مصادر دبلوماسية تستبعد عودة العلاقات العربية مع الأسد قريبًا
 
 

كانت زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق في منتصف شهر ديسمبر هي أول زيارة لرئيس عربي منذ اندلاع الثورة السورية وتحولها لحرب أهلية مدعومة من قوى خارجية متنازعة. وإن تمت الزيارة المرتقبة للرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، سيكون ثاني رئيس عربي يزور دمشق. فيما أعلنت الكويت والإمارات عن إعادة فتح سفارتيهما في العاصمة السورية قريبًا. هذا بالإضافة للزيارة التي قام بها رئيس مكتب الأمن الوطني السوري إلى القاهرة في 22 ديسمبر الجاري، ولقاءه مع رئيس جهاز المخابرات العامة. بدت تلك الإشارات دليلًا على اقتراب عودة النظام السوري إلى جوار نظرائه في الجامعة العربية كممثل شرعي عن الشعب السوري، بعد تجميد للعلاقات امتد لأكثر من 7 سنوات، غير أن أربعة مصادر دبلوماسية منفصلة أجمعت على أن إعادة العلاقات، أو ما أسموه بـ «التطبيع العربي» مع النظام السوري، ليس قريبًا إلى هذا الحد، ولا تزال عقبات عدة تقف في طريقه.

ذهبت التوقعات بعد زيارة البشير إلى نظيره السوري بشار الأسد إلى أن الأخير، أو مَن يمثّله، سيحضر القمة العربية المقبلة في تونس. بل أن البعض ذهب إلى أنه سيشارك في القمة الاقتصادية التي ستنعقد في العاصمة اللبنانية بيروت في شهر يناير. في زيارته المفاجئة، قال البشير إن موقف السودان «متطابق» مع الموقف الروسي حيال الأزمة السورية، وهو قائم على أن الحل السياسي هو  ضرورة تطرح نفسها، وأن أية تسوية غير ممكنة دون الرئيس بشار الأسد. وبحسب ما نقلت عدة وسائل إعلام، فإن البشير وصل إلى دمشق بطائرة روسية، وبدعم من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضمن ما سُمّي بـ «الجهود الروسية للتطبيع مع الأسد».

ولكن بحسب ما قاله مصدر حكومي لبناني من فريق«8 آذار» المؤيد للنظام السوري لـ «مدى مصر» فإن «هناك مبالغات في تصور مشاركة الحكومة السورية في لقاءات منبثقة عن الجامعة العربية. لا يجب أن ننسى أن هناك قرار سابق للجامعة بتجميد التمثيل السوري، ما يعني أنه على الأقل على الجامعة أن تصوت ضد هذا القرار وتلغيه، وبعدها يمكن دعوة الحكومة السورية». وأضاف المصدر: «على الرغم من ذلك إلا أن القمة الاقتصادية في بيروت ستشهد تكثيف للنقاشات مع الدول العربية لبحث إلغاء قرار التجميد السابق، وهي جهود تتبناها أكثر من دولة ذات ثقل، وإن كانت السعودية لا تزال متمسكة بموقفها المعروف».

وفي نفس السياق، قال مصدر دبلوماسي دولي على صلة بالملف السوري لـ «مدى مصر» إنه «لن يكون هناك انفتاح عربي واسع على سوريا في المستقبل القريب، وهذا الرفض ليس مقتصرًا على السعودية إنما هو موقف عدد من الدول المؤثرة في المنطقة، ولا يجب المبالغة في تقييم زيارة الرئيس السوداني المفاجئة إلى دمشق». وكانت الجامعة العربية قررت تجميد المشاركة السورية في أنشطتها في نوفمبر 2011 في ما مثّل وقتها خطوة احتجاجية من الدول العربية إزاء العدوانية البالغة التي مارسها نظام الأسد لقمع المظاهرات المطالبة بالديمقراطية في زهو الربيع العربي.

على المستوى المصري، قال مصدر حكومي إنه من الصعب أن تشهد المرحلة المقبلة قفزة في العلاقات بين البلدين، على الرغم من تأكيده أن عام 2018 شهد تطويرًا كبيرًا على مستوى التعاون الصناعي والزراعي وكذلك الثقافي. ولكنه استبعد نقلة سريعة في التمثيل الدبلوماسي بين القاهرة ودمشق.

واستبعد مصدر آخر من الحكومة السورية نفسها أن تحدث زيارة على مستوى وزاري أو رئاسي بين القاهرة ودمشق خلال الشهور القليلة المقبلة، قائلًا: «نحن ندرك الموقف المصري جيدًا. هناك الكثير من المجالات التي نتعاون فيها، سواء اقتصاديًا أو حتى عسكريًا وأمنيًا، غير أننا نتوقع أن الأشقاء في مصر لا يحبذون مثل هذه الزيارة قبل أن تنهي الجامعة العربية قرارها بتجميد تمثيل سوريا في دوائرها».

وكانت وكالة الأنباء السورية الرسمية قد قالت إن رئيس مكتب الأمن الوطني السوري علي المملوك وصل إلى القاهرة في 22 من الشهر الجاري، وذلك بدعوة من رئيس المخابرات العامة اللواء عباس كامل  للتشاور في القضايا الأمنية والسياسية وجهود مكافحة الإرهاب.

وتعد زيارة المملوك إلى القاهرة هي ثاني زيارة معلنة، وكانت الأولى في 2016 للقاء رئيس جهاز المخابرات العامة حينها اللواء خالد فوزي.

ولا تخفي القاهرة في المحادثات الرسمية مع المسؤولين الغربيين، سواء في القاهرة أو في الخارج، أن الأسد يمثل حلًا لا بأس به لسوريا لأنه يمثل بصورة ما «تماسك الدولة الوطنية». وفي حين يدرك مسؤولون غربيون أن ذلك ما هو إلا تعبيرًا عن تماهي الحكم في القاهرة مع قمع المظاهرات المنددة بالدكتاتورية، فإنهم يقرون أن تشرذم المعارضة السورية المستمر وغياب بديل حقيقي للأسد من داخل نظامه والخشية من انفراط سوريا بصورة تزيد من القلاقل في المنطقة هي التي جعلتهم يتحولون من حديثهم القائل بإن الأسد لا يمكن أن يكون جزءًا من مستقبل سوريا إلى حديثهم بأن الرئيس السوري يمكن أن يكون جزءًا من المرحلة الانتقالية.

وبينما تشهد المنطقة جهودًا روسية لتسهيل عملية «التطبيع العربي» مع نظام الأسد، فإن الولايات المتحدة تقوم بجهود مضادة. فقد قال المصدر الدولي إن واشنطن، التي تبني موقفها العدائي تجاه الحكومة السورية بناءً على تحالف الأخيرة مع إيران، وبغض النظر عن طريقة التعامل مع المعارضة، لا تزال تضغط على القاهرة و«أبو ظبي» للإبقاء على نظام الأسد تحت الحصار السياسي ريثما يحدث تحرك حقيقي في محادثات التسوية السياسية. وأضاف الدبلوماسي أن خطاب المبعوث الأميركي الخاص بسوريا مع دول المنطقة كانت منطلقة كلها في هذا الاتجاه، حتى وأن الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الأميركي جورج بومبيو لدول المنطقة ومنها مصر، في الشهر المقبل ستؤكد على هذا الاتجاه أيضًا.

وكان السفير الروسي لدى دمشق  ألكسندر يفيموف قال، منتصف الشهر الجاري، إن دولة الإمارات تستعد لإعادة افتتاح سفارتها في سوريا. ونشرت حسابات مختلفة صورًا تظهر أعمال صيانة مبنى السفارة المغلق منذ العام 2011.

في الوقت نفسه، قال المصدر الحكومي المصري إن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجيء بسحب قواته من سوريا أواخر هذا العام دون تنسيق مع حلفائه من العرب يسبب قلقًا لدى هؤلاء الحلفاء من سيطرة تركية-إيرانية أشمل على سوريا. وكانت الولايات المتحدة قد شنّت في الشهور الأولى من العام الجاري عملًا عسكريًا محدودًا استهدف قدرات عسكرية لنظام الأسد بعد معلومات أولية عن قيام النظام باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد مدنيين في مدن معارضة للأسد الذي وصفه الرئيس الأمريكي في حينه بـ «الأسد الحيوان».

كما أضاف المصدر المصري أن على أجندة المبعوث الأممي الجديد لسوريا، النرويجي جير بيدرسن، خلق دور عربي أكثر فعالية في التسوية السياسية لسوريا. وقد سبقه ستفان دي ميستورا الذي تعثرت مجهوداته في حسم مصير لجنة صياغة الدستور السوري.

اعلان