك قبل انشاء الحركات النقابية والأحزاب السياسية. في هذا السياق كان جوهر الصراع يحوم في معظم الأوقات حول مسألة تحديد السعر المناسب للمنتجات.

وقد رأى أن الاقتصاد الأخلاقي الشعبي لا يخالف الاقتصاد السياسي كنظام هيمني إلا في حالة تهديده لتواصل نمط عيش مجموعة شعبية بسبب ارتفاع الأسعار أو تجاوزات معينة. في هذه الحالة المحافظة على نمط عيش هذه المجموعات تعارض منطق وعقلانيّة الاقتصاد التي تبرر ارتفاع الأسعار. بعبارة أخرى فإن هدف الصراع لم يكن إطاحة السلطات والطبقات السائدة، بل كان دوره الأساسي التأكد من عدم تجاوز حدود معينة لضمان العيش في الظروف نفسها.

هناك تماثل بين الزيادة في أسعار الوقود وهذه المسألة. فهي لا تجسد انخفاض القدرة الشرائية لدى الطبقات الشعبية والوسطى فحسب، بل تشكّل عائقًا ملموسًا أمام مواصلة نمط عيشها. ولا يمكن تجاهل أن السيارة لا غنى عنها للفئة الشعبية التي تعيش بعيدًا عن وسائل النقل العمومية، في الضواحي والريف حيث تكون تكاليف المعيشة عادة أقل ارتفاعًا. ولا بديل لسُكّان هذه المناطق للذهاب لعملهم سوى عبر استخدام سياراتهم الخاصّة، ولا سيما بعد إغلاق العديد من محطات القطار في المناطق الريفية.

وهذا يتناسب اليوم مع ما تعتبره «السترات الصفراء» تدهورًا لوضعهم الاجتماعي والاقتصادي وإحساسهم بنوع من الانحطاط والتحقير من طرف الحكومة والطبقة الثريّة. ولا شكّ أنّ التصرف المُحتقِر من الرئيس إيمانويل ماكرون في عدد من المناسبات، وفي خطابه حيث عارض النخبة و«الناس الذين لا يساوون شيئًا»، بحسب أقواله، قد حرّض الغضب و أدى إلى المطالبة برحيله. فيبقى أصل الاحتجاج هو الحفاظ على وضعهم ومطالبتهم بالكرامة في الوقت نفسه.

ويعتمد مفهوم الاقتصاد الأخلاقي الشعبي على تواجد مجموعة معينة تشترك في الالتزامات والاعتقادات. ولكن هذا النّوع من المجموعات قد تلاشى تدريجيًّا إلى حدّ الزوال بين القرن الثامن عشر والفترة المعاصرة في أوروبا وأخذت الدولة مقامها. وفي خضم البحث عن هذه الالتزامات والاعتقادات المشتركة، يمكن أن يقود ذلك إلى الوقوع في شراك الدولة. ما يؤدّي الى تجييش الرأي العام برؤية شوفينية وتوجيه أصابع الاتهام نحو الخارج، سواءً كان الاتحاد الأوروبي أو الأجانب.

يمكن أن يساهم مفهوم الاقتصاد الأخلاقي في استيعاب خلفية الحركة وتناقضها، ولكنه لا يكفي وحده لتوقّع التطوّرات اللاحقة. إذ أن وعي المحتجّين قابل للتطوّر كما يحدث، بطبيعة الحال، في مسار أي حركة. ولا سيما أن هذا الأمر يزداد احتدادًا في إطار التجربة الكفاحية الأولى لدى معظم الأشخاص. ويتبلور ذلك من خلال التدرّج الذي شهدته الحركة منذ ظهورها حيث تحاشى المتظاهرون منح صبغة سياسية لجدالاتهم إلى الوقت الحالي حيث أصبحت النقاشات المرتبطة بالسلطة والاقتصاد شيئًا دارجًا وطبيعيًا.

قام الباحث الجامعي في علم الاجتماع ميكاليس ليانوس (Michalis Lianos) ببحث حول «السترات الصفراء» من خلال عدة مقابلات معهم، ويصف ليانوس تناقض طبيعة الحركة المترابطة والمشتتة في آن واحد:

«خلال النقاش وانطلاقًا من وضعهم وتجربتهم المشتركة، أصبحت [السترات الصفراء] تعتقد أنّه لا حاجة لهم لتجاوز الاختلافات بينهم، بل إنّهم يستطيعون الاحتفاظ بها والمواصلة معًا بطريقة متوازية. بعبارة أخرى، فإنهم واعون بمشكلة السلطة التي تفرض سردًا متناسقًا للواقع. وهم لا يخشون عدم التناسق بقدر ما يخشون الظلم واللغة الخشبية (2)».

حركة على مفترق الطُرق

أجّلت الحكومة الضريبة التي كانت من الأسباب الأولى في اندلاع الحركة، وفي بيانه منح الرئيس بعض الإجراءات لمساندة القدرة الشرائية فيما يخص المتقاعدين والعمال الذين يتقاضون الأجر الأدنى. وما تخفيه التفاصيل هو أنّ هذه الإجراءات لن تطبق أخيرًا إلّا على نسبة قليلة منهم.

بينما بادر ماكرون في خطابه المتعلّق بالأزمة الحاليّة باستخدام رفض الضرائب كحجّة لمساندة برنامجه الليبرالي ولتبرير مشروعه في زيادة سن التقاعد وإصلاح نظام البطالة. وأعلن أيضًا عن إجراء نقاش حول الهجرة وحول الهويّة الفرنسيّة العميقة ما يحاكي مبادرة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي بوزارة الهويّة الوطنيّة والذي أدّى إلى تردّي وضع المهاجرين وانتشار التمييز العنصري ومحاولة تسييس التاريخ بمنحه صبغة يمينيّة واستعمارية.

وهكذا يبدو أن الدولة ليست ملجأ ضد العنصريّة لأنها لا تتردّد في استعمال الأجانب ككبش فداء في خطاباتها لتشتيت الشعب وتجييشه. من أسبوع إلى آخر حاول الحزب الحاكم ووسائل الإعلام التي تساند سياسته توجيه أصابع الاتهام نحو مسؤول عن الحركة ليكون كبش فداء لهم. وتعدّدت السيناريوهات فكانت أولها التخطيط الخفي من قِبل الفاشيّة، ثم من قِبل اليسار الراديكالي، وأصبحت فيما بعد مؤامرة خططها المستشار السابق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبعدها من روسيا. اليوم بعد فشل إقناع الرأي العام بالمؤامرة تحوّل الاتهام من مؤامرة أعداء خارجية إلى فكرة الخطر المزعوم الذي يهدّد المجتمع من الداخل.

ويبقى مصير التطورات المقبلة للتحركات أمرًا لا يمكن توقعه. قد يكون مصيرها الإضعاف التدريجي، أو قد تصل الحركة إلى إنشاء حكومة شعبوية مع الرئيس ماكرون أو غيره كما تعيشها بلدان كإيطاليا والبرازيل وأمريكا حيث يستغل القادة كراهية الجماهير ضد الأقلّيات لإبعادهم عن أسباب التفاوتات الحقيقيّة ولتتحاشى أي تغيير جذري فيها.

ومن الممكن أنها ستنقسم أخيرًا في اتجاهات مختلفة، بسبب المسائل السياسية أو مسائل هيكلة الحركة، مثلًا بين مؤيدي بناء تنظيم أكثر تماسكًا لديه مطالب محددة ومندوبين، قد يتّخذ شكل مجموعة ضغط أو تنظيم سياسي تقليدي، وبين مؤيدي إقامة تنظيم على مستوى محلي لتجذير الحركة، ولترسخ قدرتها على تنظيم الواقع اليومي من خلال نداء تنظيم اجتماعات شعبية. ولا سيما أن هذه الافتراضات المبسّطة لا تكفي لوصف التطورات المقبلة بشكل دقيق، لكنها تشير إلى وضع الحركة الحالي الذي ما زال، حرفيًا، على مفترق الطُرق.

1 – مثل ما كتبه أستاذ العلوم السياسية الفرنسي صامويل حياة [باللغة الإنجليزية]

2 – مقابلة مع ميكاليس ليانوس [باللغة الفرنسية]

اعلان