هل يبني النظام بيروقراطية موازية؟
 
 

كان إعلان الحكومة المصرية عزمها على إنشاء صندوق سيادي، رغم عدم امتلاكها لفوائض تستثمرها فيه، آخر حلقة في سلسلة إجراءات تحاول الدولة من خلالها تجاوز هياكل إدارية قائمة في سبيل تحقيق عدة أهداف اقتصادية وسياسية تعكس رؤية جديدة لأساليب الحكم في مصر، تحت ضغوط فرضتها التغيّرات السياسية في سنوات ما بعد ثورة 25 يناير.

تختلف الصناديق السيادية عن غيرها من الصناديق الاستثمارية بقيمتها الكبيرة، كما أنه لا يبحث بالضرورة عن تحقيق أكبر عائد مادي. يُستخدم الصندوق لتحقيق أهداف سياسية إلى جانب الأهداف الاقتصادية، كالاستثمار في مشاريع اقتصادية ذات أهمية استراتيجية في دول أخرى لبسط النفوذ خارجيًا.

السمة اﻷساسية بين كل الدول التي تملك صناديق سيادية كبيرة هو أنها تحقق فوائض كبيرة. تأتي هذه الفوائض من موارد طبيعية أو أي موارد أخرى. أكبر صندوق سيادي في العالم تمتلكه النرويج بأصول تتجاوز قيمتها تريليون دولار، ومصدرها بشكل أساسي هو البترول. ويأتي الصندوق الصيني في المرتبة الثانية، لكنه يعتمد على فوائض غير سلعية.

لكن مصر لا تحقق فائضًا. على العكس، تعاني مصر عجزًا كبيرًا في الموازنة (9.7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2017/18)، وقدرًا كبيرًا من الديون وصل في منتصف 2018 إلى 37% من الناتج المحلي الإجمالي (92 مليار دولار).

قدر وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية بالبرلمان، النائب مدحت الشريف، أن تصل قيمة أصول الصندوق إلى تريليون جنيه مصري (50 مليار دولار) بعد الانتهاء من الاستحواذ عليها. يعني هذا أقل من 5% من حجم الصندوق النرويجي. لهذا يرى بعض المختصين أن هذا ليس صندوقًا سياديًا بالمعنى التقليدي وإنما جهة إدارية جديدة. بحسب وزيرة التخطيط هالة السعيد، فإن الغرض من الصندوق هو إدارة واستغلال أصول الدولة، واجتذاب استثمارات أجنبية.

تكرر نمط إنشاء جهات «إدارية» جديدة ﻹتمام مهام يفترض أن تقوم بها جهات أخرى داخل الجهاز اﻹداري للدولة كثيرًا خلال سنوات حكم السيسي، والذي وصف الجهاز الإداري للدولة بأنه «عقبة في طريق تقدم مصر» خلال خطاب له في 2015. هذا النمط يتضح عند مراجعة عدد من القوانين والتوجهات التنفيذية، ويأتي في محاولة لتجاوز عجز الجهاز البيروقراطي وعدم قدرته على تنفيذ سياسات وتوجهات الحكومة.

يشير مختصون إلى أن التوجه للاستعانة بجيوب إدارية أكثر كفاءة تعمل بعيدًا عن تعقيدات الجهاز البيروقراطي العاجز هو توجه قديم تعددت صوره. لكن هذا التوجه يأتي هذه المرة في ظل تحول كبير أجراه -ويستمر في إجرائه- النظام السياسي الحالي في بنى وهياكل السلطة في الدولة، يتمثّل في بناء جهاز إداري موازٍ يتمكن من تحقيق نمو اقتصادي يتجاوز أزمات البيروقراطية، ما يشكل رهانًا كبيرًا يخاطر به نظام يقوم بمثل هذا التحول الكبير.

أي صندوق سيادي؟

يأتي قانون تنظيم الصندوق السيادي بعدما تحدث مسؤولون كثيرون بالدولة في عدة مناسبات عن استغلال أصول الدولة المتراكمة. تكرر استخدام «استغلال أصول الدولة» 13 مرة في البيانات الصحفية الصادرة بخصوص اجتماعات حكومية على مختلف المستويات خلال 60 يوم فقط في 2016. وفي العام ذاته، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارًا جمهوريًا بتشكيل لجنة لحصر أملاك هيئة الأوقاف المصرية، المالك اﻷكبر ﻷصول الدولة غير المستغلة.

وفي نوفمبر 2017، أصدر رئيس الوزراء شريف إسماعيل قرارًا بتشكيل لجنة لحصر جميع أراضي ومخازن ومستودعات الدولة غير المستغلة المملوكة للوزارات والمحافظات والهيئات والجهات التابعة لها وشركات القطاع العام، وشركات قطاع الأعمال العام، ووضع تصور للاستفادة منها.

من الناحية النظرية، تبدو فكرة إنشاء صندوق مصري يتولى إدارة أصول الدولة في ظل فشل البيروقراطية وتشجيع الاستثمارات اﻷجنبية المتخوفة من التعامل مع هذه البيروقراطية عبر ضمان الالتزام الحكومي المشارك في الاستثمار، فكرة وجيهة.  

يقول مسؤول حكومي سابق بالمجموعة الاقتصادية، إن هناك أصول كثيرة غير مستغلة يجب عدم إهدارها. استغلال هذه اﻷصول سيتم عبر الصندوق. ولهذا تكرر مقترح إنشاء صندوق سيادي عدة مرات منذ أيام الرئيس اﻷسبق حسني مبارك، حتى تستخدم موارده للبناء للمستقبل اقتصاديًا،  بدلًا من ذهاب أغلبها إلى سد العجز المالي.

يحق للصندوق السيادي المزمع إنشاءه بيع هذه اﻷصول، وهو أمر يتماشى مع برنامج الخصخصة الواسع الذي تتبناه الحكومة، كما يحق له أيضًا الاستثمار فيها أيضًا. الغرض هو خلق آلية «تحفيز للاستثمار من جانب دول أخرى وصناديق سيادية أخرى للاقتصاد المصري عن طريق وضع آليات محددة تؤكد التزام الدولة المصرية»، كما يقول المسؤول الحكومي. هذا هو الهدف اﻷساسي وراء إنشاء الصندوق، بحسب رأيه، خصوصًا بعد التجربة الصعبة للصناديق السيادية العربية في محاولات الاستثمار في مصر.

سبقت هذه المحاولة عدة محاولات لخلق كيانات تهدف إلى تجاوز مشاكل المستثمرين. على سبيل المثال، أطلقت وزارتا التخطيط والتنمية المحلية في 2015، وبرعاية وزارات الصناعة والتجارة والاستثمار والتضامن الاجتماعي والشباب وهيئة الأوقاف، مبادرة وطنية بالتعاون مع القطاع الخاص ﻹنشاء شركة «أيادي» للاستثمار والتنمية. وتهدف الشركة حسبما جاء على موقعها على اﻹنترنت إلى «تحفيز الاستثمارات وتعزيز التنمية في مصر»، و«تحقيق النمو الاقتصادي في جميع أنحاء البلاد من أجل تحسين مستوى معيشة المصريين». وفي 2016، أصدر السيسي قرارًا بإنشاء المجلس الأعلى للاستثمار برئاسته، ويختص بمتابعة تنفيذ أجهزة الدولة للخطط والبرامج المتعلقة بالاستثمار، وتطور العمل بالمشروعات الاقتصادية الكبرى، وموقف المشروعات المشاركة في القطاع الخاص، كما يختص بوضع الإطار العام للإصلاح التشريعي والإداري لبيئة الاستثمار، ومتابعة آليات تسوية منازعات الاستثمار.

يعتبر المسؤول الحكومي أن التوجه الجديد للحكومة ربما يكون أمرًا جيدًا في حد ذاته. «أن تنشئ الدولة صندوق يحفظ جزء من القيمة سواء ﻷصول قد لا تستثمر بالشكل الأمثل أو لعوائد بيع أصول أو لفوائض وتحفظها في مكان ما، فكرة جيدة جدًا.. أيضا استغلال الصندوق لجذب استثمارات أخرى فهو شيء جيد جدا».

مع هذا، فإن هذا التوجه يثير أسئلة كثيرة فيما يتعلق بعمل هذه الهيئات والأجهزة، بحسب المسؤول الحكومي. السؤال الأول يتعلق بالشفافية والإفصاح. يسمح القانون لرئيس الجمهورية بنقل اﻷصول المملوكة للدولة إلى ملكية الصندوق إذا كانت غير مستغلة، ويشترط التنسيق مع الوزير الذي تمتلك وزارته هذه اﻷصول إذا كانت مستغلة. ويمتلك الصندوق حق التصرف في اﻷصول المملوكة له، بـ «البيع، أو التأجير المنتهي بالتملك، أو المشاركة كحصة عينية».

لكن القانون لا يُخضع أعمال الصندوق لأي رقابة برلمانية. كانت لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان أدخلت تعديلًا على مشروع القانون يقضي بعرض القوائم المالية، وتقرير مراقبي الحسابات، والتقرير السنوي التفصيلي عن نشاط الصندوق وخطته، على مجلس النواب. لكن البرلمان تراجع عن التعديل خلال التصويت النهائي على مشروع القانون، ليخرج الصندوق من رقابة البرلمان.

يرى عمرو عادلي، أستاذ الاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن الصندوق الجديد أقرب إلى أن يكون جهة إدارية جديدة منها إلى صندوق سيادي. «[الصندوق] جهة إدارية يُؤمل أن يعرف المستثمر يتعامل معاها»، يقول عادلي، «مزيج بين وزارة الاستثمار ووزارة قطاع اﻷعمال لكن له ولاية [قانونية] أوسع».

بالنسبة إلى عادلي، فإن عملية «إعادة الترتيب اﻹداري» هذه ترتبط بإيجاد وسائل إدارية تسهل التعامل مع المستثمرين عبر جهة إدارية تتمتع بولاية قانونية كبيرة، وتعمل كذراع ممركزة تتصل مباشرة بالسلطة التنفيذية وتملك من الموارد ما يتيح لها اتخاذ قرارات استثمارية.

بيروقراطية جديدة

عبر تتبع مختلف القوانين واﻹجراءات التي يمكن وصفها بـ «إعادة الترتيب اﻹداري»، يمكن ملاحظة تكرار هذا النمط: جهات إدارية وتنفيذية بديلة تتمتع بولاية قانونية كبيرة وتعمل كذراع ممركزة تتصل مباشرة بالسلطة التنفيذية بما يتجاوز الأجهزة البيروقراطية والتنفيذية التقليدية.

تقدم النائب مصطفى سالم، وكيل لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، في أكتوبر الماضي بمشروع قانون لإنشاء الهيئة العامة للضرائب، والذي يهدف إلى فصل هيئة الضرائب عن وزارة المالية وتحويلها إلى كيان مستقل يتبع رئاسة الجمهورية بشكل مباشر. وتستبدل الهيئة مصالح الضرائب القائمة، وتختص بوضع السياسات العامة للضرائب، وتطبيق قوانين الضرائب وتحديد الضرائب وتحصيلها. ويُشكل مجلس إدارة الهيئة بقرار من رئيس الجمهورية، ويتولى وضع السياسة العامة لها والإشراف على تنفيذها.

الفارق الوحيد الواضح بين الهيئة الجديدة والمصالح القديمة هو نقل التبعية من وزارة المالية إلى رئاسة الجمهورية، وذلك حتى تتمتع «بدرجة من الاستقلالية وإدارتها بأساليب حديثة للتخلص من بيروقراطية الجهاز الحكومي»، بحسب المذكرة الإيضاحية للقانون. لكن هذا التوجه يبتعد عن أسئلة إصلاح المؤسسات والهيئات البيروقراطية والإدارية القائمة، عبر استبدالها بأجهزة وهيئات موازية.

يمكن ملاحظة هذا التوجه عند النظر في الأدوار التي تضطلع بها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة. بحسب حصر منشور على موقع وزارة الدفاع، بلغ عدد المشاريع التي نفذتها الهيئة الهندسية خلال عام 2017 فقط حوالي 45 مشروعًا أغلبها مشاريع طرق وكباري وأنفاق، إلى جانب مشاريع بنية تحتية وخدمية أخرى.

تتولى الهيئة الهندسية تنفيذ عدد كبير من مشروعات اﻹسكان الاجتماعي التي تقوم بها الدولة ضمن خطة المليون وحدة سكنية التي أعلنت عنها مرارًا، بحسب مصادر نقلت عنها صحيفة اليوم السابع. كما تتولى الهيئة الهندسية تنفيذ عدد من مشروعات المنشآت التعليمية، إلى جانب عدد من مشروعات الرعاية الصحية، وكذلك مشروعات اﻹمداد بالمياه.

يثير حجم اﻷعمال التي تقوم بها الهيئة الهندسية نقاشات حول تأثيرها على القطاع الخاص ونشاطه الاقتصادي، لكنه يثير أيضًا أسئلة حول اﻷدوار التي تقوم بها الهيئات اﻹدارية المسؤولة عن إتمام هذه الخطط والمشروعات. على سبيل المثال، توجد في مصر هيئة تختص بالطرق والكباري والنقل البري. وبسبب سوء اﻷداء، قرر الرئيس اﻷسبق حسني مبارك في عام 2002 تحويل الهيئة العامة للطرق والكباري والنقل البري إلى شركة قابضة. بعدها بعامين، أصدر مبارك قرارًا آخر يقضي بإعادة تنظيم الهيئة، دون تحسن كبير.

الوضع ذاته بالنسبة لمشروعات الإسكان المختلفة. هناك وزارة كاملة للإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، إلى جانب هيئة المجتمعات العمرانية، وهي «جهاز الدولة المسؤول عن التنمية العمرانية» حسبما أوضح موقعها الإلكتروني، وتأسست عام 1979. هناك أيضًا الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، والتي تأسست بقرار جمهوري عام 2004، حيث أصبحت كافة شركات القطاع العام لمياه الشرب والصرف الصحي شركات تابعة لها. وتتولى الشركة مسؤولية توزيع مياه الشرب ضمن مهامها. الأمر نفسه بالنسبة لمشروعات الرعاية الصحية والمؤسسات التعليمية.

تقوم هذه الهيئات التقليدية بدور مساعد للهيئة الهندسية في مشاريعها. على سبيل المثال، تتسلم هيئة المجتمعات العمرانية الوحدات السكنية من الهيئة الهندسية بعد الانتهاء من تجهيزها لتسليمها للمواطنين. لكن استعراض هذه المشروعات أمام الرئيس يأتي من مسؤولي الهيئة الهندسية وليس هيئة المجتمعات العمرانية، وهو منطق ينسحب على الهيئات الأخرى التي تتولى الهيئة الهندسية القيام بأعمالها.

في يوليو الماضي، أقر السيسي قانون هيئة تنمية الصعيد، وهي هيئة جديدة تختص بتخطيط وتنفيذ مشاريع تنمية لمناطق الصعيد في إطار الخطة العامة للدولة، حسبما جاء في القانون. وتتمتع الهيئة بموازنة خاصة دون التقيد بالقواعد والنظم الحكومية. ويُصدر رئيس الوزراء قرارًا بتعيين رئيس وأعضاء مجلس إدارة الهيئة، وتتكون من ممثلي عدد من الوزارات باﻹضافة إلى ممثلين عن المخابرات العامة والغرف التجارية واتحاد الصناعات.

بحسب القانون، يمكن لمجلس إدارة الهيئة أن يصدر قرارات بنقل أو ندب أو إعارة العاملين اللازمين للهيئة من الوحدات اﻹدارية للدولة. كما يمكن لها «في سبيل تحقيق أغراضها تأسيس شركات مساهمة بمفردها أو مع شركاء آخرين أو المشاركة في شركات قائمة، كما يكون لها أن تعهد إلى الشركات أو جهات الخبرة المتخصصة بإقامة أو تنفيذ المشروعات التابعة لها […] دون التقيد بالنظم والقواعد الحكومية».

هناك أيضًا المنطقة الاقتصادية بالمثلث الذهبي بالصعيد، والتي أقر السيسي قانونها في يوليو 2017. بحسب قرار رئيس مجلس الوزراء بإنشاء الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية للمثلث الذهبي، تؤول ملكية الأراضي والمنشآت المملوكة للدولة داخل المناطق المحددة في القانون إلى الهيئة. كما يمكن للهيئة تأسيس شركات لخدمة أهدافها سواء بمفردها أو بالاشتراك مع الأشخاص الاعتبارية العامة أو الخاصة أو مع شركاء آخرين.

نظام سياسي جديد

يتساءل المسؤول السابق بالمجموعة الاقتصادية عن موقع هذه الإجراءات والهيئات من الخريطة العامة لسياسات الدولة. يشير إلى هيئة تنمية الصعيد مثالًا، وعدم وضوح موقعها من الخريطة العامة لمؤسسات إدارة الدولة الأخرى. «هناك خريطة لأجهزة مختلفة تدير أصول مختلفة للدولة»، يقول المسؤول، « لا أعلم آلية التنسيق بينها، ولا مما تتكون خطتها».

ضبابية الرؤية هذه والازدواج الإداري جاء نتيجة لتاريخ طويل امتزجت فيه التعقيدات البيروقراطية والإدارية بالتأثيرات السياسية والاجتماعية عقب انقلاب الضباط في يوليو 1952. يشير عادلي إلى أن نظام جمال عبد الناصر حاول تصفية تنظيم الضباط الأحرار لصالح نظام حكم رئاسي ينفرد فيه ناصر بالسلطة. جاء هذا عبر إحالة الفائض من الضباط إلى التقاعد ونقلهم إلى الجهاز الإداري، وهو ما تسبب في تحول الجهاز إلى «إقطاعيات» تابعة للضباط يستفيدون منها. إلى جانب هذا، اعتمد نظام ناصر على البيروقراطية لتصبح أكثر الجهات توظيفًا للمواطنين، وهو ما يصفه عادلي بـ «البقرطة الناتجة عن عملية سياسية معينة لها جوانب توزيعية».

أسهم هذا في زيادة فساد الجهاز الإداري وانخفاض كفاءته، وهو ما تسبب، ، بحسب عادلي، في ضغوط شديدة على العلاقة بين القيادة السياسية والجهاز الإداري في 1965 مع بداية الخطة الخمسية الثانية (1965-1970)، وهي الخطة الاقتصادية للدولة التي استهدفت، مع الأولى (1960-1965) مضاعفة الدخل القومي لمصر. وأدار ناصر معركته مع الجهاز الإداري من خلال أجهزة مركزية رقابية مثل الجهاز المركزي للمحاسبات والرقابة الإدارية. خلال أحد خطاباته، هاجم عبد الناصر الجهاز الإداري بأنه قد يمثل عبئًا على الثورة وعقبة أمامها، واستشهد بوجود الـ «عناصر الانتهازية» بداخله.

لكن هذا لم يُحسن من أداء جهاز البيروقراطية، وهو الأمر الذي استمر خلال أنظمة حكم أنور السادات وحسني مبارك اللاحقة. لهذا لجأ النظام في عهد مبارك إلى استراتيجية جديدة لتجاوز عقبات البيروقراطية التقليدية، عبر الاعتماد على كيانات موازية تستطيع إنجاز مهامها، خصوصًا خلال العقد الأخير من حكمه، وتضخم الدور السياسي الذي لعبه نجله جمال. «بيسموها جزر كفاءة أو جيوب كفاءة، مع ناس متعلمة أفضل وجاية من القطاع الخاص أو منتمية لشبكات مش موجودة بشكل تقليدي في الجهاز اﻹداري»، يقول عادلي. لم تتمكن هذه الكوادر والكيانات الجديدة من التغلب على البيروقراطية التقليدية وقت مبارك، بحسب رأيه، لكنها استطاعت الوصول إلى مواءمات معها بشكل غير رسمي لتسهيل تنفيذ القرارات، فكان الجهاز الإداري به دوائر نفوذ متصلة بمسؤولين في دوائر اتخاذ القرار لتسهيل عمليات التنفيذ، ما أشار عدلي إليه كمبدأ «تشحيم عجل» البيروقراطية، وهو مصطلح في قاموس علوم الإدارة.

استطاعت القيادة السياسية بهذا التوجه أن تضرب عصفورين بحجر واحد، بحسب وصفه. الأول هو تجاوز عدم الكفاءة فيما يخص إدارة الحياة الاقتصادية. الثاني هو جعل سلطة اتخاذ القرارات أكثر مركزية وارتباطًا بالقيادة السياسية صانعة القرار. لكن هذه الشبكات توقفت عن العمل مع اندلاع ثورة يناير في 2011، وبدأت ظاهرة «الأيادي المرتعشة»، وتوقف المسؤولون عن اتخاذ الإجراءات البيروقراطية المناسبة خوفًا من الملاحقة، بحسب عادلي.

ويؤكد روبرت سبرنجبورج، أستاذ السياسة بقسم دراسات الحرب بكلية الملك بجامعة لندن وصاحب دراسات سياسية عديدة عن الدولة المصرية منذ عقود، أن مشكلة البيروقراطية المصرية ليست مستجدة، قائلًا إن هيكل الإدارة المصري كان أشبه بأنابيب الموقد، وهو مصطلح تنظيمي (stovepiping) يعني وجود مسارات عمودية متوازية لتدفق المعلومات من القاعدة إلى الرأس دون تبادلها أفقيًا.

وكان هذا الهيكل أحد أوجه ضعف الإدارة خلال سنوات مبارك لأنه كان يمنع التواصل بين الوزارات والهيئات المختلفة بشكل فعّال يترجم القرارات التنفيذية إلى واقع بسلاسة وبدون تضارب الولايات والقوانين.

يعتقد سبرنجبورج أن الجهاز الإداري المصري الآن أصابته مشكلة أكبر، وهو أنه يواجه حكم أكثر مباشرة من مؤسسة طالما كانت تكن له الازدراء، وتنظر إلى الموظفين المدنيين على أنهم عديمي الفائدة، وترى أنها تستطيع القيام بمهام الجهاز بكفاءة أكبر، والآن فرصتها؛ إنها المؤسسة العسكرية. يرى سبرنجبورج أنه مع قدوم السيسي إلى دفة الحكم، فإن الجهاز الإداري تجرى محاولات تهميشه أكثر فأكثر.

يقول سبرنجبورج إن «الجهاز الإداري للدولة مصاب بالوهن الآن، فإنه من الواضح أن القيادة السياسية تريد تهميشه، وما يحدث هو أنه في القطاعات التي لا تهتم بها القيادة بشكل مباشر، فإن الجهاز الإداري يُترك ليفعل ما يريد دون توجيه فعّال، وفي غياب الموارد والأجور المرتفعة والكفاءات، تحدث الأزمات باستمرار. لتكون البيروقراطية كفئة يجب أن تكون جيدة التنظيم، ويعين فيها الكفاءات، وتكون الأدوار والمسؤوليات محددة بوضوح، وتتاح لها الموارد، حتى تستطيع تحقيق الإنجازات على الأرض، وهذا لا يحدث».

ويوضح أشرف الشريف، أستاذ العلوم السياسية والمحاضر في قسم التاريخ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة،  أن ثورة يناير شكلت خطرًا وجوديًا ومصلحيًا حقيقيًا على الدولة، بسبب بروز قوى أو حركات هددت هيمنة الدولة. ولهذا، يأتي النظام الحالي بتصور أيديولوجي ومصلحي مختلف. نظام الحكم الحالي يختلف عن السابق تمامًا، بحسب الشريف.

الاختلاف الأهم بحسب رأي الشريف هو الغياب الكامل للسياسة. يُعرف الشريف السياسة باعتبارها التنظيم المؤسس للمصالح المختلفة والتفاوض من أجل الوصول لسياسات عامة قائمة على تحالف عريض بقدر كافٍ، سواء كان هذا في نظام ديمقراطي أو سلطوي أو شمولي. لكن «بالنسبة للسيطرة، [النظام الحالي] بيعمل حاجة جديدة متعملتش قبل كده في تاريخ مصر حتى في عهد الاحتلال البريطاني نفسه، اللي هي فكرة إلغاء السياسة، إلغاء الوساطة السياسية».

ومع غياب دور التنظيمات السياسية، تولت أجهزة الدولة من الجيش والشرطة والقضاء حكم البلد والسيطرة على المواطنين، وهو ما يعتبره الشريف «تطورًا خطيرًا عمره ما كان موجود قبل كده». وبدلًا من شبكات السلطة التي كانت قائمة أثناء حكم مبارك، أصبحت السلطة هرمية يقع على قمته الجيش وجهازه الأمني، تحته أجهزة الشرطة والقضاء. توجه النظام الجديد أيضًا إلى الاعتماد على أجهزة بيروقراطية وإدارية موازية، لكن بديلًا عن وزارات رجال الأعمال القريبين من السلطة، مثل حكومة أحمد نظيف التي كانت وثيقة الصلة بجمال مبارك ودائرة نفوذه من رجال الأعمال، فأصبح الاعتماد الآن بشكل أساسي على المؤسسة العسكرية لتأسيس وإدارة هذه البيروقراطية الموازية.

يتفق عادلي على اختلاف النظام السياسي الجديد عن سابقيه في نمط علاقات توزيع القوة داخل جهاز الدولة وبين الدولة والمجتمع. بحسب رأيه، هناك «مكون عسكري لا خلاف حوله» في النظام الجديد بسبب الانطباع بأنها أكثر انضباطًا وبعد غياب الشبكات غير الرسمية التي اعتمد عليها نظام مبارك.

يضيف عادلي أن النظام الجديد أعاد إحياء بعض الأجهزة الرقابية مثل الرقابة الإدارية لضبط أداء أجهزة الدولة، وهو أمر يمكن رؤيته بوضوح في التوسع الكبير الذي شهدته هيئة الرقابة الإدارية في دورها خلال الأعوام الماضية. محمد عرفان، رئيس هيئة الرقابة الإدارية السابق، تحدث عن إعادة إحياء دور الهيئة، وأشار إلى تجميدها سابقًا – دون تحديد متى حدث ذلك – لاعتقاد قد ساد بأنها تعيق الاستثمار، كما تحدث عن أدوار لعبها الجهاز تبدو بعيدة تمامًا عن طبيعة مهامه، مثل – من المفارقة – تسهيل أعمال المستثمرين.

وقد تشكّلت لجنة حكومية في فبراير 2018 من الرقابة الإدارية ووزارة الاستثمار والتعاون الدولي لمتابعة وحل مشاكل إنشاء الشركات من خلال مراكز خدمة المستثمرين الجديدة التي أنشأها قانون الاستثمار الأخير. وتحدّث محمد عرفان، رئيس هيئة الرقابة الإدارية السابق، عن المراكز في مؤتمر حضره السيسي لافتتاح بعضها في فبراير الماضي قبل سحر نصر، وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي.

بحسب رأي الشريف، فإن تبعات هذا التوجه السياسي كبيرة على المدى الطويل. من ناحية، فإن البيروقراطية تمثل قاعدة ولاء الأنظمة السياسية الحاكمة في مصر، وبالتالي فإن فقدان الجهاز البيروقراطي لدوره الإداري والسياسي يعني تحييده، وهو ما يعني خسارة النظام السياسي لقاعدة ولائه المفترضة.

ومن ناحية أخرى، فإن الجهاز البيروقراطي على قدر عيوبه ما زال هو الجهاز الوحيد القادر على حكم البلد بشكل فعلي عبر شبكاته الرسمية وغير الرسمية في الأحياء الشعبية والعشوائية والريف والمدن الصغيرة، بحسب رأي الشريف. وبالتالي، فإن توجه النظام الجديد يعني تخليه عن قدرته على الحوكمة لصالح قدرته على القمع، ليتحول من جهاز حكومي إلى جهاز قمعي. «دي حاجة في منتهى الخطورة لأن حتى النظام الشيوعي بيبقى قايم على رجلين، رجل القمع ورجل الحكم بمعنى إدارة دفة اﻷمور»، يقول الشريف.

بحسب رأيه، فإن حدوث هذا يتطلب نوعًا من ممارسة السياسة بما يعني التفاوض والتمثيل للقوى المختلفة في المجتمع ومن بينهم الموالين للنظام، والوصول لاتفاقية تقسيم حصص بينهم. لكن النظام الحالي لا يرغب في ذلك. الوضع كما يصفه الشريف يتخلص في: لا يرغب النظام الحاكم في ممارسة السياسة، لكن يرغب في الوقت ذاته في عمل إصلاحات راديكالية، ويتعامل بشكل متهور مع الجهاز التنفيذي الحكومي القادر على حكم البلاد، ويتوسع في خلق كيانات موازية له، دون أي تفاصيل واضحة، وعبر إجراءات عملية خطيرة تحمل قدرًا كبيرًا من الاستعلاء.

من جانبه، يرى عادلي أن تجربة جمال مبارك وشركاه في التعامل مع أجهزة الدولة كانت أكثر التجارب جدية وأشدها إيمانًا بالليبرالية الجديدة. لكن النهاية المأساوية التي واجهها النظام تشير إلى أن حل الأسئلة المتعلقة بالجهاز الإداري للدولة يتطلب مشروعًا سياسيًا كبيرًا يمتلك قاعدة جماهيرية قادرة على تحديه من أجل تفكيكه وإعادة بنائه سواء من خارج الجهاز أو من داخله.

اعلان
 
 
عثمان الشرنوبي 
محمد حمامة