السلطة الفلسطينية تنسحب من إدارة معبر رفح.. فتح تُصعد وحماس ترتبك
 
 
محمود عباس وإسماعيل هنية
 

وضع قرار السلطة الفلسطينية بسحب جميع موظفيها العاملين في معبر رفح البري، حركة حماس، التي تسيطر على قطاع غزة، في حالة ارتباك.

مباشرةً بعد تنفيذ القرار، الأحد الماضي، أرسلت حركة حماس ضباطًا وجنودًا تابعين لقوى الأمن الداخلي، للسيطرة على معبر رفح، الذي أدار شؤونه موظفو السلطة الفلسطينية لأشهر، وعمل طوال تلك الفترة دون أي مشاكل. وبحسب مصدر في حركة حماس، تحدث لـ«مدى مصر»، هرع ضباط وجنود الأمن الداخلي بغزة إلى المعبر، للتأكد من سلامة أنظمته، ومنع محاولات السرقة أو التخريب التي قد تحدث بعد انسحاب موظفي السلطة منه.

جاء قرار السلطة الفلسطينية بسحب كافة موظفيها وعناصرها من معبر رفح ليضيف حلقة جديدة إلى سلسلة تحركات السلطة، برئاسة محمود عباس، ضد حماس التي تسيطر على غزة منذ أكثر من عشر سنوات بعد فوز كاسح نالته في انتخابات تشريعية وحيدة جرت في 2006. ضمن هذه القرارات، التي تبلور تراجع فرص المصالحة بين حركتي فتح وحماس، الأمر الذي شغل الجانب المصري لشهور، هناك قرار المحكمة الدستورية في رام الله بحل المجلس التشريعي الفلسطيني، الذي تحظى فيه حماس بالأغلبية، وما تلى هذا القرار من اعتقالات سياسية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلاً عن ما أعلنه رئيس السلطة، محمود عباس، في لقاء مع صحفيين مصريين بالقاهرة في 5 يناير الجاري، أن إصرار حماس على مناوءة السلطة الفلسطينية قد يدفعه لوقف التحويلات المالية الشهرية إلى القطاع.

وأضاف المصدر من حماس أن الحركة خاطبت كلًا من السلطة الفلسطينية ومصر بعد قرار السلطة بالانسحاب من معبر رفح مباشرة، مطالبةً السلطة بالتراجع عن قرارها بسحب موظفيها، والعودة للعمل في المعبر، معللة مطلبها بأن «معبر رفح هو شأن فلسطيني بالمطلق، وليس شأنًا حمساويًا فقط».

وبحسب المصدر، فإن ذلك لم يغير من قرار السلطة الفلسطينية، التي ردت على مطالبات حماس بقولها: «سيعود الموظفون عندما تسلمون غزة لنا، حتى ذلك الحين، قوموا بحل مشاكلكم وحدكم».

ليس آخر قرار

وأوضح المصدر، أن حماس تشعر بأن قرار سحب الموظفين من المعبر ليس قرار السلطة الأخير ضد حركة حماس الشهر الحالي، وتجهز لإجراءات مضادة للقرارات المحتملة.

وكشف مصدر مقرب للرئاسة الفلسطينية لـ«مدى مصر» أن الرئيس محمود عباس سيعقد عددًا من الاجتماعات فور عودته من زيارته الخارجية لتحديد مواقف وإجراءات أكثر دقة مع حركة حماس، إضافة إلى بحث تشديد العقوبات على غزة. وأوضح أن قرار السلطة بسحب موظفيها من معبر رفح يأتي في إطار تلك الإجراءات، لافتًا إلى أن هذا الأمر سينسحب على المعابر التجارية لقطاع غزة أيضًا.

وبحسب المصدر، فإن عباس ينوي تقويض سلطة حماس في قطاع غزة عن طريق سلسلة من الخطوات والإجراءات، من ضمنها وقف التحويلات المالية إلى القطاع.

وكان عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، حسين الشيخ، قال في تصريحات تليفزيونية، إن حركته لن تحتمل سلوك حماس بعد الآن، وأن إجراءات سياسية ومالية وإدارية ستتخذ من أجل محاصرتها في قطاع غزة.

كما أكد الشيخ أن حكومة الوفاق الوطني، التي شُكلت بإجماع فصائلي بهدف إنهاء الانقسام وتمهيد الطريق أمام المصالحة الوطنية، لم يعد هناك مبررًا لبقائها بعد تعدي حركة حماس على صلاحيات هذه الحكومة ومنعها من القيام بمسؤولياتها في قطاع غزة.

بدوره، قال المتحدث باسم فتح، عاطف أبو سيف، لـ«مدى مصر»، إن الحركة لم تغلق باب الحوار، لكنه أكد أن حماس تتعمد الوصول في هذا الملف إلى طريق مسدود عن طريق تنكرها لكل الاتفاقات وآخرها اتفاق 2017.

وأضاف أبو سيف أن حماس تتعمد تعزيز الانقسام عن طريق الممارسات التي تقوم بها واعتقالاها لبعض كوادر فتح بغزة والاعتداء على البعض الآخر لمنعهم من الاحتفال بذكرى انطلاقة الحركة.

وكان عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واللجنة المركزية لحركة فتح، عزام الأحمد، قد ذكر في تصريحات تليفزيونية أنه لا تفكير في الانتقام من غزة، مشددًا على ضرورة إعادة الشرعية إلى القطاع.

وأضاف: «من يمنع احتفال انطلاقة الثورة الفلسطينية، التي اعتاد الشعب الفلسطيني في كل مناطقه التي يتواجد فيها وبكل فصائله دون استثناء، أن يحتفل بها؟ ومن يمنع التجمع الوطني لأسر الشهداء من أن تحتفل بيوم الشهيد؟ أشك أن له علاقة بالوطنية الفلسطينية».

وكان من المقرر أن تنطلق في الأيام الأولى من 2019 احتفالات ذكرى تأسيس فتح، التي انطلقت في الأول من يناير 1965 إلا أن هذه الاحتفالات أُرجئت في قطاع غزة.

غير أن مصدرًا آخر في حركة حماس تحدث لـ«مدى مصر» من غزة، قلل من أهمية تهديدات السلطة، قائلًا: «عباس دأب على معاقبة قطاع غزة لاختيارها حماس وهذا ليس بالجديد، وعلى كل حال فإن ممثلي فتح في غزة غير متماهين مع مواقف عباس واتخذ بعضهم قرارًا بتعليق احتفالات كانت مقررة بإطلاق حركة فتح ريثما تهدأ الأمور على الأرض».

وأضاف المصدر أن فتح ليست جادة، وأن كل ما ترغب في الوصول إليه هو السيطرة الأمنية على القطاع لتقوية موقف عباس الضعيف داخل الحركة ذاتها، خاصة في ضوء المناوءة الشديدة التي يطرحها محمد دحلان، الموجود خارج الأراضي الفلسطينية بصورة تكاد تكون كاملة من سنوات، والذي كان قد تردد اسمه لخلافة عباس قبل أن تتراجع هذه التكهنات.

تواصل مصري

تواصل أكثر من فصيل مع الجانب المصري طالبين الوساطة من أجل حل الأزمة. وقال القيادي في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، سمير أبو مدللة، لـ «مدى مصر» إن اتصالات تُجرى مع مسؤولين في المخابرات المصرية حول العمل على تقريب وجهات النظر بين حركتي فتح وحماس مرة أخرى، وإنهاء هذه الموجة الجديدة من الانقسام الفلسطيني.

وأوضح أن الفصائل طلبت من مصر العمل على حل أزمة إغلاق معبر رفح، ودعوة عباس إلى التراجع عن خطواته التي قام بها، وتحديدًا الخطوات التي تمس المواطنين لا حركة حماس. وأشار إلى أن رد مصر كان إيجابيًا في هذا الشأن، مشيرًا إلى أنهم يعملون على رأب الصدع بين فتح وحماس، وتجاوز الأزمة الحالية، وترتيب قضية معبر رفح خلال الفترة القريبة القادمة بما يسمح بتواصل عمله كالمعتاد.

فيما أوضح مصدر من حماس أن الحركة تواصلت مع مصر لمحاولة الإبقاء على عمل المعبر مستمرًا، وألا يتم إغلاقه البتة.

وقال المصدر لـ«مدى مصر» إن «حماس أرسلت مقترحين حول عمل المعبر لمصر، الأول تضمن سيطرة قوى الأمن الداخلي على المعبر، وتشغيله بالتنسيق مع مصر، لكن هذا المقترح قد تم رفضه، وتضمن المقترح الثاني إنشاء لجنة تقوم على تشغيل معبر رفح والإشراف عليه، تضم أعضاءً من حركة فتح، وحركة حماس، والجبهتين الشعبية والديموقراطية، وتعمل بشكل مباشر تحت إشراف لجنة مصرية يشكلها جهاز المخابرات المصرية خصيصًا للإشراف على المعبر».

فيما أكد المصدر أن حركة حماس لم تستلم رد مصر على المقترح الثاني، لكن الحركة تشعر أن هذا المقترح سيتم رفضه أيضًا، إذ أخبرت مصر الحركة في اليوم الأول لسحب الموظفين، أن المعبر يجب أن يظل تحت إدارة السلطة الفلسطينية حتى يعمل بشكل كامل.

يذكر أن معبر رفح عمل يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين لإدخال المواطنين من مصر إلى غزة، وإدخال العالقين، والبضائع فقط، بحسب ما أعلنته وزارة داخلية حماس.

وأضاف المصدر: «حماس تشعر الآن بالارتباك المختلط ببعض التفاؤل الذي يأتي من شعور الحركة بأن مصر ستعمل معهم خلال الأسبوع الحالي أو الأسبوع المقبل، على إيجاد حل لعمل معبر رفح».

وقال المصدر أيضًا: «تشعر حماس بأن المعضلة الوحيدة التي قد تواجهها هي قرار مباشر من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بتشغيل المعبر تحت إدارة السلطة الفلسطينية فقط، وهو القرار الذي قد يكون قد اتخذه خلال اجتماعه مع رئيس السلطة محمود عباس في القاهرة الأسبوع المنصرم».

وكان عباس قد زار القاهرة الجمعة الماضي، ومكث بها ثلاثة أيام، حيث التقى بالسيسي وسط أجواء احتفائية بددت الكثير من التوتر الذي ساد العلاقات بين الجانبين على خلفية التباين الكبير في التعاطي مع الأطروحات الأمريكية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتي يعتبرها الرئيس الفلسطيني غير مقبولة بالكلية لافتئاتها الكامل على الحق الفلسطيني، بينما يرى الرئيس المصري أن الواقعية تقتضي اقتناص المتاح حتى لو كان قليلًا.

ولكن، بحسب مصادر مصرية، فالتباين في الرأي تم رفعه من مسار العلاقة بين مصر والسلطة الفلسطينية مؤخرًا على خلفية تراجع واشنطن عن طرح أفكارها، بناء على خلافات داخلية حولها ومطلب إسرائيلي برفع الأمر من على الأجندة السياسية للنصف الأول من العام الجاري في ضوء إقدام رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على انتخابات مبكرة لم يرد أن تكون القضية الفلسطينية أحد عناوينها.

قال مصدر مصري حكومي أن الحديث مع عباس الآن معني بالأساس بملف المصالحة لأن هذا هو الأمر الملح في ضوء التوتر الشديد للعلاقات بين الجانبين.

تفاقم التوتر بين فتح وحماس خلال الأسابيع الخمسة الماضية، خالفت توقعات قياديين بالحركتين تحدثوا سابقًا إلى «مدى مصر» حول تقدم في جهود المصالحة الوطنية الفلسطينية التي أخذت وقتًا كبيرًا من الوسيط المصري – سواء من الخارجية المصرية أو من جهاز المخابرات العامة المعني الأول بهذا الملف – عبر عام 2018، حيث كانت القاهرة ترغب في ضمان التوصل إلى حد أدنى من التفاهمات المستدامة بين الحركتين يمهد الطريق نحو اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وقطاع غزة.

ورغم أن القاهرة ما زالت ضامنة لتفاهم ضمني بين حماس وإسرائيل حول تفادي تفجير الوضع في غزة، إلا أنها أرادت اتفاقًا موقعًا من الجانبين يؤكد نجاحها في هذه الوساطة.

وبحسب مصدر بفتح، أبلغت الحركة القاهرة أن حماس تناور من أجل الوقت، وأنها ليست جادة، وأنها أبدت استعدادًا للتفاهم نحو المصالحة حتى تقوم مصر بتلبية جملة من مطالبها شملت تحويل أموال قطرية دعمًا لغزة ساهمت في دفع جزء من متأخرات رواتب الموظفين الحكوميين في غزة وتحسين الأوضاع المعيشية التي تصفها منظمات الأمم المتحدة المعنية بأنها بالغة الصعوبة، إلى جانب ضمان تشغيل أكثر يسرًا لمعبر رفح الحدودي، وتفادي أي هجمات إسرائيلية محتملة.

وخلال زيارته الطويلة للقاهرة، أكد عباس للسيسي، بحسب مصدر فتح، على أن حماس ليست جادة، وأنها تناور لتوريط السلطة في أزمات أمنية، وأنه سيكون على القاهرة ممارسة ضغط على حماس لتثبت جديتها في التحرك نحو مصالحة حقيقية.

غير أن مصدر من حماس قال إن الحركة ستنقل بدورها وجهة نظرها المفصلة لما يجري من قبل السلطة الفلسطينية لمصر، وإنها ستقدم للقاهرة ما يؤكد بالوثائق أن «عباس يسعى لتعقيد الوضع في غزة لإضعاف موقف حماس حتى لو كان ذلك على حساب الشعب الفلسطيني هناك».

كما قال مصدر آخر من حماس أن الحركة ستبلغ القاهرة خلال لقاء مرتقب بالعاصمة المصرية أنها لن تقبل بإجراء انتخابات تشريعية إلا في ضوء حزمة سياسية تكون مصر الضامن لها بحيث تجري تزامنا مع انتخابات رئاسية أو تكون الانتخابات الرئاسية تالية لها بوقت ليس طويل، وذلك في الوقت الذي يصمم فيه عباس على إجراء انتخابات تشريعية بعد إلغائه للمجلس الحالي. وأضاف المصدر: «المشكلة ليست في الانتخابات إذا ما جرت تحت إشراف دولي لضمان نزاهتها. المشكلة في أن عباس يريد انتخابات تشريعية ولا يريد انتخابات رئاسية لأنه يظن أنه سيستخدم اللعبة الانتخابية للخلاص من حماس».

وبحسب مسؤول حكومي مصري، يناور الجانبان من أجل الوقت، ولكن فتح تبدو أكثر ترددًا لأنها سيكون عليها القبول مرحليًا بترتيبات لم تكن تصل بها إلى ما تريد، حيث كان قلب المقترحات المصرية للمصالحة الفلسطينية يقوم على أساس اتخاذ الخطوات المتدرجة، بحيث تبدأ السلطة الفلسطينية في التعاطي الإداري مع متطلبات قطاع غزة أولًا على أن تتسلم المسؤوليات الأمنية من حماس لاحقًا، وهو ما لم تقبله السلطة الفلسطينية في نهاية الأمر، لأن ذلك كان يعني أن «السلطة سيكون عليها الإجابة على أسئلة حول أي مشاكل أمنية في القطاع، بينما هي ليست لديها سيطرة أمنية على الأرض إطلاقا في غزة».

وبحسب مسؤولين حكوميين بالقاهرة، فإن مصر ستتخذ موقفها النهائي حول تراتبية الخطوات التي ستطلب من حماس والسلطة الفلسطينية العمل على الالتزام بها في ضوء المشاورات الجارية بين القاهرة وكل من حماس وفتح.

في الوقت نفسه، أكد مصدران بفتح وحماس أن الجانبين منفتحان على دعوة روسية للعمل على تقريب وجهات النظر، مع تأكيد المصدرين من الناحيتين أن التعاطي مع المبادرة الروسية لاستضافة وفدين من الجانبين لن يكون تهميشًا للدور المصري، الذي وصفاه بأنه «لا بديل له»، وإنما سعيا للاستفادة من أي دعم دولي لتحسين الأوضاع على الأرض.

وبحسب مصدر بحماس فإن إسماعيل هني، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، سيتجه ضمن وفد رفيع يضم شخصيات قيادية من الحركة لا تقيم بالقطاع، إلى موسكو «على الأرجح في النصف الثاني من الشهر الجاري للاستماع لما لدى الروس، وأيضًا لطرح وجهة نظر الحركة إزاء ما يجري على الأرض».

من جانبه، قال مصدر في فتح إن السلطة الفلسطينية «التي أعلنت على لسان الرئيس عباس أنها لن تتعاطى مع الجانب الأمريكي، منفتحة على التعاطي مع أي جهود دولية ترغب في تحسين الأوضاع فلسطينيًا على أي من الأصعدة»، موضحًا أن لقاءات الرئيس عباس الدولية خلال مطلع العام الجاري ستشمل روسيا على الأرجح.

من جانبها، تبدو القاهرة حذرة من فكرة طرح روسيا كوسيط للمصالحة الفلسطينية، حيث تعتبر القاهرة هذا الملف مصريًا بامتياز، كما أنه، بحسب مصدرين مصريين، تقدر أن كثرة المبادرات حول المصالحة يقلل من فرص حصولها، عوضًا عن دعم إمكانية إنهاء الانقسام الفلسطيني.

وتتجه القاهرة، بحسب المصدرين، لتكثيف المشاورات بين فتح وحماس، بغرض إعادة صياغة ورقة مصالحة فلسطينية مستوحاة من أخرى كانت مصر قد طرحتها عام 2015، ولاقت اهتمامًا من الجانبين، ثم قامت مؤخرًا بإدخال بعض التعديلات عليها في مسعى لمزيد من تقريب وجهات النظر قبل أن تنهار جهود المصالحة في الأسبوع الثاني من ديسمبر الماضي، لتعود مصر لإطلاقها مرة أخرى في بداية العام الجديد.

اعلان
 
أحمد جمال شحادة 
أسمهان سليمان 
ثائر أبو عون