سابع مدى| محمود عزت: زمني وزمن غيري
 
 
لوحة مستوحاة من أجواء القصائد رسمها الفنان عمر مصطفى
 

عرفان بالجميل

إلى اللطف والتصنّع والكذب والفضول،

أشباه الفضائل والرذائل

أصدقاء عمري
دروعي وأرانبي الناعمة،
لولاكم..

لانتحرتُ في السادسة عشر.

تعارف

سرتُ بين الحملان

نقّر ناباي على العشب.

عويتُ بين الذئاب

واربتُ الحصار للفرائس.

وكلما قرّبت وجهي من النهر

أمطرتْ بكثافة

كتدارك خطأ

فات أوان تبريره.

واصلي مكالمتِك

لا، لا أعرفك

ولم نلتق قبلًا.

أنا فقط أنتبه متأخرًا

أنني لست غير مرئي

وأنا أحدّق في البشر.

 

برج مراقبة

نُسيَ الغرض من تشييده.

كاميرا هائمة

بذاكرة مفتوحة

أقدم مما يمكنني تذكره

وأدق مما يمكنني إدراكه.

هذا فسّر لي

بعد حيرة طويلة

ألفةً مفاجئة

وانقباضًا مبهما

في أماكن لا تعي ذاتها

وجوهٍ بلا نقاط ارتكاز

وأشياء ذات حنين مختزن

تنتبه في يدي.

لا أرغب في التحدث إليكِ

أقصد ليس بهذه الطريقة؛

عبر التحديق الثابت.

مع ذلك يعجبني شعرك

وقارات النمش

على خدِك

وفوق منبت عنقك

اضطراب زاوية فمك

في الابتسام المنفعل

واللثغة الطفيفة

التي جاهدتِ سنين لإخفائها

فتفلت وأنتِ تحكين في الهاتف

أن حبيبك قد هجرك للتو.

 

لستُ طامعًا في حديقته

التي دفع بابها للتوّ وخرج

كل ما في الأمر

أنني بصراحة

أريد أن أعيش زمني

وزمن غيري

هذا لا علاقة له بالطمع

ولا الرغبة

ولا الحرمان

هذا لا علاج له

لا علاج له أبدًا

مهما حاولت إخفاءه

أو تدربتُ

بالضبط مثل لثغتك.

متحف الخزف

التفت إليّ ماسحًا على لحيته:

احمل معولك، واتبعني. إلى متحف الخزف. أخبرهم أنه أنا، لا أنت، وحطّم كالثور، أريد أن نغادر هذا البهو المعبّأ بالفزع، سائرين فوق الخلود، ندوس فوق آلاف الشقف مدماة الحواف. آلاف الشقف من البهاء والجلال، ينظرون إلينا عبر ألف عين وعين، وحيدة ومفصولة، هذه التي كانت ربّا مقاتلًا وهذه التي كانت مَلَكًا فائق الدلال، تتهشم تحت قدمينا فنسمع أصواتها الأصلية، حطِّم، لمَن سنترك كل هذا الكمال الضارع للتحطيم؟

لكنني جفلتُ

على البوابة، سكنت رغبتي في التحطيم.

أعرف كم سيحبطك ذلك

وأنا الذي كنت أسير متطوحًا كمنجل، واثقا كالجرس.

لكنه ما حدث:

بعد الثلاثين، أُمضّي الوقت في بلّ الجذور الميتة تحت قشرة جلدي.

والتي لا أعلم ماذا ستنبت، كلبًا أم ابن آوى، سيفًا أم شادوفًا، قبواً أم عُلّية.

أدس كفي في التربة الرطبة، أفركُ التراب وأشمُ نيّة الأرض، أفتح بأظافري مساربًا للماء نحو الشعيرات المتيبسة والجافة. أنتحي جانبًا لتعبر الرياح، أتجمّد حتى يهدأ الزلزال، أتفقد عتامة أثداء السحاب، أسوّي بين عيدان اليأس والأمل. وأراقب قطيع خرافي، أحركه إلى اليمين وإلى اليسار، دون باعث، في حقل ذي موج خفيض.

هدأ حقدي على متحف الخزف، يا ابراهيم.

هدأ، وتسلق على جذعه

زهر الثوم والفول.

تصميم معيوب

لا أتحسس رأسي،

لأنه قد ينفجر من لمسة خاطئة.

تصميمٌ معيوب،

أخفيته بعناية لـ 33 عامًا

مررّته من كل فحصٍ دوري

من كل محادثة يومية

من كل ارتياب مفاجئ

قبل أن أكتشف:

لم يكمن ذلك في مهارتي؛

لم أكن مرئيًّا.

لم يكن هناك أحدٌ يشاهد.

نجوتُ بالصدفة.

بلا مجد.

دون معركة.

بعدها لم ينمُ الامتنان

ويعشوشب من فجوة رأسي.

لم أتأهب للفرار، مع كل تحديقة طالت عن المعتاد.

لم أنتشِ بعد كل حديث عابر

دون انفضاح.

لم أنمْ محتفلًا في السر

بالنجاة ليوم آخر من العالم.

زحفتُ كالجندي غابة كاملة

مأهولة بالحشائش.

فوقفتُ وشعرتُ بالإهانة.

في يسار رأسي

فجوة مفتوحة

منذ أن كنتُ في الرابعة.

خفتُ من نفسي

منذ أن كنتُ في الرابعة.

أدخلتُ إصبعي

ولمست التروس المهشّمة

لمست تعاريج الزمن على الصور

سمعتُ دقات مبهمة

على سطحٍ صلد

كشطتُ النسيان عن وجوه غائمة

واستيقظتُ ذاهلًا على دخان الأحلام

كان هذا مبكرًا جدًا.

وسرتُ في صالة البيت

في دوائر

لأنجو من رأسي.

لم أكن مرئيًا.

لكنني سددتُ الفجوة

فوق صدغي

بالورق.

وأنقذني الشِعر من الانتحار.

*

اعتبرتُ كل الذين ظهروا لي

في صالة البيت

وعلى سريري

وفي السقف

ملائكة

رغم جبهاتهم المتفحمة

وعيونهم المنفجرة

ملائكة

رغم كل ما تنبأوا لي به

ملائكة

رغم كل ما قالوه لي.

ملائكة

لأنه لم يكن لدي خيار آخر.

*

الآن يجلسون حولي

ابيضّ شعري..

وشعرهم.

لم يكن هناك أحدٌ يشاهد

وعرفت قيمة ما أسدوه لي.

حين أردتُ أن أسامح

ولا أعرف مَن.

أردت أن اعترف

ولا أعرف بم.

أردت أن أُرى

فخرجوا إليّ.

في يسار رأسي فجوة مفتوحة

منذ أن كنتُ في الرابعة

أخفيها بالابتسام الطويل

أو تقطيبة الاهتمام.

لا أتحسس رأسي،

ثمة ما قد يتحرك بالداخل،

من لمسة خاطئة

يفتح عينيه

ويذكرني بما نسيت.

كاريير شيفت

قبّلتُ معطفي الأبيض وداعًا،

لكنه تنقّل معي من دولاب إلى آخر.

ليس هناك ما يسمى بــ«الطبيب السابق».

رؤية الأرواح تفلت

من منحنيات الأحداق وتطير

رؤية الأعضاء المبتورة

تنتفض على الطاولات

رؤية أبناء مرضى الكبد

وأبناء مرضى الوهم

خلّف في روحي كهفًا

يطل على أمهات البثور والقرح الشاسعة.

فررتُ، لأنام.

لا يوقظني المريض الذي ظن الثرثرة المؤنسة

سترتق كبده المتهدم.

ولا المريضة التي تطوف بالعنابر

كمسيح نفدت بركته

ولا التي كنت أعايرُ لها الضغط، فرأيته في عينيها

ورائي.

يقفُ عاقدًا ذراعيه، في حِلم قديم.

كانت هذه هي مرتي الأولى.

وقف ورائي ينتظر أن ينتهي الطبيب الصغير من مساعيه المشكورة.

ثم مد يده فوق كتفي، وجذب روحها من الصدر ورفرف من النافذة..

ذئبٌ أسود بجناحين هائلين.

ستة أشهر

ولا غفوة وحيدة.

كانت لدي هيئة طبيب جيد

ولم يكن لديّ بلادة طبيب عظيم

فاخترتُ عملًا آخر أجيده:

التلصص.

بدلًا من مراقبة البشر أثناء نوبتي

يتآكلون ببطء

يمضغون أيامهم في وهن

ويحدقون في أسقف ملطخة بالدعاء

سأتلصص عليهم

ساهين وسعداء.

ناسين أقربائهم في المستشفيات

لا يعرفون مرضاي

ولا الذئبة الحمراء

ولا الدم، كيف يصل إلى أسقف العنابر.

لا يرون ذئبًا مجنحًا،

يقف وراءهم في كل الصور الجماعية، وصور أعياد الميلاد

أنا أراه، لا أزال

حارس غفوات الأطباء الجدد.

خطط أخرى

لا أريد لحبك أن يضيف إلى حياتي أي معنى.

لا أريد معاني، لا أرغب في المزيد، المعاني أسلحة، وأنا لا أحد، لأواجه أي أحد، المعاني هتاف، وصوتي حاد ومبحوح، المعاني نواقيس، وأنا أكره أذنيّ، المعاني وقوف، وأنا راغب فقط في التمدد طوال اليوم على الأريكة التي اشتريناها معًا لغرفة المعيشة رغم رأي أهلك وأهلي، أسمع ثرثرتك مع الصديقات في الهاتف، وخرير هرّك الذي يحترمني لسبب أحاول اكتشافه، وحفيف ثيابك في الردهة وصدى الأفراح والمآتم البعيدة في المنطقة. المعاني ضيوف، وأنا لدي خطط أخرى.

*«سابع مدى» باب للكتابة الإبداعية، ومساحة للتجريب الأدبي، ينشر كل نص مصحوبًا بلوحة يرسمها الفنان عمر مصطفى.

* مختارات من ديوان «زمني وزمن غيري».

اعلان