2018 موسيقيًا: كيف التهم كل شكل موسيقي الآخر؟
 
 
تامر حسني وأحمد شيبة ودياب ومصطفى حجاج في أغنية «100 وش»
 

انتهت 2018، وبدأ حصاد الإنتاج الموسيقي في العالم، باختيار أفضل الإصدارات من كل نوع، أو أكثر الألبومات نجاحًا واستماعًا. لن نحصدها هنا، لكن سنحاول إلقاء نظرة على منعطف أساسي جرى هذا العام في مسار الإنتاج الموسيقي في مصر، منعطف كان لافتًا بشكل يصعب معه التجاهل، هذا المنعطف هو طغيان الإحساس بضرورة التجديد، والذي ظهر بأكثر من شكل، يمكن كان أكثرها لفتًا للنظر هو التعاونات بين مطربين من أنواع موسيقية مختلفة، أو محاولات الانصهار أو الاندماج بين هذه الأنواع، بأغراض أهمها الشهرة أو تجديد الدماء، وإطالة أمد البقاء على الساحة لأطول فترة ممكنة.

ربما ترجع جذور هذا المنعطف للسنوات التي تلت 2011، حيث شهد السوق الموسيقي، تغيرًا ملحوظًا في موازين القوى، بحالة متحمسة لاستقبال ما كان مجهولًا وغير مسلط عليه الضوء. زاد الاهتمام بفرق الأندرجراوند، ترسّخ وجود المهرجان وقدرته على المنافسة بشكل مستقل عن الأغنية الشعبية، هذا بجانب  الطفرة التي حدثت في الراب والتراب والموسيقى الإلكترونية.

على مدار الأعوام السابقة كانت تحدث محاولات التهام من كل نوع للآخر، تنجذب أنواع إلى أنواع وتميل لها وتنصهر معها، ويحاول كل نوع فرض هويته على الآخر، أو النيْل من قاعدته الجماهيرية. وفي 2018 وصلت هذه المحاولات الحثيثة لنقطة متطوّرة، يمكننا أن نرى آثارها في أبرز الإنتاجات هذا العام. وربما أشهرها محاولات التقرّب بين البوب والأندرجراوند، وبين الراب والتراب والمهرجانات.  

البوب/ الأندرجراوند/ الشعبي

في السنين الماضية وجد نجوم البوب التجاري، أنفسهم في لحظة تهديد وهم يواجهون عوالم أخرى أخذت مساحة أكبر، خاصة مع ظهور فرق الـ«أندرجراوند» بشكل مكثف، سواء كانت مصرية أو عربية. أيضًا جاءت المهرجانات لتسحب البساط من تحت أقدام البوب وتحتل صدارة الانتشار في الشارع المصري. كان ذلك يحدث ليس فقط وسط قاعدة الأجيال الجديدة، ولكن أيضًا وسط قاعدة جمهورهم القديم.

من هنا كان على البوب مواجهة هذه التغيرات، ليحمي نفسه ويحافظ على قاعدته. كان من أهم ملاحظات  2018 التي يمكن رصدها بوضوح، هو محاولة سوق البوب تعلّم الدروس المستفادة من تجربة الـ«أندرجرواند»، ومعرفة ماذا يعجب الجمهور فيه، ليحاول إعادة إحياء نفسه. وكان الدرس الأول هو ضرورة تغيير كلمات الأغاني، التي دارت في فلك التنويعات على «حبيبي» و«نور عيني»، إلى ما لا نهاية، لسنين طويلة في مصر. كانت الكلمات آخر ما يفكر فيه صناع البوب، لذا كان هذا أول ما انتبهوا له بعد انسحاب جمهورهم.

بالطبع لم يستنسخ البوب بالضبط نفس روح كلمات الـ«أندرجرواند» التي يمكن أن تحمل بعض المغامرة أكثر مما تحتمله حساباتهم، ولكنهم فتشوا في دفاترهم القديمة عن أقرب مثال للكلمات المميزة، فنهلوا من منبع الإفيه والكوميديا، وربما من بعض من روح التسعينيات. هذا العام تراجعت الأغنية العاطفية بشكلها المعتاد، فكانت «هيت» تامر حسني مثلًا هي أغنية «عيش بشوقك» التي يمكن أن تذكرنا بـ«وأنا ويايا بعيش زي المليونيرات» أغنية مدحت صالح الشهيرة، وجاء تصوير الكليب نفسه بشكل جديد. أيضًا هناك سميرة سعيد التي كانت من أوائل النجوم الذين لقطوا الإرسال مبكرًا، وظهر ذلك في ألبومها السابق؛ فنزلت هذا العام  بأغنية «سوبرمان»، وهناك شيرين عبد الوهاب وأغنيتها «نساي».

هذا الإحساس بضرورة التجديد، ترك آثاره أيضًا على عمرو دياب، الذي حاول البحث عن كلمات مثيرة للجدل والإفيه،  في مرحلة بدأت مع تركي آل الشيخ، وجملة مثل «بحب برج الحوت». يعود إلينا هذا العام بـ«أنت مغرور، أنت معدوم الشعور، أنت زي الزينة ديكور» من كلمات أيمن بهجت قمر. يعيش عمرو مرحلة جديدة في تلك الفترة، يحاول فيها تجديد قاعدته الجماهيرية، وجدنا أخبار وانفرادات وإشاعات عن عمرو دياب في تلك السنة، ربما كانت ضعف الأخبار التي نشرت عنه في آخر عشر سنوات، عمرو يظهر في فيديوهات مسربة له، عمرو يظهر في فيديو ليرد على ما جاء على لسان شيرين عبد الوهاب في أحد حفلاتها، عمرو أصبح يفرض نفسه على الساحة عكس ما كان قبل ذلك. ربما هذا يشير لوطأة استشعار فكرة أن الجمهور يريد التغيير.

محاولات التجديد معادلة صعبة وليست كلها ناجحة. هناك مثلًا منير الذي أصدر مع نهاية العام عدة أغانٍ من ألبومه الجديد، مثل «طاق طاقية» أو«لو باقي من عمري»، وهي أغاني منتمية لمرحلة مستمرة مع منير منذ ربما نهاية 2010، وهي مرحلة التهام النفس، منير يلتهم نفسه، منير يقلد منير، كأن منير 2018 هو شاب صاعد يحاول تقليد منير الكبير، ويبحث عن شعراء وملحنين ليصنعوا له أغاني مثل أغاني منير، فيخرج لنا أعمالًا مشوهة.

بجانب الكلمات كانت الأغنية الشعبية منبعًا مهمًا للبوب لاكتساب مساحات جديدة، فقدم تامر حسني أغنية «100 وش» واستعان فيها بثلاثة أصوات شعبية بجانبه، أحمد شيبه، دياب، مصطفى حجاج؛ ثلاثة أصوات مختلفة عن بعضها في الأغنية الشعبية، ولكن جمعهم تامر واختفى صوته بالطبع وسط أصواتهم القوية، اختفاء مخطط له ومدروس تجاريًا لا فنيًا. وعندنا الحالة العكس التي اختفى فيها المطرب الشعبي مقابل ظهور مطرب البوب، كما فعل محمود العسيلي مع محمود الليثي في أغنية «خاينة».

الليثي بدوره خائف من سطوة المهرجانات منذ بدايتها، حيث ظهر في فيلم «اللي يحب ربنا يرفع إيده فوق» لسلمى الطرزي» وهو يحاول إقناع أوكا وأورتيجا بأخذ ألحانهم وإعادة تقديمها مع بعض التعديلات عليها، لكنه فشل في إقناعهم، فيأتي إلينا هذا العام، ويقدم أغنية «ألو ألو» مع زميلته بوسي، في أغنية تتأرجح بين المهرجانات والبوب، تارة تشعر إنها أغنية مهرجان ضلت طريقتها لموزع بوب، وتارة تشعر العكس، لكن بكل تأكيد هي ليست أغنية شعبية.

من ناحيتها، حاولت فرق «الأندرجراوند»، الخروج من عالمها، والاندماج بطاقة كبيرة في عالم البوب الغنائي، بتجارب ربما لم تكن ناجحة بشكل كبير. كان على رأسهم فرقة «وسط البلد» وألبومها «بنطلوني الجينز»، الذي حاولت به استعادة جمهورها، وجاء الألبوم مرتبكًا بين أنواع كثيرة من الراب والموسيقى الإلكترونية والفلكلور الشعبي. أما «مسار إجباري» فنزلت بـ«الألبوم»، الذي تعاونت فيه مثلًا مع فرقة «إم تي إم MTM» في أغنية كائن فضائي، في محاولة للعب مع النوستالجيا، بينما اتجهت فرقة مثل «شارموفرز» لعالم البوب بشكل صريح من خلال كليبات منفردة مثل «مفتقد الحبيبة»، وهي أغنية عاطفية عادية، وتشترك معهم ياسمين رئيس في بطولة الكليب، وأيضًا من خلال تقديم أغانٍ في أفلام، مثل «عيدوا رقصتي» مع محمود الليثي.

كان هناك أيضًا من فضل البقاء في نفس مكانه، دون محاولة اندماج أو التهام أحد، مع الحفاظ على الجمهور القديم، كمحمد نور، ومحمد عدوية، وعدوية الكبير، وتامر عاشور، ورامي جمال.

ومن وقفوا في مكانهم في عالم الأندرجراوند عندنا حمزة نمرة، وألبوم «هطير من تاني»، الذي جاء دون أي تجديد في الألحان والتوزيعات، وكأنه يريد أن يبقى في المنطقة الأمنة محافظًا على جمهوره. أما يسرا الهواري، فقد لعبت في نفس مكانها محاولة الحفاظ على جمهورها بألبوم «نقوم ناسين»، رغم ما قدمته من  محاولات تطوير في الألحان والتوزيعات للأغاني القديمة، وغنائها لقصائد كـ«شاي باللبن» لصلاح جاهين.

ربما كان عمل دينا الوديدي «المنام»، هو العمل الوحيد ذلك العام من عالم الأندرجراوند المصري الذي حمل تجربة ومغامرة فنية واضحة، رغم أنه لم يلق أي نجاح، إلا إنه كان يحمل سمات التجربة الموسيقية بشكل كبير، في مغامرة كبيرة منها.

يتضح تأثير هذا التخبط في عالم الأندرجراوند المصري في تراجع  شعبية الفرق المصرية أمام الفرق العربية؛ الأردنية واللبنانية على وجه الخصوص، حافظت الفرق العربية على هويتها بشكل أكبر من الفرق المصرية، ومنحت لنفسها قاعدة جماهيرية كبيرة داخل مصر.

ومن خارج العالمين، ظهر بعض المغنين الجدد، قدموا من عالم «السوشيال ميديا» ووقفوا في مساحة وسط بين هذا وذلك، مخاطبين بدورهم جمهورًا جديدًا، لم يبنِ بعد قائمة تفضيلاته، فكان عندنا أدهم سليمان وأغنيته التي حققت نجاحًا لافتًا على يوتيوب، «ياسمرا» وهي أغنية عاطفية لكن بكلمات ولحن مختلفين  إلى حد ما عن الخط الأساسي لإنتاج البوب، وهناك أيضًا أحمد كامل وأغنيتيه «مابقتش أخاف»، و«كان فيه طفل».

المهرجانات/ الراب/ التراب

في عالم المهرجانات، كان هناك اتجاهين، اتجاه للاقتراب من «المينستريم» في الساحة الغنائية، انتهجه أوكا وأورتيجا، جاء واضحًا وصريحًا في أعمالهم التي تلت «العب يالا»، حيث يبدو أنهما وضعا تجربة أحمد مكي نصب عينيهما، الذي قدّم بدوره هذا العام أغنيتين من داخل أجواء التوعية الحكومية والأخلاقية، خاصة في أغنية «آخر شقاوة»، والتي استعان فيها بالمطرب الشعبي الأول محمود الليثي، ليضيف شيئًا للأغنية؛ نجاحًا تجاريًا على الأقل. أكمل أوكا وارتيجا على ذلك، فقدما كلمات تلتزم الشكل التوعوي، مدفوعين بالرغبة في صد التهمة الأخلاقية التي دائمًا ما تقترن باسميها في أي حديث رسمي، فخرجا بمهرجان «سوري» والذي كان من كلماته «اوعى تخلي حد يديك طاقة سلبية»، وصورا فيديو كليب مستمد من عالم الراب الأمريكي، في محاولة لاكتساب جمهور التليفزيون. أيضًا قدّما مهرجان «قولي طب»، الذي وزّعه أحد أشهر موزعي المهرجانات؛ عمرو حاحا.  

أما حمو بيكا أشهر مطرب مهرجانات هذا العام على السوشيال ميديا وفي الشارع أيضًا، فلم تكن أعماله بها قدر من التجديد، ولكنه نجح في الحفاظ على مساحته التي انتزعها باستخدامه لنفس التيمة اللحنية في معظم أعماله، على نهج شعبان عبد الرحيم، فيتعاون في الأغلب مع الموزع فيجو الدخلاوي. لو نظرنا على ثلاث من أكثر أعماله شهرة على مدار العام، «عالم فاسد»، و«رب الكون ميزنا بميزة»، و«حظي قليل» والذي صدر خلال الأيام السابقة، سنجد كلهم بنفس اللحن والتوزيع، تختلف الكلمات فقط، يمكنك دمج الثلاث مع بعضهم دون أن يشعر أحد بشيء مختلف.

أما الاتجاه الآخر، فكان الاشتباك بين المهرجان والراب والتراب، في فرصة لعالم الراب والتراب في الاقتراب أكثر من قاعدة جماهيرية أوسع، وفرصة للمهرجانات في تجديد نفسها. قدّم السادات تجربتين من أهم التجارب هذا العام مع الصاعدين من عالم التراب المصري، فتعاون مع ويجز في «خربان»، ومع مروان بابلو في«عزبة الجامع».

أما علاء فيفتي، فحاول بدوره التجديد  لكن من داخل عالم المهرجان، كان أغلبها بصحبة الموزع مولوتوف، جاء كل عمل مختلف عن سابقه، مثل «كله بالحب» و«بلعب أساسي» و«تبيع بكام»، كل مرة يحاول فيفتي دخول عالم جديد، إما بالكلمات أو بالتوزيع وأدائه الذي يؤكد في كل عمل إنه حقًا صاحب ضربة البداية في هذا العالم، حتى إنه في نهاية العام يقدم «دولتنا مدينة السلام» والذي يعيد فيه تقديم ضربة البداية «مهرجان السلام».

من ناحية أخرى، شهدنا تعاون مغنيّ الراب مع مغنيين شعبيين، مثل تعاون أبيوسف مع إسلام شيبسي وشعبان عبد الرحيم  في «مش هقدّر حد» والتي أنتجتها «ريد بُل». وقبله قدم زاب ثروت في ألبومه أغنيتان واحدة بصحبة طارق الشيخ، وأخرى مع أحمد شيبه.

هذه الاندماجات التي شهدناها هذا العام بين أنواع موسيقية مختلفة، ربما تحمل تنبيهًا أن الجمهور يريد التجديد، وأن الساحة لم تصل بعد لدرجة استقرار، وأن الملعب ما زال فارغًا، لمن يريد أن يجرّب نفسه، وأن يقدّم شيئًا مختلفًا. ربما كانت أغنية «إنتي أي كلام»، والتي حققت نجاحًا كبيرًا على السوشيال ميديا، والتي لا تحمل أي كلمات، وما هي إلا تنويعات وتوزيعات على جملة لحنية واحدة، هي أكبر مثال عن حالة الملل من القديم، التي حاول كل نوع موسيقي التغلّب عليها هذا العام بمحاولة نقْش الآخرين، أو على الأقل الاستفادة من تجاربهم.

اعلان